رياضة

المنتخبات المصرية في الأولمبياد..مشاركات رمزية وجمهور ليس له حق الانتقاد

ماذا أعدت مصر للدورة الأولمبية الحالية؟.. سؤال عمره أكثر من 80 عاماً، إذ جاء كعنوان لتحقيق في أحد أعداد مجلة الهلال أوائل العام 1936، قبيل دورة الألعاب الأولمبية في العاصمة الألمانية برلين، وقد استعرض التحقيق استعدادت الفرق المصرية في الألعاب المختلفة تجهيزاً للدورة، ولا يبدو هذا التحقيق الصحفي مهماً في سياقه التاريخي فقط، بل يمكن من خلاله تفسير واقع الرياضة المصرية اليوم.

دعاية حسنة للبلاد

يبدأ التحقيق الصحفي بسرد موجز للنجاحات الرياضية المصرية “القليلة” في الدورات الأولمبية السابقة، ثم يعرج بذكاء إلى فكرة محورية وتأسيسية، من خلال التأكيد على أهمية المشاركة في مثل هذه المنافسات الرياضية، باعتبارها “دعاية حسنة للبلاد في الخارج”، علاوة على دورها في “لفت نظر شباب مصر الناهض إلى أهمية الرياضة “.

وهنا تتبلور الفكرة التأسيسية التي تنظر للرياضة باعتبارها ميداناً للفخر القومي “وتدعيماً لمركز مصر الحديث”، هذا الربط بين ما هو رياضي ووطني كان تجسيداً لمزاج اجتماعي ساد تلك الفترة ويحكم علاقة المصريين بالرياضة حتى الآن.

وقد عبر أمير الشعراء أحمد شوقي عن هذا المعنى ببلاغة، في معرض مدحه البطل الأولمبي سيد نصير المتوج بذهبية رفع الأثقال بأولمبياد أمستردام 1928 -كأول مصري وعربي يحقق ميدالية أولمبية-، يقول شوقي:

شَرَفاً نُصَيرُ اِرفَع جَبينَكَ عالِياً

 

يا قاهِرَ الغَربِ العَتيدِ مَلَأتَهُ

 

وَتَلَقَّ مِن أَوطانِكَ الإِكليلا

 

بثَناءِ مِصرَ عَلى الشِفاهِ جَميلا

 

الأمر ذاته ينطبق على بطل الجودو المصري محمد علي رشوان، الذي أحرز فضية الجودو في دورة لوس أنجلوس 1984 ، بعد غياب مصري لمدة 24 سنة عن منصة التتويج الأولمبية، ورغم خسارة رشوان في النزال النهائي، إلا أن قيمه الأخلاقية وروحه الرياضية بعدم استغلال إصابة منافسه الياباني ” ياسوهيرو ياماشيتا”، جلب له تقديراً دولياً واسعاً، وخاصة في اليابان -بلد منافسه-، وقد انعكست هذه الإشادة الدولية، بالتالي، على المصريين، الذين اعتبروا رشوان خير ممثل للقيم المصرية الأصيلة في العالم.

وبهذا المعنى أيضاً يمكن اعتبار الرياضة كأحد تجليات القوة الناعمة للدولة التي تعزز سمعتها، وميداناً لإثبات الجدارة والتفوق وإظهار التقدم، وبملاحظة سريعة للقوى الرياضية التي سيطرت عبر تاريخ الأولمبياد، نجدها تتطابق إلى حد كبير مع كونها أيضاً قوى عظمى سياسياً واقتصادياً، لاحظ الجدول التالي لأفضل الدول من حيث عدد الميداليات (من بداية الأولمبياد عام 1896 – وحتى أولمبياد ريو 2016):

الدولة ذهب فضة برونز المجموع
1 الولايات المتحدة 1022 795 706 2523
2 روسيا (الاتحاد السوفيتي) 590 486 480 1556
3 ألمانيا 428 444 474 1346
4 بريطانيا 263 295 293 851
5 الصين 224 167 155 546
6 فرنسا 212 241 263 716

إن العلاقة الطردية بين التفوق الرياضي والصورة الذهنية الإيجابية للدولة، نجده كذلك في حديث المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله على خامنئي، حين استقبل البعثة الإيرانية العائدة من أولمبياد ريو دي جانيرو 2016 إذ يقول:

إلى البعثة الرياضية العائدة من الأولمبياد، إلى الأبطال الذين أبهجوا قلوب الشعب بحصولهم على ميداليات، إلى السيدات الرياضيات وهن يرتدين حجاب المرأة الإيرانية الباعث على الفخر، إلى السيدة الشجاعة التي تألقت بحجابها الكامل في مقدّمة البعثة، أشكركم جميعاً وأثمن جهودكم“، فالمرشد الأعلى يدرك قيمة الرياضة التي تظهر بلاده بمظهر الدولة المنفتحة والمتقدمة، مع تمسكها الكامل بقيمها الخاصة.

وبمقارنة سريعة نجد أن إيران تحصلت طوالها تاريخها على 69 ميدالية أولمبية، وهو أكثر من ضعف الرقم المصري البالغ 32 ميدالية ومع عدد مشاركات أقل من المصريين، بل إن مجموع الميداليات المصرية بالكاد يتفوق على ميداليات رياضي واحد وهو بطل السباحة الأمريكي مايكل فيليبس الذي أحرز 28 ميدالية متنوعة بينها 23 ذهبية.

إن مقارنة إحصائية بسيطة مع بعض الدول التي تتسم تقريباً بنفس سماتنا الاقتصادية والديموغرافية والثقافية، تكشف لنا عن فشل واضح في منظومتنا الرياضية.

الترتيب العالمي الدولة ذهب فضة برونز المجموع
18 كوبا 78 68 80 226
31 تركيا 39 24 28 91
34 كينيا 31 38 34 103
40 إثيوبيا 22 11 21 54
42 إيران 21 21 27 69
59 مصر 7 10 15 32

هذه الإحصاءات الكاشفة لا تؤرق مضجع مسؤولينا على الإطلاق، حيث صرح المهندس هشام حطب، رئيس اللجنة الأولمبية المصرية، “بثقة” بعد البداية السيئة في طوكيو 2020: “إننا لا يجب أن نتوقع أكثر من 5 ميداليات خلال الألعاب الأولمبية الجارية”، مرجعاً السبب في ذلك إلى “ضعف إمكانيات لاعبينا”، ومشدداً كذلك على أن “الجماهير ليس من حقها انتقاد أداء اللجنة، لأن الجمهور غير مؤهل لذلك”!!

سطوة كرة القدم

يتحدث التحقيق عن كرة القدم التي يصفها بأنها “أكثر الألعاب الرياضية انتشاراً بمصر، ولها كثيرون من الهواة في جميع أنحاء القطر”، والحقيقة أن كرة القدم استحوذت على اهتمام الجماهير والهيئات الرياضية أكثر من أي رياضة أخرى، منذ نشأة الرياضة المصرية وحتى الآن.

فالمنتخب الأولمبي المشارك بطوكيو حاز معظم الاهتمام الإعلامي على حساب الرياضات الأخرى، ورغم هذا الاهتمام الاستثنائي، فشلت كرة القدم المصرية في تحقيق أي ميدالية أولمبية طوال 11 مشاركة سابقة، التي كان أفضلها تحقيق المركز الرابع في أولمبياد طوكيو 1964، والأكثر إثارة للدهشة أن مصر لم تفز أبداً بأي ميدالية أولمبية في أي رياضة جماعية.

في المقابل تحتكر الرياضات الفردية جميع الإنجازات المصرية في الألعاب الأولمبية، فمن مجموع 32 ميدالية أولمبية حققتها مصر عبر التاريخ، أحرزت رياضة رفع الأثقال (14 ميدالية)، ثم المصارعة (7) والملاكمة (4)، وهي رياضات لا تحصل على اهتمام كافٍ يتناسب مع إنجازاتها الكبيرة.

جدول الميداليات المصرية حسب الرياضات المختلفة ( حتى أولمبياد ريو 2016):

الرياضة ذهب فضة برونز المجموع
رفع الأثقال 5 3 6 14
المصارعة 2 3 2 7
الملاكمة 0 1 3 4
غطس 0 1 1 2
الجودو 0 1 1 2
الشيش 0 1 0 1
التايكوندو 0 0 2 2
المجموع 7 10 15 32

وإلى جانب كونها رياضيات فردية، تتسم الرياضات المصرية الناجحة بكونها في معظمها رياضات قتالية، فهل من ملمح اجتماعي يمكن استخلاصه من ذلك؟، وهل نحن مثلاً شعب “عنيف” أم “قوي” ؟، وهل نفتقد قيم العمل الجماعي باعتبار الفشل الذريع في الألعاب الجماعية؟، أم هل نفتقد روح المنافسة إجمالاً؟

ربما تبدو هذه الأسئلة قفزاً إلى نتائج متسرعة، لكن الثابت بالأرقام والإحصاءات أننا لا نحقق على الإطلاق الشعار الأولمبي “الأسرع، الأعلى، الأقوى”، فنحن لسنا الأسرع ولا الأعلى بالتأكيد (لم تحقق مصر أي ميدالية أولمبية في ألعاب القوى)، كما أن الأداء المصري على مؤشر “الأقوى” يبدو هزيلاً للغاية.

المدرب الوطني أم الأجنبي؟

ينتقد التحقيق ضعف استعدادات اتحاد كرة القدم المصري، الذي “أضاع حوالي عام في البحث عن مدرب أجنبي” ، متوقعاً ألا تنافس مصر بشكل جدي لأن “المدة الباقية أمامهم لا تكفي لإعداد فريق قوي يتمكن من الوقوف أمام فرق الأمم الأخرى القوية، التي تستعد لهذه الدورة منذ سنتين أو أكثر”، ومن المرجح جداً أننا سنسمع نفس هذا الكلام في وسائل الإعلام المصرية فور فشل المنتخب الأولمبي في تحقيق أي إنجاز.

أزمة المدرب الأجنبي تتكرر أيضاً مع اتحاد المصارعة، الذي اشتكت هيئته الفنية من المدرب المجري الذي تم توظيفه “بمرتب ضخم لا يتناسب مع مقدرته الفنية أو ما أنيط به من عمل، علاوة على جهله بلغتنا أو بإحدى اللغات الأجنبية المتداولة”، ثم يتساءل التحقيق على لسان الكثيرين : ” ما ضر هيئاتنا الرياضية إن كانت قد استخدمت لغرض تدريب المصارعين أحد المدربين من أبطال المصارعة المصريين مثل البطل الأولمبي العالمي إبراهيم مصطفى الذي اشترك في دورتي سنة 1924 و1928 فدوخ فيهما أبطال العالم الآخرين بمقدرته الفنية وقوته؟”.

ويظهر الانحياز إلى المدرب الوطني أيضاً في سياق آخر، حيث يثني التحقيق على تعيين البطل سيد نصير مدرباً لمنتخب رفع الأثقال، متوقعاً بذلك أن تحصد مصر البطولة العالمية في هذه الرياضة، وقد أصاب الكاتب تماماً في توقعاته.

إذ قاد المدرب الوطني سيد نصير منتخب رفع الأثقال إلى الميداليات الخمسة الوحيدة التي أحرزتها مصر في أولمبياد برلين، وقد حصدت مصر 5 ميداليات متنوعة كلها في رياضة رفع الأثقال فقط، بينها ذهبيتان، وهي بالمناسبة أفضل المشاركات المصرية في تاريخ الألعاب الأولمبية ( بالتساوي مع دورتي لندن 1948 وأثينا 2004) برصيد 5 ميداليات.

هذا الطرح يذكرنا حتماً بالمعضلة الدائمة في الرياضة المصرية، “المدرب الوطني أم الأجنبي”، وسواء انحازت قناعتك الشخصية إلى أحدهما أو كليهما، فإن مشكلة غياب النقد الواعي وتقييم التجارب ما زالت تعترض السبيل إلى استنتاج حقيقي وسليم في هذه المسألة.

وربما هذا ما يفسر لنا الاحتفاء الكبير مؤخراً بالمدرب المصري أمجد عبد الحليم، المدير الفني لمنتخب سيدات الولايات المتحدة في رياضة المبارزة، فتحت قيادته حققت اللاعبة الأمريكية لي كيفر الميدالية الذهبية في سلاح الشيش خلال أولمبياد طوكيو، بينما خرجت لاعباتنا المصريات الثلاث من الدور الأول للمنافسة، وللعلم فإن رياضة المبارزة كانت أولى الرياضات التي اشتركت بها مصر في الألعاب الأولمبية خلال أولمبياد استوكهولم 1912، عن طريق أحمد حسنين باشا -رئيس الديوان الملكي فيما بعد-.

انعدام الذوق الرياضي

ويسوق التحقيق دليلاً آخر على أفضلية المدرب الوطني، بالنظر إلى طبيعة الرياضيين المصريين،”إذ لا يخفى أن أكثر أبطالنا لا يجيدون اللغات الأجنبية، ولذلك فقد تعذر عليهم التفاهم مع هذا الممرن والاستفادة منه”، وهو دليل وجيه في مجمله، لكنه يكشف عن أزمة كبيرة لدى أبطالنا المصريين، وهو ضرورة أن يكون الرياضي مثقفاً ومتعلماً بشكل جيد، وهي أزمة ما زالت تلقي بظلالها على الرياضة المصرية حتى الآن خاصة في عصر الاحتراف.

وفي ذات السياق الثقافي، يسرد التحقيق رواية مريرة عن واقع الرياضة والثقافة في مصر، فقد أرسلت اللجنة الأولمبية الدولية دعوة إلى اللجنة الأولمبية المصرية للاشتراك في مسابقة الفنون والرسم الرياضي، وبعد أن أحالت اللجنة الأولمبية الأمر إلى وزارة المعارف التي أحالته بدورها إلى لجنة الفنون العليا، قررت لجنة الفنون أخيراً “عدم إمكان قبولها، وعزت أسباب ذلك إلى ضيق الوقت وانعدام ذوق الرسم الرياضي بين فنانينا”!

وبالإضافة إلى سمات الرياضة الاجتماعية والثقافية وكقوة ناعمة سياسية، ينبغي أن تعتبر الرياضة أيضاً كنشاط اقتصادي هام وحيوي للاقتصاد الوطني، فالرياضة تسهم بنسبة 1% من الناتج العالمي أي حوالي 700 مليار دولار.

وعلى سبيل المثال، أسهم القطاع الرياضي في إسبانيا خلال عام 2018، بنسبة 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 39.1 مليار يورو، وهو رقم يعادل تقريباً إسهام القطاع الزراعي المصري في الناتج المحلي (44 مليار دولار)، كما وفر القطاع الرياضي أكثر من 400 ألف فرصة عمل جديدة في إسبانيا خلال نفس العام، أكثر بنسبة 30% من أي قطاع اقتصادي آخر، مما يسهم بالتالي في تقليل نسبة البطالة والمشكلات الاجتماعية المرتبطة بها.

الإجابة طوكيو

الأولمبياد - دورة الإلعاب الأولمبية الحالية بطوكيو
دورة الإلعاب الأولمبية الحالية بطوكيو

شاركت مصر في أولمبياد برلين ببعثة قوامها 53 رياضياً -جمعيهم رجال- تنافسوا في 10 ألعاب، والآن، ارتفع الرقم إلى 134 رياضياً ورياضية سيتنافسون في طوكيو، لكن رغم الازدياد الكمي للرياضين، تبقى معضلة الجودة والكيفية علامة استفهام، خصوصاً في ظل هذه الإشكاليات المتوطنة في رياضتنا المصرية، التي تدفعنا للتساؤل بنفس السؤال الآن في الدورة الأولمبية في طوكيو، ” ماذا أعدت مصر للدورة الأولمبية؟”

وهل مازالنا ندور في دوائر مفرغة منذ 85 عاماً؟، إجابة السؤال عند رياضيي مصر الـ 134 ، وبينما تتطلع أنظار المصريين إلى منتخبي كرة اليد وكرة القدم بالأخص، على أمل تحقيق ميدالية أولى لمصر في الألعاب الجماعية، تستمر الرياضات الفردية في النضال من أجل المجد .. ودائماً في الظل.

اقرأ أيضًا: بين جاليانو ومحمود العدوي.. كرة القدم مملكة الوفاء البشري

عمر فرحات

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى