"المقاتلة الغامضة"

صدمة سلاح الجو الأمريكي للأوساط العسكرية

في سرية تامة، قام سلاح الجو الأمريكي بتصميم وتصنيع وإطلاق نموذج أولي واحد على الأقل لمقاتلته من الجيل التالي، “الغامضة”، حسبما أكد كبير مسئولي الاقتناء بالقوات الجوية لموقع “ديفينس نيوز”، في 14 سبتمبر الجاري. 

هذا التطور بالتأكيد سيكون صادمًا للأوساط العسكرية التي شهدت لآخر مرة رحلة الطيران الأولى للمقاتلة التجريبية أثناء المعركة على عقد “جوينت سترايك فايتر” منذ 20 عامًا. 

من مراحل تصنيع الطائرات الأمريكية

ونظرًا لأن برنامج المقاتلات المستقبلية، التابع لسلاح الجو الأمريكي، لا يزال في مهده؛ فإن إطلاق أول رحلة ناجحة لطائرة عرض لم يكن متوقعًا على مدى سنوات.

وفي مقابلة حصرية مع موقع “ديفينس نيوز” قبل انعقاد “مؤتمر الطيران والفضاء والسيبرانية” الذي ينظمه “اتحاد القوات الجوية”، قال ويل روبر: “صنعنا وأطلقنا بالفعل أول طائرة عرض مكتملة في العالم الحقيقي، وحطمنا بذلك أرقامًا قياسية لم يتوقع أحد تحطيمها”، وأضاف: “مستعدون للمضيّ قدمًا لبناء طائرات الجيل التالي بطريقة غير مسبوقة”.

في الغالب، ستبقى كافة التفاصيل المتعلقة بالطائرة نفسها غامضة وغير معروفة بسبب التصنيف السري لـ”برنامج الهيمنة الجوية للجيل القادم”، الذي يمثل جهود سلاح الجو الأمريكي لإعداد مجموعة من أنظمة الحرب الجوية المترابطة، والتي يمكن أن تشمل مقاتلات وطائرات بدون طيار ومنصات شبكية أخرى في الفضاء أو في العالم السيبراني. 

ورفض كبير مسئولي الاقتناء بالقوات الجوية التعليق على عدد الطائرات التي تم إطلاقها، أو الشركات التي قامت بتصنيعها، كما لم يذكر متى أو أين انطلقت الرحلة الأولى. 

ورفض أيضًا الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بتصميم الطائرة أو مهمتها، أو ما إذا كانت بطاقم أو بدون طاقم، أو ما إذا كانت قادرة على الطيران بسرعة الصوت، أو مدى قدرتها على التخفي، مؤكدًا أن هذه الأمور “خارجة عن الموضوع”.

أمريكا اختبرت نموذجًا من المقاتلة الجديدة بشكل سري

وبحسب روبر، فإن المهم هو أنه بعد عام واحد فقط من استكمال القوات الجوية الأمريكية تحليل البدائل، أثبتت أن بإمكانها استخدام تقنيات تصنيع متطورة للغاية لتصنيع واختبار نسخة افتراضية من مقاتلتها القادمة، ثم الانتقال إلى بناء نموذج أولي كامل وإطلاقه في ظل وجود أنظمة المهام على متن الطائرة. 

“لا يمكن تطبيق هذا الأمر على الأنظمة البسيطة مثل طائرة T-7 Red Hawk التي صنعتها شركة بوينج، وهي أول طائرة تابعة للقوات الجوية يتم بناؤها باستخدام الثالوث المقدس”، المؤلف من الهندسة الرقمية، وتطوير البرمجيات الذكية، والتصميم المفتوح”، بحسب “روبر”، الذي قال: “نتبع أكثر الأنظمة تعقيدًا، واستوفينا كافة متطلبات هذه التكنولوجيا الرقمية، ولم نكتفِ بذلك بل عرضنا شيئًا خياليًا بكل معنى الكلمة”. 

والآن يصل “برنامج الهيمنة الجوية للجيل التالي”، (NGAD)، إلى مرحلة اتخاذ القرار. 

ويل روبر رئيس برامج الطيران في سلاح الجو الأمريكي

وقد رفض “روبر” الإفصاح عن مدى السرعة التي تستطيع بها القوات الجوية إدخال مقاتلاتها من الجيل التالي إلى حيز الإنتاج، واكتفى بقوله: “بسرعة كبيرة”، لكن قبل أن تتخذ القوات الجوية الأمريكية قرار بدء إنتاج جيل جديد من المقاتلات، يجب عليها أن تحدد عدد الطائرات التي ستلتزم بشرائها، والوقت الذي ستبدأ فيه عمليات الشراء، وغير ذلك من الخيارات التي يمكن أن تؤثر على ميزانيتها المالية لعام 2022. 

ويمتلك “برنامج الهيمنة الجوية للجيل التالي”، (NGAD)، القدرة على إحداث تغيير جذري في الصناعات الدفاعية، وإذا تحركت القوات الجوية لشراء هذا البرنامج على المدى القريب، فستضيف بلا شك منافسًا جديدًا لبرامج “F-35” و”F-15EX”، ما قد يعرضها للخطر.

سلاح الجو الأمريكي

ونظرًا لأن تقنيات التصنيع المتقدمة الضرورية لبناء “برنامج الهيمنة الجوية للجيل التالي” تخضع لقيادة القطاع التجاري، فإن البرنامج قد يفتح الباب أمام ظهور شركات ومتعهدين جدد، وربما يمنح الفرصة لإيلون ماسك، مؤسس شركة SpaceX، لتصميم برنامج منافس لبرنامج F-35. 

“أتخيل أنه سيكون هناك الكثير من المهندسين، ربما من المشاهير الذين ينتمون إلى عائلات عريقة، ويمتلكون مليارات الدولارات لاستثمارها، الذين سيقررون تأسيس أعظم شركة لصناعة الطائرات في العالم، من أجل صناعة أعظم طائرة في العالم، بالتعاون مع القوات الجوية الأمريكية.. هذا بالضبط هو الشيء المثير الذي يريدون القيام به”، بحسب “روبر”.

وقد يكون الكشف عن نموذج أولي كامل لمقاتلة تحلق في الهواء أمام أعين الجميع هو ما تحتاج إليه القوات الجوية للحصول على مزيدٍ من الدعم المالي من الكونجرس في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطًا تتعلق بالميزانية، وتحتاج بشدة إلى قوة دفع حقيقية، كما قالت ماكنزي إيجلن، محلل ميزانية الدفاع في “معهد أمريكان إنتربرايز”. 

وأضافت: “كان إطلاق النموذج الأولي من مقاتلتها المستقبلية هو الحلقة الأسهل في سلسلة طويلة من الإجراءات، والآن يجب على القوات الجوية أن تختار ما إذا كانت ستلتزم بمنهجية محكمة لشراء هذه المقاتلة”.

شهود عيان قالوا إنهم رصدوا المقاتلة الجديدة

على مدى الخمسين عامًا الماضية تراجعت القاعدة الصناعية الأمريكية من عشر شركات قادرة على تصنيع مقاتلة متقدمة إلى ثلاث شركات فقط، هي “لوكهيد مارتن”، و”بوينج”، و”نورثروب جرومان”. 

وامتد الوقت الذي استغرقته القوات الجوية لنقل مقاتلة جديدة من مرحلة البحث والتطوير إلى الإنتاج الكامل من بضع سنوات إلى عقود عدة، وكانت النتيجة أن أصبح البرنامج الخاص بكل مقاتلة يمثل شأنًا وجوديًا للشركات التي باتت تقاتل لإثبات قدرتها على تلبية المتطلبات التقنية في مرحلة التطوير والإنتاج بتكلفة أقل من منافسيها. 

وتمكنت الشركات أخيرًا من جني الأرباح خلال السنوات الأخيرة من البرنامج، عندما تحولت إلى مزودي خدمات دعم لوجيستي تمتلك المعرفة التقنية اللازمة لتطوير وإصلاح وإطالة أعمار منتجاتها دون متابعة أو تدقيق من قبل الكونجرس.

في هذا السياق تقول إيجلن: “تمثل استدامة المنتج ثقبًا أسود لا يستطيع أحد فهمه، كما يمثل عاملا التشغيل والصيانة ثقبًا آخر لا يستطيع أحد سبر أغواره، والشخص الذي يمكنه تغيير الاستدامة يمكنه أيضًا تغيير لعبة الاقتناء بكاملها”. 

بالنسبة إلى سلاح الجو الأمريكي، فإن نقطة التحول سوف تحدث عندما يصل عمر طائرة ما إلى 15 عامًا، ففي هذا العمر تزداد تكاليف الصيانة بسرعة كبيرة تصل من 3% إلى 7% سنويًّا، كما كتب “روبر” في وثيقة بتاريخ 15 سبتمبر بعنوان “الحقيقة غير السارة: واقع الاقتناء الرقمي الجديد”.

مقاتلة أمريكية

لكن.. ماذا لو اتجه سلاح الجو الأمريكي إلى شراء طائرات جديدة بدلًا من إنفاق مبالغ طائلة على صيانة الطائرات القديمة؟

بدلًا من شراء كمية كبيرة من مقاتلة واحدة على مدى عقود والاحتفاظ بكل طائرة لمدة 30 عامًا أو أكثر، كما هو المعيار حاليًّا، فإن نموذج “سلسلة القرن الرقمي” الذي يقترحه “روبر” يفترض أن تقنيات التصنيع وتطوير البرامج تجعل من الممكن أن يقوم سلاح الجو بتطوير وشراء الطائرات بشكل متكرر كما فعل في خمسينيات القرن الماضي عندما اشترى ست مقاتلات من ست شركات على مدى سنوات قليلة أثناء “سلسلة القرن” الأصلية. 

ففي أغسطس الماضي، أنهت وحدة برنامج الطائرات المتقدمة التابعة لسلاح الجو الأمريكي تحليل دراسة الجدوى الخاصة بنموذج “سلسلة القرن الرقمي” بهدف التحقق مما إذا كانت الفكرة مجدية من الناحية التقنية، والأهم من ذلك قادرة على توفير المال.

وتوصل قادة الوحدة إلى أن تطبيق ممارسات التصنيع والتطوير الرقمي، على نحو ما هو معمول به في “برنامج T-7” وتطوير النموذج الأولي لـ”برنامج الهيمنة الجوية للجيل التالي”؛ يمكن أن يؤدي لخفض التكلفة الإجمالية لدورة حياة مقاتلة الجيل القادم بنسبة 10% على مدى 30 عامًا مقارنة بالمقاتلات القديمة مثل F-35 وF-15، كما كتب “روبر”.

ترامب يضع يده على طائرة أمريكية بدون طيار

لكن بنفس سعر مقاتلة مصنعة رقميًّا وتصل دورة حياتها إلى 30 عامًا، يمكن للقوات الجوية شراء مقاتلة جديدة كل ثماني سنوات واستبدالها بعد 16 عامًا (قبل أن تبلغ الطائرة علامة 3500 ساعة طيران، والتي تتطلب عندها إصلاحات كبرى وتعديلات باهظة الثمن لإطالة عمر خدمتها).

“لا أعتقد أنه من الذكاء صناعة طائرة واحدة فقط تكون مهيمنة على جميع المهام في جميع الأحوال طوال الوقت”، كما أكد “روبر”. وأضاف: “تسمح لنا الهندسة الرقمية بصناعة أنواع مختلفة من الطائرات، وإذا كنا أذكياء حقًّا، فنحن نضمن تطابقًا ذكيًّا في الأسطول يتمثل في معدات دعم وأشكال قمرة قيادة وواجهات وتصميمات وحتى مكونات مشتركة مثل معدات الهبوط، مما يسهل عمليات الصيانة”. 

الفارق الرئيسي هو أن سلاح الجو الأمريكي سوف يتحول إلى إنفاق غالبية تكاليف برنامج المقاتلات مقدمًا بدلًا من إنفاقها في نهاية عمر الطائرة. 

وللاستمرار في تصميم مقاتلات جديدة، ستُبقي القوات الجوية على عدة متعهدين متعاقدين لتطوير طائرات جديدة، واختيار تصاميم جديد كل ثماني سنوات تقريبًا، ولتقديم دراسة جدوى مربحة لقطاع الصناعة، فستلجأ القوات الجوية إلى شراء دفعات من 50 إلى 80 طائرة كل عام.

سيؤدي هذا إلى زيادة بنسبة 25% في تكاليف التطوير و18% في تكاليف الإنتاج. في مقابل ذلك، سينخفض سعر تحديث الطائرة بنسبة 79%، وستنخفض تكاليف الصيانة بنسبة 50%، كما ذكرت وثيقة “روبر”.

طائرات أمريكية مقاتلة

وأضاف: “ستكون هناك أيضًا فائدة استراتيجية لإنتاج الطائرات وتطويرها بشكل مستمر، حيث ستضع هذه الاستراتيجية الصين في موقف الدفاع، وسيتعين عليها طوال الوقت الرد على التقدم التقني الذي تحققه الولايات المتحدة بعد أن تدخل القدرات الجديدة، سواء كانت صواريخ تفوق سرعة الصوت، أو طائرات بدون طيار، إلى مرحلة النضج وتتحول إلى إنتاج المقاتلات”، متابعًا: “سيؤدي هذا إلى تسريع وتيرة الإنجاز حتى نتحول من ضحايا لتقنية التشويش إلى منتجين لها، لكن هذا سوف يحدث بطريقة لا يمكن تقويضها بالزج بالعمالة الرخيصة في قلب المشكلة”.

تتمثل الخطوة التالية في أن تتخذ قيادة سلاح الجو الأمريكي قرارها بشأن المبالغ التي يمكن أن تخصصها للبرنامج في السنة المالية 2022، وما إذا كانت ستتبنى نموذج “سلسلة القرن الرقمي” لتطوير طائراتها. 

وأوضحت وثيقة “روبر”: “ما نحتاج إلى القيام به للمضيّ قدمًا في هذا السياق هو أن نفهم ببساطة مستوى الالتزام المالي الخاص بسلاح الجو، وموعد بدء العمليات الأولية، ويمكننا حينئذ ملاءمة استراتيجية الاقتناء الخاصة ببرنامج الهيمنة الجوية للجيل التالي على هذه المعطيات، وشرح مدى السرعة التي يمكننا من خلالها تحقيق طفرة في هذا المجال، ومتى نحتاج إلى وقف استخدام الطائرات لتحقيق مدخرات كافية لتلبية احتياجات هذه الطفرة”.

إذا كان سلاح الجو الأمريكي سيحصل على دعم مالي من أجل وضع خطة عمل تتطلب من دافعي الضرائب دفع تكلفة أولية أعلى للمقاتلات، فيجب على سلاح الجو أن يحدد بوضوح القدرات القتالية المطلوبة، كما أشارت “ريبيكا جرانت”، محللة الفضاء في مؤسسة IRIS Independent Research في واشنطن. 

وأضافت: “الآن لدينا تكاليف الدفعة الصغيرة من المقاتلات F-35، وF-15EX، وسلسلة القرن الرقمي.. إذا كان هذا رائعًا، فربما يستحق التكلفة الأولية.. يمكنني أن أؤكد ذلك وأنا على يقين وثقة كاملين”.

المقاتلة الأمريكية F-35

على الجانب التقني، يحتاج سلاح الجو الأمريكي إلى ترسيخ منهجية صارمة وموحدة لإجراء الاختبارات في بيئة افتراضية باستخدام أدوات النمذجة والمحاكاة التي يمكنها اختصار الوقت المطلوب لإجراء اختبارات طيران حية، كما يحتاج أيضًا إلى الصناعة للمشاركة في الترميز عبر بيئة حاسوبية مملوكة حكوميًّا، كما أوضح “روبر”.

وتابع: “لا يمكننا أن نترك كل شريك في الصناعة ينشئ آليته الخاصة، فقط يجب أن تكون لدينا إجراءات صارمة للتصميم والتجميع الرقمي، تمامًا كما نفعل في حالات تجميع التصميم المادي، لذا سنمتلك ذلك في الحكومة وسنصادق عليه في الحكومة”.

والأهم من ذلك كله هو أن سلاح الجو سيحتاج إلى إقناع الكونجرس بهذا التصور، ومن ثم فقد أطلع “روبر” أعضاء فريق العمل على لجان الدفاع، وعقد جلسات سرية مع العديد من المشرّعين المشاركين في تلك اللجان لعرض نتائج دراسة الجدوى، بالإضافة إلى التقدم الذي حققته أنشطة تطوير “برنامج الهيمنة الجوية للجيل التالي”. 

“كان هناك بعض الآراء القاسية حيال ذلك.. كان هناك أفراد قيل لي إنهم يريدون تقويض هذا البرنامج، أو إنهم لا يفهمون أسباب احتياجنا إليه”، بحسب تأكيد “روبر”: “لكنني لم أغادر واحدة من جلسات الإحاطة إلا بعد أن قال المشرّعون: “هذا هو المستقبل.. علينا إنجاز ذلك الآن، ولماذا لا نعمل بوتيرة أسرع مما نحن عليه؟”.. الإجابة ببساطة هي “المال”، يمكننا اليوم أن نضغط بقوة أكبر على دوّاسة البنزين لأن التكنولوجيا الرقمية تسمح بذلك.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

أحمد بركات

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search