وجهات نظر

الملك السابع و”راسبوتين” الأفريقي

تتسم العلاقات في منطقة القرن الأفريقي بأنها بالغة التعقيد والتشابك، وهي تتسم بوجود تنافس وصراع عميق الجذور بين كل من إريتريا وإثيوبيا والصومال. وقد اشتهرت المنطقة على مدى عقود طويلة بالحرب الأهلية والصراع، وغياب التنمية الاقتصادية، فالصومال أضحت مثالا نموذجيا لمفهوم انهيار الدولة؛ وربما تعد الدولة الأكثر هشاشة في العالم.

خلال التسعينيات، تفككت الدولة إلى درجة أنها أضحت عاجزة عن القيام بالوظائف الدنيا التي يقتضيها مفهوم الدولة، كما ظلت إريتريا وإثيوبيا في حالة حرب لسنوات. ومن جهة أخرى تشترك إثيوبيا والصومال أيضًا في تاريخ من المواجهات العنيفة.

لعل أحد الأمثلة على هذا الصراع المستمر هو الصراع للسيطرة على منطقة أوجادين، ولكي نفهم الأزمة الحالية في منطقة القرن الأفريقي، ولا سيما ما يحدث في إثيوبيا حاليًا، من الضروري العودة إلى العامل الإريتري والطموح الجيوسياسي لأسياس أفورقي الذي يمكن وصفه بأنه: “راسبوتين الأفريقي”. لقد احتفظ لنفسه بمنصب رئيس الدولة بلا منازع منذ عام 1991، وتمكن من خلال تغيير تحالفاته وسياساته المتقلبة أن يتغلب على خصومه السياسيين في القرن الأفريقي لمدة ثلاثة عقود.

كان أسياس أفورقي زعيم الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا ماركسيا حتى النخاع. فقد تلقى تدريبه العسكري والأيديولوجي وفقا للفكر الماوي في الصين زمن الثورة الثقافية، وخلال النضال من أجل الاستقلال  قامت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا بترجمة أعمال كارل ماركس وماو تسي تونج وإنجلز ولينين إلى اللغة التيغرينة، وهي اللغة السائدة في إريتريا، وذلك بحسبانها أدوات تعبئة سياسية للجماهير . بالإضافة إلى ذلك، كان أفورقي قائدا بارعا وعسكريا ماهرا في فنون المناورة والاحتيال.

ومن المفارقات أن الولايات المتحدة التي كانت تروج لمشروع القرن الأفريقي الجديد بعد نهاية الحرب الباردة كانت تعتبر الزعماء الجدد في ذلك الوقت مثل ميليس زناوي وأسياس أفورقي وجون جارنج بمثابة القوى الدافعة للتغيير.

لم يكن مستغربا أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يصف أفورقي بأنه “زعيم نهضوي أفريقي “. ومع ذلك، فإن أفورقي، ظل متمسكا برؤيته الفكرية والأيديولوجية، ولم يتغير نمط حكمه منذ نحو ثلاثة عقود خلت حتى باتت أريتريا توصف بأنها بمثابة كوريا الشمالية في نسختها الأفريقية.

جاءت الفرصة سانحة لراسبوتين القرن الأفريقي في عام 2018 عندما سافر أبي أحمد إلى أسمرا حاملا معه غصن الزيتون، لقد فكر أبي كثيرا في كيفية تحقيق حلم والدته ليصبح الملك السابع، ويحظى بالشهرة الدولية، ولم يكن ذلك ممكنا سوى عن طريق بوابة” أسمرة” حيث يعود أسياس أفورقي لممارسة مهاراته وتحقيق رغبته في الانتقام من التيغراي من جهة، وإقامة كونفدرالية هشة يتوج عليها الملك السابع (أبي أحمد)، وتبقى السلطة الحقيقية في الإقليم الذي يتحكم في المنافذ البحرية بقيادة أسياس.

وبالعودة إلى التاريخ الحبشي حتى في عصر الامبراطوريات كانت سلطة الملك لا تتعدى كثيرا حدود حاضرة ملكه، ويعتمد في بسط سيادته على أمراء الأقاليم عن طريق غوايتهم بالمال تارة، أو بفرض السلطة الروحية تارة أخرى.

ووفقا لتقرير بريطاني رسمي لعام 1906، كان الإمبراطور مينليك حاكما مطلق السلطة، رغم أن سلطته لا تمتد لأكثر من عشرين ميلاً فيما وراء قصر حكمه. كان هذا هو حال الإمبراطورية الحبشية حتى سقوطها. حيث كانت مؤسسات الدولة أشبه بالواجهة الكبيرة البراقة لقصر كلاسيكي، يخفي وراءه صروح متداعية من الحجر الجيري.

ووفقا للحكمة السائدة كان بإمكان حكام الحبشة حشد جيوش هائلة وتحقيق انتصارات في ساحة المعركة، ولكن خارج المنطقة المجاورة مباشرة لقصر الحكم ومعسكر الجيش، كانت الدولة مجرد تعبير رمزي .

هل يعيد أبي أحمد بمساعدة حليفه أسياس أفورقي هذا التاريخ الذي تراجعت فيه سلطة المركز لتقتصر على قصر الحكم ومعسكرات الجيش.؟ طبقا للكاتب أليكس دي وال فإن أبي أحمد الذي كان يحلم بأن يكون الملك السابع في إثيوبيا يفتقر إلى مهارات تقدير الأمور، والاستشارة وفنون الحكم التي كان يمتلكها أسلافه. تطلعاته تفوق بكثير قدراته، ويبدو أنه غير مستعد لتقديم تنازلات في أوقات المحن و الشدائد.

في غضون ثلاث سنوات فقط ، قام آبي أحمد بتفكيك المؤسسات الموجودة بالفعل والتي جعلت إثيوبيا تعمل كدولة، بل وكانت رمزا لرواية الصعود الأفريقي، حيث قام بحل الجبهة الحاكمة التي كانت في بعض النواحي أقوى من الإدارة المدنية للدولة، وأعاد تشكيل الجيش بطريقة جعلته غير فعال وقوض وزارة الخارجية معتمدا على جيوش من الكتائب الاليكترونية والمغتربين لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تمثيل الدولة. وفي جملة واحدة أصبح أبي وحده محور صنع السياسات: فهو السياسي صاحب الاقتناع الشخصي المطلق والمُخلص وفقا لرواية مديمير.

بدلاً من فنون الحكم وانضباط المؤسسات الحكومية، أعاد أبي أحمد ابتكار أساطير أمة باركها الرب، ودولة ورثها أسلاف يقودونها إلى الازدهار. إنه من دعاة الخمسينيين السياسيين، ليس فقط في دائرته الكنسية وأسلوبه الخطابي، ولكن أيضًا في عقيدته القائلة بأن الخلاص يتطلب إلغاء أي تسلسل هرمي أو مؤسسات تتوسط بين الفرد المؤمن والرب القادر على كل شيء.

من الممكن أن تكون الحرب في تيغراي قد بدأت بأهداف سياسية محدودة، أو ما أسماه أبي نفسه مهمة إنفاذ القانون. ومع ذلك، أصبحت طبيعة الحرب أكثر خطورة بمجرد دخول جيوش التحالف (الفيدرالي – الأمهري – الإريتري) إلى تيغراي. يبدو أن نيتهم المشتركة كانت سحق تيغراي ، وهو تصعيد في أهداف الحرب اعترف به أبي أحمد في أكثر من مناسبة. في هذه الأثناء، يبدو آبي ( الملك السابع ) مفتونًا برؤيته المسيحانية عن نفسه، ولا يمكنه التخلي عن تحالفه مع أولئك الذين يؤمنون بشدة بإحياء التقاليد العسكرية للإمبراطورية الحبشية وتحويلها إلى واقع معاش.

والحقيقة أن إثيوبيا اليوم تواجه تحديًا سياسيًا وجوديًا حيث أصبح الجيش الوطني خارج الخدمة، وهو ما دفع برئيس الوزراء إلى اعلان التعبئة العامة على أساس عرقي. لقد قلبت قوات دفاع التيغراي الطاولة عسكريًا.

النية المعلنة لحكومة تيغراي هي إجبار الحكومة الفيدرالية على التفاوض بشأن النقاط السبع التي أعلنت عنها في 4 يوليو 2021. وإذا فشلت الحكومة الفيدرالية في التفاوض بجدية، فقد يتجه التيغراي إلى أديس أبابا. واللافت في ذلك كله هو موقف أسياس أفورقي الذي يلعب على كل التناقضات، فقد عزز تحالفه العسكري مع منطقة أمهرة وهو ما قد يؤدي إلى نتائج كارثية . إذا قامت إريتريا بتسليح قوات الأمهرة الإقليمية على نطاق واسع فإنها سوف تصبح أكثر قدرة من الجيش الوطني وتغير أيضًا ميزان القوى في النزاع الحدودي مع السودان.

وختاما فإن تحالف الملك السابع مع راسبوتين الأفريقي سوف يُفضي لا محالة إلى نتائج كارثية على المدى القصير ولاسيما في ظل حالة العجز التي يعيشها المجتمع الدولي. نستطيع الحديث عن أربعة سيناريوهات في المدى القصير على النحو التالي: هناك سيناريو الفوضى القادمة التي يتعرض فيها أهالي التيغراي للتمييز العرقي وللعنف الموجه. أما السيناريو الثاني فهو احتمال تصادم القوميات الإثنية المشحونة للغاية عبر خطوط الصدع في الاتحاد. وقد ظهر ذلك واضحا في اشتعال الصدام بين العفر والصوماليين وتعطيل خط التجارة السريع بين جيبوتي وأديس أبابا. السيناريو الثالث هو الصراع داخل المؤسسة السياسية حول من يجب أن يحكم وبأي شروط، ولا يستبعد في هذه الحالة فرضية الانقلاب بمعانيه المختلفة بما فيها المابعد حداثية. السيناريو الرابع هو التصعيد السريع للصراع في المناطق الحدودية ولاسيما مع السودان، مما قد يؤدي إلى تطور الحرب الأهلية في إثيوبيا لتصبح صراعا إقليميا واسع النطاق . ورغم ذلك كله يظل موقف راسبوتين القرن الأفريقي ملغزا ولا يمكن التنبؤ به.

 

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى