زوايامختارات

المغرب وجبهة البوليساريو: هل دقّت طبول الحرب في الصحراء؟

 

266 ألف كم مربع. مساحة شاسعة حائرة بين الجميع منذ انتهاء حقبة الاستعمار، تقع في أقصى المغرب العربي، يطلق عليها البعض “الصحراء المغربية”، ويطلق عليها آخرون “الجمهورية العربية الصحراوية”، وما تكاد تهدأ قضية هذه المنطقة حتى تشتعل مُجددًا، لتنذر بحرب إقليمية لا تُبقي ولا تَذر، آخرها الصراع الذي تجدد بين الحكومة المغربية وجبهة البوليساريو، ليترقب الجميع نتائج الحرب التي بدأت شرارتها، ومن الواضح أن نيرانها لن تخمد إلا بعد أن تطال الجميع كغيرها من صراعات المنطقة، التي خلقها الاستعمار وما زالت باقية حتى اليوم، ولا يعلم أحد متى تنتهي.

جبهة البوليساريو

كيف بدأت الأزمة؟

تعود بداية الأزمة بين المغرب و”الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” أو ما تُعرَف باسم جبهة البوليساريو إلى عام 1975 حين استرجع المغرب الصحراء الغربية بعد رحيل الاستعمار الإسباني، ونجح في بسط سيطرته على نحو 80% منها، وهي المنطقة التي طالما طالبت البوليساريو باسترجاعها من الاحتلال الإسباني منذ تأسيس الجبهة عام 1973.

وانتقلت الجبهة بعد ذلك من الكفاح ضد الإسبان إلى مواجهة المغرب، وذلك في عام 1976 ضد ما اعتبرته غزوًا مغربيًّا لأراضيها، مطالبةً بانفصال الإقليم وتأسيس دولة جديدة تحت اسم “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، لتبدأ مسيرة طويلة من الصراع، تخللتها محاولات للحل، لكن باءت جميعها بالفشل.

فبدايةً لجأت المغرب لتسوية النزاع قانونيًّا، عبر محكمة العدل الدولية والتي أصدرت قرارها في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 1975، ونصّ على أن السكان الأصليين (أهل الصحراء) هم مالكو الأرض، ويتمتعون بحق تقرير المصير، الأمر الذي رفضه المغرب وعمد إلى اتباع أساليب سياسية شعبية لترسيخ أحقيته بالمنطقة، مثل تنظيم “المسيرة الخضراء” لإعادة منطقة الصحراء الغربية إلى المملكة.

بالتوازي مع ذلك، كثف المغرب اتصالاته الدبلوماسية مع إسبانيا، ليصل معها في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975 إلى اتفاقية استعاد بموجبها أقاليمه الجنوبية، لكن في أغسطس/ آب 1979، تخلت موريتانيا عن نصيبها من الصحراء الغربية لصالح البوليساريو، الأمر الذي رفضه المغرب وسيطر على المنطقة عسكريًّا، ليخوض فصلاً جديد من النزاع المسلح ضد الجبهة حتى عام 1991.

الأمم المتحدة دخلت على خط الصراع في هذا العام (1991) لترسل بعثة لحفظ السلام، نجحت من خلالها في إلزام الطرفين بوقف إطلاق النار تمهيدًا لتنظيم استفتاء لتحديد مصير المنطقة خلال 6 أشهر، الأمر الذي لم يحدث بالطبع لوجود خلافات بين المغرب والبوليساريو حول تحديد منْ يحق له المشاركة فيه الاستفتاء.

ظلت الأزمة تراوح مكانها منذ ذلك الوقت دون جديد يذكر سوى الاشتباكات الدموية، وأبرزها أحداث مدينة العيون عام 1999، وأحداث السمارة عام 2005، واشتباكات كديم إزيك عام 2010، كما لم تخل هذه السنوات من الاشتباكات من بعض المسارات الدبلوماسية غير الفعّالة كما هي الحال عام 2002، حين اقترح كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة تقسيم الصحراء بحيث يكون للمغرب الثلثان وللبوليساريو الثلث، وهو ما قوبل بالرفض من المغرب، والذي اقترح بدوره لاحقًا في عام 2007  إقامة نظـام للحكـم الذاتـي للجبهـة تحت السيادة المغربية، لكن الاقتراح رفضته البوليساريو.

فتحُ القوات المغربية لمعبر الكركرات

طبول الحرب تدق بالصحراء

على هذه الحال، ظل المغرب متمسكًا بمقترح الحكم الذاتي، وتشبثت الجبهة بحق تقرير المصير، وبقيت التوترات كما هي، كان أبرزها عام 2016، حين وقعت أزمة معبر الكركرات الحدودي الرابط بين المغرب وموريتانيا بعدما أطلقت الرباط حملة تمشيط للمعبر، لترد البوليساريو بإرسال قواتها، وبات الاشتباك بين الجانبين وشيكًا لولا تدخل بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام “المينورسو”.

واليوم بعد مرور نحو 4 سنوات اشتعل التوتر مجددًا من بوابات الكركرات، لكن أكثر تصعيدًا، ما أثار المخاوف من الوصول إلى حد اندلاع حرب، كما صرح ممثل جبهة البوليساريو في الجزائر، عبد القادر طالب عمر، حين قال إن “الحرب مع المغرب اندلعت فعليًّا”.

بدأت بوادر التوتر الأخير منذ منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2020، بعدما أغلقت الجبهة معبر الكركرات، ليتدخل المغرب ويعيد استئناف عمل المعبر، موضحًا أن تحركه جاء ردًّا على استفزازات البوليساريو وقطعها للطرق. وفي المقابل، اتهمت ما تُسمى بـ”وزارة الدفاع في الحكومة الصحراوية” التابعة للجبهة، المملكة المغربية بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، معلنةً “إلغاءه واندلاع الحرب”.

أثار التصعيد الجديد ردود الفعل الدولية التي تراوحت بين التأييد للمغرب، كما هي الحال في مواقف السعودية والإمارات وقطر وعمان والكويت والأردن، وبين الاستنكار كالجزائر، وكذلك دعوات التهدئة واللجوء إلى التفاوض الصادرة عن عدد من القوى الدولية، في مقدمتها فرنسا وإسبانيا وروسيا وكذلك موريتانيا.

معبر الكركرات بعد فتحه من قبل المغرب

المغرب: طريق طويل من الحشد والتمهيد

ردود الأفعال السابقة والتي مالت في معظمها إلى التأييد ودعوات الحل السلمي، لم تأتِ فجأة بل هي نتاج لجهد سياسي عمل خلاله المغرب على حشد الدعم والتأييد لموقفه في قضية الصحراء.

بدأ الحشد منذ سنوات طويلة، لكنه ظهر قويًّا عام 2016، حين عمد المغرب لتقوية علاقاته بدول الجوار والقوى الدولية والإقليمية، وانتظر حتى تهيأت الأوضاع دبلوماسيًّا، ليقدم على الشق الآخر في إستراتيجيته تجاه البوليساريو، وهو الشق العسكري، والسعي لاستعادة السيطرة على المعبر الحدودي وإجبار الجبهة على الانسحاب.

مثّلت الخطوة اتجاهًا تصعيديًّا جديدًا من المغرب مقارنةً بردود فعله السابقة، والتي عادة ما كانت تميل إلى الدبلوماسية، وكان أقصاها عام 2016، حين تحرك عسكريًّا، لكنه لم يُصعِّد، وكان أول المستجيبين لمناشدة الأمم المتحدة بالتراجع. وبالنظر إلى جهود المغرب الدبلوماسية، يمكن القول إنه يبدو أنها تركزت على عدة مستويات تمحورت بالأساس في:

(1) توثيق العلاقات مع الخليج العربي:

سعى المغرب للحصول على الدعم الخليجي عبر عدد من التحركات السياسية، كان أبرزها انضمامه لعاصفة الحزم في اليمن، وتأييده لسياسات الخليج المناهضة لطهران، كما هي الحال في إدانته للاعتداء على السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد عام 2016، فضلاً عن تقديمه الدعم الاستخباراتي لتلك الدول، وخاصة الإمارات، في مواجهة تنظيم “داعش”.

لم تخل محاولات المغرب لتوثيق العلاقات مع دول الخليج من الأزمات أو التحديات، التي تمثل أبرزها في قرار الرباط مغادرة التحالف العربي باليمن، واتخاذه موقف الحياد في الأزمة الخليجية القطرية عام 2017.

نتج عن سياسته هذه، فتور في علاقاته ببعض دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، التي ترجمت انزعاجها من الموقف المغربي بالأزمة القطرية في عدم تعيين سفير لها بالمغرب لمدة عام، لكن المغرب عمد مؤخرًا إلى إعادة العلاقات لمسارها الطبيعي، ما تجلى في إقامة الإمارات قنصلية لها في مدينة العيون بالصحراء المغربية في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، في خطوة تُعتبر اعترافًا رسميًّا بمغربية الصحراء.

وقبل تلك الخطوة، سعى المغرب لإزالة الفتور في علاقاته بالسعودية، وإيفاده لوزير الدفاع إلى الرياض، حيث التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لإزالة الخلافات بين البلدين وتعزيزها، وبالفعل انتهى اللقاء بتأكيدات سعودية على أهمية العلاقات مع المغرب وضرورة توسيعها.

(2) تعزيز الحضور المغربي بإفريقيا:

عززت الرباط حضورها بإفريقيا سياسيًّا، وذلك عبر عودتها للاتحاد الإفريقي في يوليو/ تموز 2016، بعد انسحابها منه سابقًا عام 1984 رفضًا لاعتراف المنظمة آنذاك بـالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي تقودها البوليساريو.

جاءت الخطوة بنتائج إيجابية للمغرب، حيث وجّهت 28 دولة عضوًا التماسًا لرئيس دورة الاتحاد الإفريقي آنذاك، لتعليق مشاركة الجمهورية الصحراوية مستقبلاً في أنشطة الاتحاد وجميع أجهزته.

وبجانب هذا، حرص المغرب على تعزيز حضوره بإفريقيا عبر تعزيز الزيارات، والتي بلغ عددها منذ 2016 نحو 12 زيارة، عمد خلالها العاهل المغربي إلى إقامة شراكات اقتصادية قوية مع “القارة السمراء”، وإن لم تكن مواقفها داعمة لسياسة المغرب، حتى أصبح أول مستثمر بمنطقة غرب إفريقيا، وثاني مستثمر في القارة عمومًا، بعد جنوب إفريقيا.

 (3) الحصول على الدعم الدولي:

استغل المغرب حضوره وموقعه كبوابة عبور إستراتيجية بإفريقيا ووظّفها للحصول على الدعم الدولي لسياسته تجاه الصحراء والبوليساريو، فالتأثير المغربي المتنامي في القارة، يفرض على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومختلف الدول الساعية للاستفادة من إفريقيا كسوق اقتصادية واعدة، بناء علاقات دبلوماسية متوازنة مع المغرب، وأن تأخذ في الحسبان الدور المغربي في القارة كبوابة عبور إستراتيجية، ومصالحه التي تستوجب من تلك الدول دعم الموقف المغربي أو التزام الحياد على الأقل.

(4) احتواء وتطويق الجزائر:

مثّلت الجزائر الدعم الأكبر لجبهة البوليساريو، ودائمًا ما نادت بحقها في تقرير مصيرها، ودعمتها عسكريًّا ودبلوماسيًّا، ما ظهر في تأسيس الجبهة ما بين عامي 1975 و1976 “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، بدعم من الجزائر وتشكيلها حكومة في منطقة تندوف بأقصى الجنوب الجزائري. وكذلك دورها في اعتراف منظمة الوحدة الإفريقية بالحكومة الصحراوية.

في مقابل هذا الموقف، لجأ المغرب إلى الجمع بين إستراتيجيتي الاحتواء والتطويق في سياسته تجاه الجزائر، بهدف احتوائها وتقليص التهديدات المحتملة من جانبها. وتمثل الاحتواء في العديد من السياسات التي هدف من خلالها المغرب إلى التقارب مع الجزائر، كما تجلى في الزيارة التي أجراها وفد مغربي إلى الجزائر في يوليو/ تموز 2016، والتي نوقشت خلالها عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، والاتفاق على تكثيف تعاونهما الأمني بخصوص مواجهة التهديدات الإرهابية.

أما التطويق فظهر في التنافس بينهما على الزعامة بعدد من أزمات المقدمة، كما هي الحال في ليبيا، حيث الجهود المغربية لتطويق وتقليص نفوذ الجزائر، ما ينعكس على دعمها لجبهة البوليساريو، وكانت أحدث هذه الجهود استضافة الرباط للحوار الليبي في مدينة بوزنيقة المغربية منذ أسابيع، وقبلها رعاية اتفاق الصخيرات السياسي عام 2015، وتوجيه دعوة لليبيين لعدم إهدار طاقتهم في إيجاد وسطاء آخرين لمتابعة الحوار، في محاولة لإثناء الليبيين عن البحث عن وساطات أخرى، وجزائرية بالأحرى.

(5) ترسيخ مغربية الصحراء:

حشدت الرباط لترسيخ مغربية الصحراء، والحصول على ما يمكن أن يسمى بغطاء دبلوماسي لموقفها وتحركاتها السياسية، عبر تشجيع مختلف الدول لفتح قنصليات لها في المناطق الخاضعة لسيطرته في الصحراء. وبالفعل وصل عدد الدول التي فتحت ممثلية دبلوماسية لها نحو 16 دولة، من بينها جزر القمر وجامبيا وزامبيا وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية وغينيا بيساو.

إلى أي مدى يمكن أن يمتد النزاع؟

من خلال هذه الجهود السابقة، تمكّن المغرب من الحصول على دعم العديد من الدول، وفي نفس الوقت تجنب الإدانات المحتملة من القوى الدولية، وأضعف جبهة البوليساريو إلى حد كبير، ليُحقق بعد ذلك تقدمًا عسكريًّا عبر سيطرته على معبر وإعادة فتحه رسميًّا، لكن الأمر لا يعني انتهاء النزاع بينه وبين الجبهة أو وقوفه عند هذا الحد، فالواقع يشير إلى أننا أمام عدة سيناريوهات مستقبلية لهذا النزاع:

(1) مزيد من التصعيد ومزيد من المكاسب:

يشير هذا السيناريو إلى تصعيد المواجهات العسكرية بين القوات المغربية والجبهة، وهو التصعيد الذي من المتوقع أن ينتهي لصالح المغرب في ظل قدراته وترسانته العسكرية في مقابل الأسلحة التقليدية التي تملكها الجبهة، ما يعني مزيدًا من المكاسب للرباط وخروج الجبهة من مناطق أخرى عبر التفاوض أو التقدم العسكري على الأرض مباشرة.

(2) إضعاف البوليساريو:

حتى إن توقف التصعيد العسكري بين الجانبين، فالأمر سيكون له تداعيات سلبية على الجبهة بعد انسحابها، وإن حصلت الجبهة على الدعم الجزائري، فمن غير الواضح إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الدعم، فالجزائر رغم دعمها المستمر للجبهة سيُهدد اندلاع حرب بالقرب منها استقرارها الأمني، ويُعرضها لخطر الجماعات الإرهابية التي تنشط في مثل هذه الأجواء غير المستقرة. وما يزيد غموض الموقف الجزائري، انشغال المؤسسة العسكرية الجزائرية -داعمة الجبهة– بتطورات الأوضاع الداخلية في البلاد، ومخاوفها من استغلال المغرب لتلك الظروف.

(3) التسوية:

يمكن أن تحدث حال تدخلت أطراف أو مؤسسات دولية لتسوية الأزمة بدلاً من اندلاع الحرب، لأنها ستكون حربًا غير مباشرة بين المغرب والجزائر، وهو أمر من شأنه الإضرار بالمصالح الأمنية والإستراتيجية للقوى الدولية، خاصة في ظل استفحال تهديدات الجماعات الإرهابية في الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء واستمرار الأزمة الليبية.

 

دينا حلمي

باحثة سياسية متخصصة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى