ثقافة وفنمختارات

الملك فاروق.. حَمْل تاريخي كاذب

 

كان فاروق طامحًا إلى حكم مملكة مستقلة فجنى عداوة الإنجليز، متطلعًا في حماسة الشباب إلى لعب دور في الحياة السياسية، فاكتسب سخط النحاس وحزب الأغلبية، وراوده إلى جانب هذا وذاك حلم عن “مصر الكبرى” كقوة إقليمية تستعيد أمجاد جده محمد علي، معتقدًا أن تحرير فلسطين هو أول الدرب، فأغضب الأمريكان، ليرحل لأن أحدًا لم يعد يرغب في بقائه.

الصورة السابقة رسمها رجل اقترب من فاروق بحكم المصاهرة إلى جوار اضطلاع راوينا بمهام ضمن مخططات الملك الطموحة، لكن هذا لم يمنعه من العمل مع ثورة يوليو/تموز فكان أحد مؤسسي وزارة الإرشاد القومي، وكلفه عبد الناصر بإصدار مجلة سياسية واقتصادية شهرية باللغة الإنجليزية موجهة إلى دوائر النخب الغربية.

في كتابه “الملك فاروق الذي غدر به الجميع”، يحكي عادل ثابت رواية ليست شائعة عن آخر ملوك مصر بحكم ما تعرض له من تشويه -على امتداد عقود- غذّته سيرة غير منزّهة.

البداية جاءت مع لحظة التتويج، عندما جرى تبكيرها 7 أشهر بفتوى من الشيخ المراغي، شيخ الأزهر في الفترة من 1928 حتى استقالته 1930، باعتبار فاروق حاكمًا مسلمًا، فعمره يُحسب بالتقويم الهجري لا الميلادي، وبالحساب الأول أتم الأمير ولي عهد المملكة المصرية يوم تتويجه الثامنة عشرة من عمره.. كانت الفتوى استجابة لرغبة الملكة الأم، نازلي، حتى تقطع الطريق على محاولات الوصي على العرش، محمد علي -الابن الثاني للخديوي توفيق وشقيق الخديوي عباس حلمي الثاني- في انتزاعه.

في هذه الفترة وقع فاروق تحت تأثير رجلين، شيخ الأزهر وعلي ماهر باشا، كان الاثنان يدفعان إلى شكل من الحكم يصطبغ بصبغة إسلامية، ففكرة نقل الخلافة من إسطنبول إلى القاهرة رغم معارضة النخبة الليبرالية، لم تفقد جاذبيتها. وتماهيًا مع هذا التوجه جرت محاولة لإخراج مراسم التتويج وفق هذا النزوع، لكن مصطفى النحاس باشا، رئيس الحكومة المصرية وقتها، رفض بحزم. ولم يمنع ذلك الشيخ المراغي، في خطابه يوم تنصيب فاروق، من تأكيد على أن “الدستور الوحيد الحقيقي هو القرآن، والملك الدستوري الوحيد الحقيقي هو الملك الصالح”.

غذّى هذا الاتجاه النزاع القديم بين القصر وحكومة الوفد، صاحبة الأغلبية، خاصة حين ظنّ النحاس باشا -بحسب ثابت- أن الفرصة مواتية لاسترداد امتيازات انتزعها الملك فؤاد، والد فاروق، لكن الملك الجديد، وبتحريض من مستشاريه المعادين للوفد، تصدى لمحاولات النحاس، وبلغت العداوة ذروتها بينهما مع حادثة فبراير/شباط الشهيرة 1942عندما حاصرت الدبابات الإنجليزية قصر الحكم في عابدين لتجبر الملك على تكليف النحاس بتشكيل الوزارة.

قبلها أقال فاروق وزارة الوفد 1938، متحديًا الإنجليز بعدما أوفدوا مبعوثًا دبلوماسيًّا هو السير رونالد ستورز، لينصح الملك سرًّا بعدم إقالة النحاس إثر فضيحة فساد متعلقة بمنح امتياز كهرباء سد أسوان لشركة إنجليزية.

ويذكر عادل ثابت أنه رغم توثيق فاروق علاقته بعدد من الجنرالات البريطانيين الموجودين على الأراضي المصرية في أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد انتهج نهجًا وطنيًّا في ما يخص الموقف المصري منها، فقد عارض بشدة رغبة السفير الإنجليزي، السير مايلز لامبسون، في إعلان مصر الحرب على دول المحور، وأقال فاروق حكومة حسين سري باشا، خال زوجته الملكة فريدة، عندما رضخت حكومة سري لضغوط لامبسون لسحب اعترافها بحكومة فيشي الفرنسية في أثناء غياب الملك لرحلة استجمام.

كان فاروق بتلك التصرفات مصدر إحباط كبيرًا للسفير الإنجليزي، فنقل ثابت عنه أن “فاروق كان يفعل كل ما هو خطأ؛ يتواصل مع الوزراء المعادين لبريطانيا، ويتصرف كأنه الملك الحقيقي للبلاد، ويعامل السفارة كأنها شر كريه لا مفر منه، لكن بعكس ما هو شائع فأفعال فاروق الكريهة لم تكن في إطار ميله لدول المحور، بل كانت رغبة الملك تنحصر في استقلال قراره لا معاداة طرف لحساب آخر”، كما يروي ثابت.

هذا التوتر في العلاقة بين فاروق ولامبسون أفضى في النهاية إلى حادثة 4 فبراير/شباط، التي أججت العداوة مع السفير المحموم بكراهيته وحقده على فاروق، والمندفع -رغم رفض عدد من القادة العسكريين- إلى اقتحام قصر عابدين، رغبة منه في إذلال الملك “الغُلام”، كذلك مع مصطفى النحاس بعد قبوله تشكيل الوزارة.

وبعيدًا عن الوفد ومشروعه في ملَكية دستورية، تقدم الملك خطوات على سبيل حلمه في إقامة نظام ذي صبغة إسلامية لا يقيد ملكيته بشيء غير “الصلاح”، فاعتمد مشروع الجامعة العربية نواة لاتحاد إسلامي يصب في صالح وراثته للخلافة.

الفكرة دعا لها عبد الرحمن باشا عزام، وأيدتها بريطانيا طمعًا في أن تخدم المصالح الإنجليزية، لهذا السبب كان وزير الخارجية البريطاني أيام الحرب العالمية الثانية، أنتوني إيدن، من أوائل الداعين لإنشاء اتحاد عربي. وبعكس المشهور، فإن جامعة الدول العربية منذ نشأتها واجهت السياسة البريطانية، فأدانت الجامعة الممارسات الإنجليزية في مصر في اجتماع شهير في أكتوبر/تشرين الأول 1946، وعقد الأمين العام عزام باشا صفقة سرية مع الحكومة الإيطالية في أواخر 1947 وقفت إيطاليا بمقتضاها إلى جوار ليبيا في طلب استقلالها مقابل تأييد الدول العربية للمصالح الإيطالية في الصومال.

كان عبد الرحمن باشا عزام هو أيضًا من اقترح على فاروق -وفق ما كشفه عادل ثابت، همزة الوصل بين الرجلين- إعادة بناء الجيش المصري بعد نكبة 1948، وبالفعل تعاقد مع جنرال ألماني مخضرم، هو آرثر شميث، للبدء في تلك المهمة، لكن محمد حيدر باشا، وزير الحربية المصري، أعاق شميث إثر طلبه الاطلاع على وثائق وتقارير الجيش عن الهزيمة لبحث أسبابها.. كان الطلب مزعجًا إلى أقصى حد، خوفًا من كشف مسؤولية حيدر المباشرة عن الهزيمة.

ورغم أن فاروق هو من استبقى حيدر وزيرًا للحربية بعد تغيير الحكومة وتولي الوفد، فإن حيدر وقف بصلابة أمام رغبة الملك، وفي إطار المناورة استقدم جنرالاً ألمانيًّا آخر بديلاً، وكان هذا سببًا في كشف سر شميث ومهمته في بناء الجيش، لينزعج الأمريكان وينضموا إلى طابور أعداء فاروق.

في رأي عادل ثابت أن الأقرب للملك الشاب هم من غدروا به، أمّه بسيرتها، وزعيم الأمة مصطفى النحاس عندما نظر إلى صغر سن الملك الجديد على أنه فرصة لاسترداد امتيازات اغتصبها أبوه الملك فؤاد، وزوجة فاروق، فريدة، حين دخلت في صراع منغّص مع الملكة نازلي، فطارد كل امرأة صادفها هروبًا من مشكلاتهما، أما آخر الغادرين به فكان حيدر باشا، الذي أفشل جهود الملك في بناء جيش وطني قوي قادر على خوض معركة تحرير فلسطين واسترداد الكرامة المهدرة، لكن قبل كل هؤلاء كان فاروق الغادر الأكبر بفاروق.


هزم ملك مصر نفسه، فبدلاً من التوافق مع زعيم الأغلبية تدعيمًا لطموح الاستقلال، انخرط في صراع ضد النحاس بتحريض من سن صغيرة وشعبية جارفة تمتع بها في بدايات حكمه، وبتشجيع من رؤية مضللة لحاشية معادية لـ”الوفد”، واتخذ فاروق إلى جانب ذلك عددًا من القرارات الخاطئة، منها الذهاب لحرب لم يكن مستعدًّا لها دفعًا لـ”عار التخلي عن الالتزام الفلسطيني”، كما أفشل مخطط إعادة بناء الجيش بوضع ثقته في رجال من أمثال حيدر باشا، الذي كان وقادته، غير الأكفاء، سببًا رئيسًا في نكبة 1948 بتقاعسهم عن تجهيز القوات بما احتاجته من أسلحة وعتاد.

حلم فاروق -وفق رواية ثابت- باستعادة “مصر الكبرى”، التي كان نفوذها الثقافي والروحي يتجاوز حدودها الطبيعية في مقابل “مصر الصغرى”، التي تشكلت في العهد العثماني إلى أن جاء محمد علي محاولاً إنشاء إمبراطورية تتمثل فيها مصر صورتها القديمة، لكن القوى الغربية أفشلت المحاولة، ثم جاء الاحتلال وأجهز على أي إمكانية لبعث هذه الصورة.

كل هذا لم يُعرف عن فاروق، فقد بدا في مرآة ثورة يوليو/تموز ملكًا خائنًا ماجنًا لا يهتم إلا بملذاته، بعيدًا كل البعد عن صورة قائد الثورة التي أنهت حكم الأسرة العلوية، لكن انعكاس فاروق في رواية ثابت، وكذلك في روايات آخرين، يجعله قريب الشبه جدًّا بعبد الناصر، سواء في الطموح وفي ما حصّله من نتائج، وإن كان فاروق لم يملك يومًا سلطة مطلقة مثل تلك التي امتلكها ناصر.

تدلل رواية ثابت بذلك على أنه لا توجد معرفة تاريخية منزهة عن الرأي والتأويل، فتنسيق الوقائع يخضع دومًا لرؤية موجهة، علمًا بأن مبادئ اختيار وقائع بعينها وإهمال أخرى لا يكون بناء على معطيات الواقع، بل بحسب انحياز الراوي أو المؤرخ، لكنّ في هذا الخصوص معنى أهم ينبه إليه الفيلسوف الروسي ألكساندر كوجيف، وهو أنه ليست هناك “لحظة تاريخية”، مشروع فاروق الطموح وهزيمته لنفسه، إلا عندما “ينتظم الحاضر متطلعًا إلى المستقبل، شريطة أن يلج المستقبل في الحاضر بواسطة الماضي”. ومقصد كوجيف أن اللحظة التاريخية إذا لم يعتبر بها الحاضر فلن تصبح حينها “تاريخية” لأنها ستتمدد في الحاضر ليمتنع المستقبل بما يحمله من جِدَّة، أو بعبارة أخرى لجورج سانتيانا: “من لا يتذكر التاريخ محكوم عليه تكراره إلى الأبد”، وهو ما قصد إليه كوجيف حين دعا الجميع: “انظروا حولكم.. كل شيء أصبح يشير إلى أن التاريخ بات مغلقًا”، فانظروا حولكم!

 

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى