“المنبهرون”.. وقود الدجل الفني

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

يملؤون مقاعد المسارح، ويبادرون إلى حجز تذاكر الحفلات الموسيقية والغنائية، وينشطون بآرائهم وأحكامهم النهائية على مواقع التواصل، لا يملكون حظًّا كبيرًا من الاستماع لتراث ضخم شديد الثراء والعمق، ولم يحصّلوا أي أداة يفرّقون بها بين الجيد والرديء، ولا بين الممتاز والعادي، ولا بين ما هو عبقري لا يأتي إلا على فترة من الفن وبين ما هو متاح مبذول تنتجه الحناجر والآلات كل ليلة.. ينبهرون بكل ما يُلقى إليهم، ويخِرّون سُجَّدًا لكل ساحر ألقى عصاه، فكانوا بحقٍّ وقودًا تسير به حركة الدجل الفني والتسطيح النقدي.

فهذا حفل لعازف بيانو شهير، يحضره جمهور ينبهر مما لا يُبهر، ويُدهَش مما لا يُدهِش، ويتراقص مع الجمل الإيقاعية، وتنكسر جفونه من الأحاسيس مع مقام الكُرد، ثم يخرج من الانكسار إلى التراقص مع جملة حماسية نَشِطة.. ثم يخرج من الحفل وهو يُقسم أن ليس في الإبداع أبدع مما سمع منذ قليل.

وذاك حفل آخر لعازف عود يتلاعب فيه بأوتار العود كالبهلوان، ويتقافز بين المسافات في سرعة فائقة، بمقطوعات منحها أسماء تعمل على تخدير المستمع المنبهر، وتوسيع قابليته للتلقي والإعجاب، ومع التصعيد، وتقطيب الحاجبين، تلتهب الأكف بالتصفيق، وتنطلق الـ”واااو” من جنبات المسرح.. فتشجع العازف على تقديم مزيد إبهاره، فيقدم لجمهوره “اختراعه الخطير” للعزف بيد واحدة!

ثم حفل إنشاد ديني تحييه فرقة سورية جاءت إلى القاهرة بعد اشتعال البلد عام 2011، فيقعد الجمهور أمامها مستعدًّا لإبداء مظاهر الانبهار.. ليبدأ بالصراخ عند كل تصعيد نغمي، وكل تصرف غنائي، أيًّا كانت قيمة هذا التصرف، لتشعر أنك أمام مستمع يعتبر الصعود الكروماتيكي إلى الدرجات العالية إعجازًا بذاته يستحق التصفير والزعيق وتوسيع العينين وفغر الفم.

“إحساسه رهيب”.. وصف شاع حتى ابتُذل، يطلقه المنبهرون على كل مطرب ضعيف الصوت متكسر الأداء، يداري ضعفه الفني بملامح مصطنعة للأسى والحزن ومواجهة المآسي.. وبالطبع مع الإكثار من الكُرد والنهاوند للتعبير عن الضياع والفراق، ولأجل دغدغة مشاعر المراهقين المرتبطين، الباحثين عن كلمات وأداء يعبر عن حالتهم، بصرف النظر عن أي قيمة فنية.

مع عصر الإنترنت، والانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت حالة الانبهار تترجم إلى تدوينات وصفحات، تطفح كلها بألفاظ “أفعل التفضيل” والأحكام المطلقة النهائية، مع جرأة لا حدود لها.. فكل من يعجب بمقدمة موسيقية يعتبرها أعظم مقطوعة في تاريخ الموسيقى، وكل من ينبهر بلحن يحكم عليه بأنه قمة ما عرفه فن التلحين، وكل من تشده أغنية يحكم فورًا بتفوقها وتفوق كلماتها ولحنها وغناء من يغنيها.

وقد عمّت هذه الحالة المرضية كل أنواع الأداء الصوتي، من غناء وإنشاد وتلاوة وعزف بل وتوزيع آلي.. فأصبح الفضاء الإلكتروني طافحًا بالإعجاب المجاني الذي لا يقوم على أي أساس، لا من العلم، ولا من النقد، ولا حتى من ذوق مدرب يميز بين الغث والسمين، بسبب طول الاستماع وتنوعه واستيعاب موروثه عبر قرن كامل.

من العجب أن تجد من يُقسم إن مقدمة أغنية كذا لأم كلثوم هي الأجمل والأعظم والأفخم في التاريخ! ويصدر هذا الحكم ببرود واطمئنان، كأنه قد استمع ودرس وفحص وقارن بين موروثنا الموسيقي كله.. ثم تكتشف أنه لم يستمع إلى الغالبية العظمى من أعمال أم كلثوم، وأن المصادفة وحدها لعبت دورها في لفت انتباهه للأغنية التي بَهَرتْه، فقط لأنها تُبث كثيرًا في الفضائيّات أو في إذاعة الأغاني.

يمثل المنبهرون هؤلاء رصيدًا قويًّا لكل ممارسي الدجل الفني، والزيف الموسيقي والغنائي، والجهل العلمي والتاريخي.. فالمنبهر هو دائمًا في حقيقته فارغ، قابل للملء والتشكيل والجرّ بحبال الحكايات المثيرة، وقصص ميلاد الأغنيات، وظروف التقاء المؤلف بالملحن، والملحن بالمطرب.. وأكثر هذه الأقاصيص لا أصل لها من حقيقة أو واقع.

وحول المنبهرين، وعلى أكتافهم، ارتقى عدد من أدعياء الفن، الذين يجهدون في تقديم “اللا شيء”، ما دام سيجد جمهورًا يُهلّل، ويصف الفراغ بالعبقرية، والهباء بالتاريخية، والأوهام بالإبداع.. بالطبع من حق أي إنسان أن يجد متعته الفنية في أي عمل يرتاح له، لكن هذا جانب شخصي، لا يجوز أن يمتد إلى إصدار الأحكام، وتحويل تدوينات التهريج إلى صفحات للممارسة النقدية.

لقد كان لحالة الدجل الفني والنقدي التي نحياها أثرها الكبير في وعي المتلقي، فلم تتركه حتى لفطرته النقية، بل أفسدته وأفسدت ذوقه، فأصبح فريسة سهلة، وغرضًا مُتاحًا، ووعاء قابلاً.. لا يرفض ولا يعترض، وبالطبع، انعكست هذه الحالة على الإنتاج الغنائي والموسيقي كله، فتراجعت الجدية والتفكير والتجديد الحقيقي، واختفى اللحن الأنيق، والغناء الراقي الذاخر بالجماليات الهندسية المدروسة، والارتجالات العفوية البديعة.. وصارت الجماهير تهلل عند كل انتقال نغمي، وكل تحويل موسيقي، وكل تصعيد صوتي.. فمن أين يأتي الدافع للإجادة؟

بل يمكن أن نقول إن حالة الانبهار المجاني بكل شيء، انعكست كذلك على التراث الموسيقي القديم، أو بالأحرى على طريقة تقديمه، فصرنا نرى حفلات الأوبرا ومسارحها تعلن عما تسميه “حفل موسيقى عربية” هكذا بهذا الاتساع، ثم يذهب الجمهور المتعطش، ليرى قطعًا متناثرة لا يربطها أي رابط، ولا يضبطها أي ضابط: موشح لَمّا بدا يتثنَّى، ثم أغنية لأم كلثوم، وأخرى لعبد الوهاب، واوحدة لعبد الحليم، وموسيقى ذكرياتي للقصبجي، وشبّاكنا ستايره حرير لشادية.

والفرقة القومية للموسيقى العربية مثلاً، لا تقدم أبدًا “الوصلة الغنائية”، ولا تقدم وصلة موشحات، وفرقة الإنشاد الديني تقدم خليطًا من الأعمال التي لا تعرف أي اتساق، وتلقي بالأعمال بطريقة مشوهة على الحاضرين: تواشيح لعلي محمود، وقصيدة للفشني، ونشيد للفيومي، وأسماء الله الحسنى لسيد مكاوي، ولحن لإسماعيل سكر، ومولاي إني ببابك قد بسطت يدي لبليغ والنقشبندي، ولاجل النبي للكحلاوي.. وهذا الأسلوب ضخم الأثر في إفساد الذوق، وإرباك المستمع، وأيضًا بالغ الأثر في ضجر الفاهم، وشعوره بضياع الوقت ومعه قيمة التذاكر.

حتى في الحفلات التي تخصصها مسارح الأوبرا لتراث أم كلثوم، لا يجد المستمع الواعي أي خيط يربط بين القطع المختارة، وهو أمر بالغ الأهمية ليس فقط من باب التثقيف الموسيقي، بل حتى من باب المتعة الطربية المحضة، وكل ما تقدمه الفرقة القومية للموسيقى العربية، أو فرقة أم كلثوم من تراث سيدة الغناء هو اختيارات عشوائية، قد تبدأ بـ”ما دام تحب بتنكر ليه” للقصبجي، ثم أهل الهوى لزكريا أحمد، تتبعها ألف ليلة لبليغ حمدي، ثم أفديه إن حفظ الهوى لأبو العلا محمد، ثم أقول لك إيه عن الشوق للسنباطي، ثم دور إمتى الهوى لزكريا، ثم يا مسهرني لسيد مكاوي، ثم على باب مصر لعبد الوهاب.. لذلك كان لا بد من اختيار عنوان فسيح لهذا الخليط المتنافر، فسموها “كلثوميات”.. ومثل ذلك يحدث بالطبع مع أعمال عبد الوهاب، فتحت العنوان الفسيح “وهّابيات” قد يسمع الجمهور “في الليل لما خلي” ثم مضناك جفاه مرقده، ثم مِن غير ليه، دون أن يستشعر مُعِدُّو الحفل الجُرْم الذي يقترفونه في حق الذوق والفن، وذلك لسبب واضح ومتكرر، يتمثل في أن الغالبية الساحقة من الجمهور هم من المنبهرين المُنتشين بكل ما يُلقى إليهم.. أليست هذه أعمال زعيمي الغناء أم كلثوم وعبد الوهاب؟ فلِمَ لا ننبهر؟

وإلى أن يأذن الله بميلاد فجر فني جديد، وإلى أن يقوم على مسارحنا وموسيقانا وفرقنا القومية قوم متسلحون برؤية واضحة للارتقاء بالذوق الجماهيري، وليس مجرد عازفين مجيدين أو مطربين ناعمي الأوتار، وإلى أن يدرك الواقفون على مسرح معهد الموسيقى العربية أن الخشبة التي تحملهم لم تعرف في تاريخها العريق هذا الاستهتار، إلى أن يتحقق كل ذلك، فسيبقى المنبهرون المندهشون المعجبون بكل شيء وقودًا للدجل الفني، وحطبًا لنار تحرق الذوق الموسيقي في أنفس الجماهير.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram