المهاجرون في الجزائر

غرقى في البحر.. مطاردون في الصحراء

ينتشرون  جماعاتٍ وأفرادًا عند مفترق الطرق، وأمام ورشات البناء، يفترشون  ساحات التجمعات التجارية الخارجية، حيث يحمل أطفالهم علبًا حديدية وبلاستكية للتسول، أما الأمهات فيضعن في حجورهن الرضع ويرقبن المارة، في مشهد بائس يتكرر كل يوم للمهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، القادمين من دول جنوب الصحراء، وصارت تعج بهم كبرى المدن الجزائرية.

لقد عادت مشاهد هذه التجمعات إلى الظهور منذ بداية جائحة كورونا، لتصعد قضية الهجرة عبر الحدود إلى السطح من جديد في ظل تداعيات الأزمة، مقابل عجز تام للسلطة الجزائرية في التعاطي مع هذه الحالات منذ ظهورها في السنوات الماضية.

مهاجرون أفارقة في الجزائر
الهروب من الحرب

تعود الهجرة القسرية في إفريقيا بالدرجة الأولى إلى الحروب والعنف والنزاعات السياسية، في غياب الدولة المركزية في غالب دول شرقي وغربي وساحل القارة.

“بلال” شاب من  شمال مالي، يقول لـ”ذات مصر” إنه ينحدر من عائلة محافظة معروفة، ويشتغل حاليًّا في ورشة بناء بمدينة باب الزوار (وسط العاصمة الجزائرية)، ويعمل لأكثر من 10 ساعات يوميًّا في ظروف صعبة، دون تأمين أو حماية اجتماعية، فهو يمارس نشاطه بنحو غير قانوني وغير رسمي.

ويضيف  المتحدث لـ”ذات مصر” أنه يقيم في الجزائر منذ 7 سنوات تقريبًا، حيث تعرّف على عدة مدن جزائرية واشتغل فيها طويلاً، خاصة الجنوبية منها.

تعود أسباب مغادرة بلال لمدينة “تمبكتو” إلى سيطرة الجماعات الجهادية على المدينة، حيث دمروا الأضرحة، وحطموا المعالم الدينية والثقافية الأثرية، ولم يعد العيش آمنًا ولا مجديًا، حسب قوله.

يضيف الشاب المالي أن الشرطة الإسلامية كانت ضليعة في ارتكاب مجازر شنيعة في حق النساء والرجال، ولم يسلم منهم أيضًا شيوخ الدين أو كل من يخالفهم المنهج والمعتقد.

والد بلال مثلاً، كان إمامًا أشعري المذهب، وقد تعرّض، حسب حديث ابنه، للتعنيف والتعذيب عندما استنكر الاستعباد الجنسي، وإجبار النساء والفتيات على الزواج بالمقاتلين.

يقول بلال إنه تمكن بعد جهد كبير من مغادرة المدينة هو وأفراد عائلته، بعد دفع رشوة لبعض الأقارب الذين صاروا أعضاءً في الشرطة الإسلامية.

أطفال مهاجرون في الجزائر
نحو المجهول

يسلك الكثير من مهاجري دول الساحل الإفريقي وشرق القارة طرقًا محفوفة بالمخاطر، وسط انتشار واسع للجماعات الجهادية والعصابات وتجار المخدرات والبشر وقطاع الطرق.

محمد، 25 عامًا، مهاجر من بوركينا فاسو، يقول لـ”ذات مصر” إن غالب أفراد  أسرته نجح في الوصول إلى إسبانيا، وقد قرر اللحاق بهم عبر ليبيا، لكنه وقع أسيرًا لجماعات مسلحة مجهولة الهوية في طرابلس، سلبت منه جميع الأموال مقابل إطلاق سراحه ليستقر بعدها في الجزائر، حيث الوضع أكثر استقرارًا وأمنًا من ليبيا حسب قوله.

محمد كشف في حديثه لـ “ذات مصر” أنه وبسبب أوضاع الحرب في ليبيا، وإجراءات التضييق على القوارب انطلاقًا من غرب المتوسط، بات من الأفضل له العبور إلى أوروبا عبر الجزائر أو المغرب.

قطع طرق وجثث على الرمال

من جهته، وصف بوبكر، شاب من النيجر، تجربة هجرته بالصعبة جدًّا، فلم يتوقع أن يعيش لحظات عرف فيها طعم الموت. يقول لـ”ذات مصر” إنه استقر في مدينة “باماكو” المالية لأشهر، ثم انتقل إلى مدينة كيدال، ليتوغل نحو الحدود الجزائرية.

بو بكر يؤكد أنه واجه مع الأشخاص المرافقين له حادثة سرقة سيارة المهربين على أيدي قطاع طرق مسلحين، وأشار بو بكر إلى أن السيارة كانت تنقل 11 مهاجرًا من مختلف الجنسيات دفعوا 500 يورو للفرد الواحد، وقد اضطر المهربون إلى الاستعانة بجماعة مسلحة أخرى للخروج من المأزق.

وبحسب بو بكر، فقد كان المسلك الصخري والجبلي  “كيدال- تين زواتين” جهنميًّا، لأنه تسيطر عليه جماعات جهادية مختلفة، وعليك أن تدفع الأموال في كل حاجز، كما تُسلَب المواد الغذائية والمؤونة من العابرين هناك.

هنا، استحضر محدثنا مشاهد السيارات المحروقة وجثث الكثير من المهاجرين المرمية وسط الرمال.

مهاجرون أفارقة في صحراء الجزائر
من العبور إلى الاستقرار

تمتد الحدود الجزائرية على مسافة 1600 كيلومتر، وتحتوي هذه المناطق على مساحات واسعة جنوب الصحراء يستغلها مهربو المهاجرين الأفارقة، بغية التوغل في التراب الجزائري، والتحرك بسهولة.

لقد سُجِّل ما يقارب معدل 500 مهاجر، ينجح في ولوج الجزائر يوميًّا في السنوات الأخيرة، مهاجرون ينتمون إلى نحو 20 جنسية.

ويشكل هذا الملف مخاطر وأبعاد سياسية وأمنية وتداعيات إقليمية أرهقت السلطات الجزائرية لإيجاد طرائق ناجعة للتعامل معها.

من جهة أخرى، وفي غياب إحصاءات رسمية عن عدد المهاجرين الأفارقة الوافدين نحو الجزائر، تُقدّر مصادر إعلامية وجود نحو 50 ألف مهاجر إفريقي، وهو رقمٌ مرشح للارتفاع في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في إفريقيا.

قوات حرس الحدود الجزائرية
حدود المقاربة الأمنية

اعتمدت السلطات الجزائرية المقاربة الأمنية في التعامل مع ملف المهاجرين، فانتهجت وزارة الداخلية عملية الطرد وإعادة المهاجرين إلى أوطانهم، عبر تجميعهم في 9 مناطق، وتنظيم رحلات جماعية برية إلى غاية الحدود، ولتفادي انتقادات المنظمات الحقوقية، ساعد الهلال الأحمر الجزائري السلطات في تنظيم عمليات الترحيل.

في مقابل ذلك، استنكرت منظمات حقوقية عملية الطرد الجماعية وأدانت منظمة “هيومن رايتش ووتش” ترحيل آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء الإنساني.

وذكرت المنظمة أن الجزائر كانت قد طردت أكثر من 3400 مهاجر بمن فيهم الأطفال والنساء، وقالت إنه من حق الجزائر حماية حدودها، لكن لا يجوز لها احتجاز المهاجرين بمن فيهم العائلات والأطفال والنساء.

من جانبها، نفت السلطات الجزائرية حصول أي انتهاك لحقوق المهاجرين،  وأكدت استيفاء الشروط القانونية في عملية الترحيل، واحترام المعايير الإنسانية من توفير الدواء والتغذية والرعاية الصحية والتنقل في ظروف حسنة.

وتنظر الجزائر حاليًّا إلى ملف المهاجرين الأفارقة، وفق مقاربة أمنية تعتمد على حماية الحدود من اختراق الجماعات الجهادية والعصابات المتاجرة بالمخدرات وتبييض الأموال.

وقد سبق أن صرح مسؤول بوزارة الداخلية بأن الجزائر لا تشهد عملية انتقال أفراد من الجنوب إلى الشمال، بل عملية انتقال لكثافة سكانية من جنوب وشرقي إفريقيا إلى الجزائر، وقد يشكل هذا الانتقال السكاني الجماعي أزمة مجتمعية وتخلق اضطرابات داخل الكيان المجتمعي.

حلم الهجرة إلى أوروبا
الجزائر شرطي مرور؟

تسعى الجزائر لمكافحة هجرة الأفارقة بصرامة، وفق تصورها لأبعاد الأزمة اجتماعيًّا وأمنيًّا، دون إشراك الاتحاد الأوروبي في ترسيم خارطة طريق موحدة في معالجة الملف.

وترفض السلطة الجزائرية كل الإعانات المالية المقترحة من بروكسل للتكفل المادي والمعنوي بالمهاجرين، فهي ترى -عبر تصريحات مسؤوليها- أن المساعدات المالية تشكل انتهاكًا للسيادة الوطنية ونافذة أمام الابتزاز الأوروبي للسماح بتدخله في إدارة الملف.

ويسعى الاتحاد الأوروبي من جهته لجعل دول شمال إفريقيا بمثابة الدركي أو شرطي المرور لإيقاف زحف المهاجرين الأفارقة نحو الحوض الشمالي للبحر المتوسط، حفاظًا على أمنه وسلامته، في حين يشكل موقفه الرسمي انتقادًا للدول المغاربية في كيفية إدارة الملف، متهمًا إياها بانتهاك حقوق المهاجرين.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عمار لشموت

صحفي جزائري

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram