المنشاوي في ليبيا.. عصر من الزيارات وثروة من التسجيلات

صورة من زيارة المنشاوي لليبيا عام 65

كانت الحقبة بين خمسينيات القرن العشرين وسبعينياته ذروة مجد دولة التلاوة المصرية، وكان مما أسهم في ذلك استقلال الدول العربية تباعا خلال سنوات الأربعينيات والخمسينيات، حيث نشأت الإذاعات الحكومية وانتشر البث الإذاعي في مساحات واسعة من العالم العربي، وسرعان ما أدركت هذه الإذاعات التفرد الفني لقراء مصر وتجهزت لجمهورها بتسجيلاتهم، وفي السياق نفسه تسابقت الدول العربية منذ أوائل الخمسينيات إلى دعوة القراء المصريين لزيارتها والقراءة فيها، فتواترت الزيارات أولاإلى العراق وفلسطين ثم سورية ولبنان وتناوب عليها القراء، وأنتجت هذه الزيارات عددا لا يستهان به من التلاوات الروائع في تراث فن التلاوة.

وكان الشيخ محمد صديق المنشاوي على رأس كوكبة القراء الذين جابوا معظم الأقطار العربية خلال سنوات الخمسينيات والستينيات مرتلا آيات القرآن الكريم، لكنه وحده من بينهم – وحتى وفاته – حظي بمكانة خاصة في المملكة الليبية جعلت تردده عليها سنويا وزياراته إليها تطول.

 

البداية كانت في منتصف الخمسينيات، ولم تتح لنا المصادر تحديد العام بدقة، لكن أقدم تاريخ مذكور لتلاوة مسجلة في ليبيا هو العام 1957 وهو عام افتتاح الإذاعة الليبية الحكومية، حيث افتتحت بثلاث محطات بث في طرابلس وبنغازي والبيضاء، والتلاوة المذكورة (الفتح والحجرات وق) من مسجد مولاي محمد بطرابلس.

وقد أفاد الأستاذ توفيق حريب، وهو من أخص السميعة الليبيين بتلاوات الشيخ المنشاوي أن زيارات الشيخ الأولى في الخمسينيات كان ينزل في أكثرها بشرق ليبيا حيث كانت إقامة الملك حينها في طبرق معظم الوقت، قبل أن تصبح العاصمة طرابلس مسرحا لزيارات الستينيات، كما أن ما قرأه الشيخ في شرق ليبيا في الخمسينيات لم يخرج إلى النور بعد، ولا نعرف حاله، ومن المؤكد أنه من أهم وأثرى ما قرأ باعتبار هذه الحقبة المبكرة من شهرة الشيخ.

حظي الشيخ بمكانة خاصة في ليبيا، وعند الملك إدريس السنوسي تحديدا، فكثير من التلاوات التي وصلتنا سجلت في قصر الملك المعروف بقصر الخلد، وحضر الملك بعضها، واستمرت زياراته إلى ليبيا بشكل شبه سنوي حتى العام 1968، وكان يقيم فيها مُددا طوالا.

واللافت في معظم تلاوات ليبيا التي وصلتنا أن مُددها تدور حول الخمسين دقيقة، وبعضها يتجاوزها حتى يقرب الساعة، وهذا يعني أن الشيخ مُنح وقتا مفتوحا للتلاوة، من الملك الذي كانت معظم التلاوات في قصره، وأٌفسح له في البث الإذاعي ما يشاء، فإن هذه المدة لم يكن يبلغها إلا في تلاوات الصعيد التي كان يتلوها بين أهله وأحبابه.

بمراجعة المكتبة الشاملة لتسجيلات الشيخ المنشاوي، والتي بلغت تسجيلاته الخارجية فيها 189 مائة وتسعة وثمانين تسجيلا، نجد أن نصيب تسجيلات ليبيا منها بلغ 48ثمانيا وأربعين تلاوة، أي رُبع تراث الشيخ من الحفلات، وهي نسبة لم تبلغها تلاواته في دولة عربية أخرى، وتحتل بها المرتبة الثانية بعد تسجيلات مصر التي بلغت ثلاثة وخمسين تسجيلا.

فيما بلغت حفلاته المسجلة في المسجد الأقصى إحدى وأربعين حفلة، وحفلاته في سوريا إحدى وعشرين حفلة، وفي الكويت أربع عشرة، وفي العراق تسعا.

ولأن معظم تلاوات ليبيا قُرئت في القصر الملكي، فقد اتسمت بالهدوء النسبي للجمهور مقارنة بتلاوات مصر وسوريا، وهذا انعكس أيضا على طبيعة أداء الشيخ وإبداعه فيها، فإبداعه فيها من النوع الهادئ المتمهل، وفي قائمة تلاواته في ليبيا عدد من الروائع الجديرة بالصدارة.

وعلى الرغم من كثرة زيارات الشيخ إلى ليبيا فإن معظم تراثه الباقي منها يرجع إلى الزيارتين الأخيرتين عامي 1967 و1968، وفي زيارة عام 1968 صحبه الشيخان محمود خليل الحصري ومحمود عبد الحكم، ولتسجيلات هذا العام أهمية ومنزلة خاصة فتُعد تسجيلات الوداع للشيخ الذي عاد إلى مصر مطلع عام 1969 ثم توفي في منتصفه، وكانت تسجيلاته في نصف العام الأخير معدودة على الأصابع لتقدم مرحلته من المرض، فمثلت التسجيلات الوفيرة من تلاوات ليبيا عام 1968 ذخيرة ثرية وعزيزة لسمّيعة المنشاوي قبل وداعه.

وقد شهدت زيارته الأخيرة افتتاحه لبث التلفزيون الليبي يوم 24 ديسمبر 1968، كما وصلنا منها تسجيل فريد من نوعه لحفل ختام القرآن الكريم ليلة القدر من عام 1388هـ 1968م والذي تناوب فيه على التلاوة من سور جزء عم المشايخ محمود خليل الحصري ومحمد صديق المنشاوي ومحمود عبد الحكم من مصر، والأمين محمد قنيوة وعلي عبد الفتاح ويوسف علي نصر وقراء آخرون من ليبيا، مع التكبير والتهليل والتحميد بين كل سورتين، وانتهى الدور إلى الشيخ المنشاوي ليختم الختم بتلاوة الفاتحة وأول البقرة.

ومن غريب الموافقات أن شهر رمضان الذي شهد آخر زيارة للشيخ إلى ليبيا كان آخر رمضان يحل على الملك إدريس السنوسي في عرشه، فقد عاد الشيخ إلى مصر مطلع عام 1969 ثم توفي في العشرين من يونيه منه، ثم قام القذافي بانقلابه المسمى (ثورة الفاتح من سبتمبر) في مطلع سبتمبر، وحل رمضان التالي في نوفمبر والملك في منفاه، وقصر الخلد بلا مليكه وبلا قارئه.

بلغ تراث الشيخ المنشاوي الباقي من تسجيلاته الخارجية في ليبيا ثمانيا وأربعين تلاوة، تلاوة لآخر البقرة وأول آل عمران، وثلاث تلاوات من آل عمران، واثنتين من النساء وواحدة من المائدة، واثنتين من الأنعام وواحدة من الأعراف، واثنتين من الأنفال ومثلهما من التوبة ومثلهما من يونس، وتلاوة من هود وتلاوتين من يوسف، وواحدة من كل من الرعد وإبراهيم، وتلاوتين من سورة النحل، وتلاوة من كل من الإسراء ومريم والحج، وتلاوتين من كل من سور المؤمنون والشعراء والقصص والروم، وواحدة من سورة فاطر وثلاث تلاوات من سورة غافر، واثنتين من الزخرف، وواحدة من سور الفتح والحجرات وق، وتلاوة من سورة الواقعة وخمسا من سورة الحشر وتلاوته المشتركة لسور جزء عم في حفل ختم القرآن ليلة القدر.

ورغم أن إحدى هذه التلاوات، وهي تلاوة (الفتح والحجرات وق) منسوبة إلى العام 1957، فإن التلاوات التي بقي لنا توثيقها يرجع تاريخها إلى عامي 1967 و 1968.

فمن زيارة عام 1967 وُثقت لنا تلاوة الأنعام (73-103) وتلاوة فاطر وتلاوة الحشر والعلق والقدر، ومن زيارة عام 1968 وُثقت تلاوة آل عمران (121-152) والنساء، والأنعام (12-45) والأعراف، والأنفال (1-28) والتوبة (24-51) والحج والرعد وآخر الشعراء وغافر.

أما سائر التلاوات التي لم يتوافر لها توثيق دقيق للعام فمن الممكن الاستنتاج من صوت الشيخ أنها في النصف الثاني من الستينيات، وأن كثيرا منها في الزيارتين الأخيرتين.

ولعل من أهم تلاوات ليبيا التي ينبغي التوقف عندها فنيا تلاوة النحل (51-81) والتي قُرئت غالبا في الزيارة الأخيرة 1968، ونُسبت في الإذاعة المصرية وبعض المواقع خطأ إلى مسجد الحسين 1969.

فإن الشيخ في هذه التلاوة التي بلغت مدتها خمسا وخمسين دقيقة أتى على المقامات السبعة الرئيسة المستعملة في التلاوة المصرية، مكررًا الدخول والخروج بين ستة منها أكثر من مرة، قبل أن يختزن الدقائق الأخيرة من التلاوة لمقام الحجاز وفرعه المسمى (حجاز كار) ويقدم فيها أحد أقوى أداءاته بهذا المقام، وبفتوة صوتية لم تكن معتادة في هذه الفترة التي سيطر عليه فيها المرض، قبل أن يعود إلى مقام الرست على طبقة القرار في الدقيقة الأخيرة للختام.

وعلى كثرة تلاوات ليبيا التي وصلتنا للشيخ المنشاوي، فإنها قليلة بالنسبة إلى زياراته، وما زال الأمل يحدونا أن نعثر على المزيد منها، خاصة تلاواته في مدن الشرق الليبي في زياراته الأولى، والتي ستكون حال ظهورها كنزا فنيا لا يُقدر بثمن.

*استعنا بصور من صفحة الشيخ محمد صديق المنشاوي بــ “فيسبوك”

العودة للصفحة الرئيسية

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search