زوايا

المطرب علي بن رحاب.. “صوت الشعب” في عهد المماليك

ارتفع شأن الغناء في مصر خلال عصر سلاطين المماليك فأقبل أمراؤهم وسلاطينهم على ضروب الملاهي ومتع الحياة ولذاتها بصورة لم يعرفها أسلافهم من قبل. وكان لهم مطربون مقربون، لعل أشهرهم نور الدين علي بن رحاب.

اقترب ابن رحاب من سلاطين المماليك، وصار له مكانة خاصة عندهم. لكنه لم يكن يعلم أنه سيدفع حياته ثمنًا لهذا القرب، خاصة بعد أن أغوته الكرامات التي منحها السلاطين له، فارتدى ثوب السياسة، و”تحدث فيما لا يعنيه”، فكانت عاقبته الهلاك.

من هو ابن رحاب مغني المماليك؟

هو الريس نور الدين علي بن رحاب. كان مغنيًا ومداحًا. وصفه ابن إياس في “بدائع الزهور” بـ”فريد عصره ووحيدة دهره”، وقال إنه كان “من نوادر الزمن”.

كان من بين جوقة المغنيين المقربين من بلاط السلطان قايتباي (1482 – 1498)، فلم يكن يخلو حفلًا عامًا يقيمه الأخير إلا ويحضره علي بن رحاب، حتى ذاع صيته في عالم الغناء، إذ “لم يكن له مثيل بشهادة معاصريه”، كما يورد حامد محمد حامد في “خريدة القاهرة“.

أقبل أمراء وسلاطين المماليك على الغناء بشكل كبير (تعبيرية)

لعل القدر لعب دوره في شهرة علي بن رحاب، فقد كان السلطان المؤيد، صاحب الجامع الشهير عند باب زويلة، أشهر سلاطين المماليك في الموسيقى والغناء، وكان شاعرًا وله مقطوعات غنائية. دفعه شغفه بالغناء إلى إنشاء فرقة تسمى “الشبابة السلطانية”، تزعمها المطرب ابن رحاب؛ فكان ينظم لها الأشعار، ويلحن لها، وذلك كما أورد عبد المنعم شميس، في “عظماء من مصر”.

ابن رحاب يحيي حفلات الختان

في دراستها “طائفة المغاني في مصر في العصر المملوكي”، تقول ميرفت عثمان حسن، إنه من المناسبات الخاصة التي لعبت فيها المغاني دورًا هامًا في هذا العصر، هي حفلات الختان. وكان الاحتفال بالختان يستمر لسبعة أيام في طرقات القاهرة وأزقتها، ويحشد لتلك الاحتفالات المطربين في الأسواق، والمغنيات في البيوت.

اقرأ أيضًا: علي باشا الروبي.. قائد عُرابي الذي رفض الاعتذار للإنجليز

وكان علي بن رحاب على رأس المطربين الذين توكل إليهم إحياء مناسبات الختان، فمما أورده ابن إياس أن ابن رحاب أحيى حفل ختان أبناء المنصور عثمان بن الظاهر جقمق في دمياط، وتوجه المغني ابن رحاب ومشي في الزفة، كما أحيى حفل ختان ابن السلطان المؤيد أحمد بن الأشرف.

نفيٌ إلى الشام

اعتاد بعض السلاطين تفضيل مغنيًا على آخر، كما حدث عام 1466 تقريبًا، حين أحيا المطرب علي بن رحاب سماعًا (اسم الحفلات الغنائية آنذاك)، في منطقة باب الوزير، ووقع خلاله هرج بين الحضور أدى إلى وقوع قتيل.

علم السلطان في هذا الوقت بما حدث من هرج أفضى إلى قتل، فأصدر أمره بنفي علي بن رحاب إلى الشام، فخرج وهو مكبل في الحديد، رغم أنه ليس بقاتل أو متسبب مباشر في الحادث، بحسب ابن إياس.

لكن لحسن حظ ابن رحاب أنه عندما وصل غزة شفع فيه القاضي أبو الفضل بن جلود عند السلطان، فسامحه الأخير وسمح له بالعودة. ويوضح ابن إياس أن النفي كان محبةً من السلطان لإبراهيم بن الجندي منافس ابن رحاب، وما كان أمر الهرج إلا “حجة فارغة” كما قال ابن إياس.

علي بن رحاب.. مطرب الثورة؟

شهرة ابن رحاب الفائقة، بوأته منزلة بين الكبار. لكنه رغم ذلك قرر أن يكون لسان المستضعفين من أبناء الشعب، وإن كان ذلك على حساب شهرته وحياته أيضًا؛ فشارك في الحياة السياسية عن قرب، وألّف الأغاني أو كلف من يفعل ذلك، في هجاء بعض الأمراء الذين كانوا على عداء مع من يميل إليهم من أمراءٍ آخرين.

ويؤكد ابن إياس هذا الأمر بقوله: “لقد كان ابن رحاب على مستوى اجتماعي كبير، وكانت له مشاركة في شؤون البلد لا تقل عن أي مشاركة لسياسي معروف”.

لكن لماذا انخرط نور الدين علي بن رحاب في السياسة؟ أجهدت مصر من حروب المماليك في الداخل والخارج. تدهورت الأوضاع المعيشية للشعب. ثار الناس على ذلك، فتحوّل ابن رحاب إلى مطرب الثورة: “قام علي بن رحاب يغني ضد المماليك والسلطان”، كما يورد محمود السعدني في كتاب “مصر من تاني”.

هل ظلم علي بن رحاب نفسه؟

نظرًا لقرب علي بن رحاب من السلاطين، ومكانته عندهم، ما كان منهم إلا أنذروه لينتهي عن التعدي على بعض الأمراء والمماليك بهجائه وغنائه، وفي الوقت ذاته يتقرب بذلك من أمراء آخرين يعادون السلطان. لكنه لم يستجب لهم، وظل على حاله، حتى كانت نهايته المؤلمة.

المماليك
انقطعت سيرة ابن رحاب بعد عام من إنزال العقاب عليه بسبب مواقفه السياسية

في “مصر من تاني“، الذي يقدمه محمود السعدني كوثيقة تاريخة متجردة، يقول: “أنذرته السلطة مرة، ثم قبضت عليه مرات. وعندما لم يتوقف، قبض عليه طومان باي وضربه ضربًا مبرحًا، وعراه من ثيابه وشهره في القاهرة على حماره، والمنادي يصيح أمامه: هذا جزاء من يتكلم فيما لا يعرف، ويتدخل فيما لا يعنيه”.

يوضح محمد قنديل البقلي، في كتابه “الطرب في العصر المملوكي”، أن هذه الحادثة وقعت في عهد السلطان قانصوه الغوري. ويشرح البقلي أن سبب تعرض ابن رحاب لهذا، هو أنه كان يناصر الأمير أقبردي الدوادار، الذي كان معارضًا للسلطان وثائرًا عليه. وعندما وصل خبره للسلطان، أوكل لطومان باي مهمة القبض عليه، والتشهير به عاريًا على حماره.

يرى ابن إياس، أن علي بن رحاب هو الذي جنى على نفسه، بل ظلمها،، حتى قال: “كان علي بن رحاب ظالمًا؛ أدخل نفسه فيما لا يعنيه”.

نهاية مأساوية

بعد هذه الحادثة، انقطعت أخبار علي بن رحاب تمامًا لسنة كاملة. بعدها نقل ابن إياس خبر وفاته، قائلًا: “وفي ذي القعدة عام 900 هجرية (وقيل 899، وتوافق عامي 1494، و1495 ميلادية)، كانت وفاة الرئيس نور الدين بن رحاب المغني”.

هذا الانقطاع في السيرة شتت سبب الوفاة، هل كانت نتيجة حسرة واكتئاب، أم أنه تعرض لضرب والإهانة أخرى، أم مما تعرض له في تلك المرة حين قبض عليه طومان باي؟

تقف سيرة ابن رحاب عند ذلك بلا إجابات قاطعة، سوى أنه رجلٌ كان “من نوادر الزمن”، بشهادة ابن إياس نفسه الذي رآه ظالمًا.

معاذ سعد فاروق

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى