ثقافة وفنمختارات

المهاجر العربي في سينما الغرب: لا يجد الهُوِيَّةَ.. وتخدعه محطة الوصول

 

“وليس في الأفق ما ينبئ بأن عهد (السنادبة) قد انتهى.

 بصفة أو بأخرى كلنا اليوم، في العالم العربي، سندباد”.

عبد الفتاح كيليطو

في “الأوديسة”، ملحمة هوميروس الخالدة، يحاول عوليس بطل حرب طراودة  العودة إلى وطنه إيثاكا، في رحلة طويلة حافلة بالمغامرات والمخاطر.

الروائي التشيكي ميلان كونديرا

الروائي التشيكي ميلان كونديرا، المهاجر بدوره إلى فرنسا، يرى أن الأوديسة هي “الملحمة المؤسِسة للحنين”.عوليس هو الحالم الأبدي بالعودة إلى مسقط رأسه. والحنين أو النوستالجيا هي إذًا “المعاناة الناتجة عن الرغبة غير المشبعة في العودة”، كما يقول كونديرا.

يمكننا أن نرى في رحلة الهجرة التي يمر بها العربي إلى الأقطار الغربية مجازًا نقيضًا لما سبق، أو نوعًا من الأوديسة لكنها في الاتجاه المعاكس، هربًا من الوطن لا رغبةً في العودة إليه. أوديسة معكوسة إلى أبعد مكان عن أوطان القتل والدمار.

لكن رحلة المهاجر العربي بلا محطة وصول، أو هو “لم يذق طعم الوصول”، بتعبير الشاعر العراقي سركون بولص.

فما إن يصل إلى أوروبا حتى تبدأ معاناة من نوع آخر. عليه أن يتأقلم مع المجتمع الجديد الذي بات يعيش وسطه، وعليه مواجهة سوء الفهم المحتمل من “الآخر”، وجملة من التصورات والأحكام المسبقة.

كان لزامًا على عوليس بعد عودته إلى إيثاكا أن يواجه الطامعين في ملكه وزوجته. وكذلك على المهاجر أن “يفهم” كيف تراه عين “الآخر”. كطامع في خيراتها وسبب في أزماتها؟ أم ناجٍ من أهوال القيامة ويمكنه أن يحظى ببعثٍ جديد؟

تؤثر التمثيلات السلبية لفئة ما في تفاعل المجتمع مع قضايا هذه الفئات/ الأقليات، وقد تُرسخ لاضطهاد الأقليات عبر رسم صور نمطية سلبية مبتذلة تستقر في الوعي العام والخيال الجمعي، خصوصًا عبر الأعمال الفنية الجماهيرية واسعة الانتشار.

وتعتبر السينما، من خلال قدرتها على التمثيل الثقافي، إحدى أكثر الوسائل تأثيرًا في الخطاب الاجتماعي.

المخرج النمساوي مايكل هانكه

في مرآة المهاجر

من الصعب حصر الأفلام الأوروبية التي تقدم تمثيلاً للمهاجرين. لكن على الرغم من كثرتها فإن قلة منها هي التي اتسمت بالرؤية المغايرة، والبعيدة عن النمطية.

وقبل أن نتناول بعض الأفلام التي اتخذت من المهاجر شخصية رئيسة ومحورية في سير الأحداث، يمكننا القول بأنه حتى الظهور العابر أو الثانوي للمهاجر، داخل الفيلم السينمائي، يمكنه أن يصير متكأً لنقد المجتمع الأوروبي نفسه.

هذا ما فعله المخرج النمساوي مايكل هانكه في فيلمه الأخير “نهاية سعيدة“. قبل نهاية الفيلم، يقاطع الابن الشاب حفلاً فخمًا تقيمه عائلته البرجوازية. يدخل إلى القاعة وبصحبته مجموعة من المهاجرين الأفارقة، ويقدم أولهم إلى الحضور قائلاً: “أعرفكم إلى أصدقائي.. هذا محمد، أتي من نيجيريا.. زوجته وطفلاه أُحرِقوا على أيدي بوكو حرام..” تنتفض الأسرة من أجل إيقافه وثنيه عن محاولاته لإثارة الاضطراب.

“نهاية سعيدة” ليس فيلمًا عن أزمة اللاجئين أو حال المهاجرين، إلا أننا لا نستطيع أن ننفي ذلك أيضًا اعتمادًا على الحكاية الظاهرة فقط للفيلم.

تتركز أهمية المشهد في كونه استكمالاً لما قدمه هانكه من نقد للبورجوازية الأوروبية طوال مسيرته. الابن الذي اقتاد مجموعة من المهاجرين إلى الحفل لا يفعل ذلك كإحساس بالذنب تجاه ذاته كرجل أبيض. إنه يعبر عن تبرمه من طريقة أمه، المسؤولة عن شركة الإنشاءات المملوكة للعائلة، في مواجهة تداعيات حادثة عمل بأحد مواقع البناء. وبالطبع معظم العاملين من اللاجئين والمهاجرين.

يتعامل أفراد تلك الأسرة مع مشكلات العمل والصحة، أو مع الأزمات النفسية والزوجية في جو من التواطؤ وغياب المصارحة.

يُبيّن هانكه أن البورجوازية التي اعتادت التملص من المسؤولية، حتى أمام أزماتها الشخصية، لا يمكنها أن تقدم شيئًا لأزمة المهاجر الإنسانية.

فيلم “ترانزيت” للمخرج الألماني كريستيان بتزولد

في فيلم “ترانزيت”، يقدم المخرج الألماني كريستيان بتزولد أوروبا كلها كأنها في حالة هجرة. من خلال رؤية سوداوية للعالم المعاصر، يطرح بتزولد، في مزيج من الغموض والتوتر، معالجة جديدة لرواية الكاتبة الألمانية آنا سيجرز عن هجرة الأوروبيين في أثناء الحرب العالمية الثانية، لكنه ينقل الأحداث إلى الوقت الحالي.

ويتخيل زحف الألمان على أوروبا، واحتلالهم الوشيك لفرنسا، ربما كإشارة ديستوبية لتصاعد اليمين المتطرف والقوى النازية في ألمانيا وبقية أوروبا.

المهاجر الألماني القادم إلى مارسيليا يتشارك مع أسرة عربية في ترتيبات الهجرة والهرب من الجحيم المحتملة. كأن المهاجر لم يعد حالة استثنائية داخل البلدان الأوروبية، لأن سكان فرنسا نفسها يتوافدون إلى سفارة المكسيك من أجل الهجرة وطلب اللجوء.

الجانب الآخر من الأمل لآكي كوريسماكي

الجانب الآخر من الأمل

يصبغ المخرج الفنلندي الكبير آكي كوريسماكي  حسه الإنساني الفائق بألوانٍ من المفارقات الساخرة، ويخبئ مزيجه الإنساني الساخر خلف قناع من البرود والتجهم والآلية.

وفي فيلمه الأخير “الجانب الآخر من الأمل“، الفائز بجائزة أحسن إخراج في مهرجان برلين، طاقة إنسانية كبيرة يمكنها أن تلهم المتلقي بالأمل دون أي عاطفية مبتذلة أو لحظات ميلودرامية.

يدور الفيلم حول الشاب السوري خالد، الهارب من جحيم الحرب في حلب، بعد مقتل أفراد عائلته في قصف جوي. يبدأ الفيلم بوصول خالد إلى العاصمة الفنلندية هلسنكي على متن إحدى البواخر، مخفيًا وسط الفحم.

يتوجه إلى قسم الشرطة ويقدم طلب لجوء. ترسله السلطات الفنلدنية إلى مركز إيواء جماعي يضم غيره من المهاجين العرب.

عند استدعائه إلى مكتب شؤون الهجرة، يشرع في سرد حكايته ومسار رحلته. نعلم أن شقيقته “مريم” كانت بصحبته لكنهما افترقا بسبب الفوضى والملاحقات الأمنية، وضاع منه أثرها على الحدود المجرية.

يبدو خالد مثقلا بالهموم، ينهشه القلق على مصير مريم، والخوف من مضايقات مجموعة من العنصريين السكارى الذين يعترضون طريقه. ترفض السلطات الفنلندية طلب لجوئه وتأمر بترحيله. يرجعه البوليس إلى مركز الإيواء ويداه مكبلتان خلف ظهره من أجل ترحيلٍ في الصباح.

يقدم الفيلم خطًّا سرديًّا موازيًا، نرى من خلاله شخصية “فيكستروم”. رجل فنلندي في منتصف العمر.

في صمتٍ، يقدم كوريسماكي مشاهد متتابعة لانفصال فيكستروم عن زوجته، تخلصه من بضائعه ببيعها بالجملة، ثم المقامرة بكل ما تحصل عليه من مال. يبتسم الحظ له ويكسب مالاً وفيرًا يمكنه من شراء مطعم يناسب طموحه في بداية جديدة.

مشهد من الجانب الآخر من الأمل

بعد هروبه من مركز الإيواء، تقود الصدفة خالد إلى المبيت بجوار مطعم فيكستروم. يبدأ الاثنان تعارفهما بشجار قصير، إذ يلكم كلاً منهما الآخر. يعرض فيسكتروم على خالد العمل في المطعم، يوفر له مكانًا للمبيت، كما يستخرج له هوية مزورة. وحين يعلم خالد بمكان شقيقته على الحدود الليتوانية، يتفق فيكستروم مع سائق شاحنة من أجل إحضارها إلى هلسنكي.

لكن ما الذي دفع فيكستروم إلى مساعدة خالد؟ يقول الكاتب المجري إيمري كيرتيس إن “ما لا يُعقل وما لا يفسر ليس هو الشر، على العكس: إنه الخير”.

وبينما يتميز الشر بالعادية والتفاهة كما توضح حنا آرندت، فإن الخير يبدو أكثر كلفة وتعقيدًا. الطريف أننا لا نتساءل قرب نهاية الفيلم لماذا طعن رجل حليق الرأس خالد بمطواة. نظرة واحدة إلى حلاقته، ونعته خالد بـ”اليهودي”، تجعلنا نفهم كل شيء.

يلمح الفيلم إلى التقارب بين شخصيتي خالد وفكيستروم. يود كلاهما البدء من جديد. يصور الفيلم هلسنكي كمدينة بلا ألوان، كابية وباردة.

أما الشخصيات، فإنها تتمثل برودة المكان. ولا يجعلها كوريسماكي في حاجة إلى الكلام من أجل تواصلها معًا. فقط، يكفيها ما تشترك فيه من رغبة إنسانية في فهم الآخر.

ورغم اقتصاد حوار الفيلم فإنه يتميز بالذكاء والقدرة على تصوير المفارقات والتناقضات. في إحدى مقابلاته بمركز الهجرة، تسأله الموظفة عن مذهبه: هل هو سني، شيعي، علوي؟ فيجيبها أنه قد دفن كل الرسل والآلهة بقبر أهله.

في مشهد آخر، يخبر خالد زميله العراقي بالمركز عن رغبته في الذهاب إلى خمارة وشرب البيرة أو “أي شي بيشربوه الكفار هون”.

وعندما يسمع خالد العراقي وهو يتحدث الفنلندية بطلاقة، يمازحه قائلاً إنه حسبه فنلنديًّا، فيجيبه العراقي: “الله يسمع منك”.

المهاجر في فيلم كوريسماكي لا يتنازعه الحنين إلى ما ترك، وإنما يحدوه الأمل أن يكمل مسار الحياة. بعد أن تذهب مريم إلى قسم البوليس لتقديم طلب لجوء، يستلقي خالد تحت شجرة ويتطلع إلى  النهر الصغير أمامه. ما زال يئن من طعنة البارحة، لكنه يبتسم.

الأخوان داردين

نبوءة الأخوين داردين

حبكة “الشاب أحمد”، الفيلم الأخير للأخوين لوك وجان بيير داردين، مثيرة للدهشة. باختصار، يحكي الفيلم عن مراهق بلجيكي اسمه أحمد يخطط لقتل معلمته بعد اعتناقه لأفكار متطرفة، يبثها إليه إمام المسجد.

كأن الفيلم الحاصل على جائزة الإخراج في دورة العام الماضي من مهرجان “كان” يتنبأ بجريمة مقتل مدرس التاريخ الفرنسي صامويل باتي.

يفشل أحمد في قتل المعلمة الشابة، ويرفض الشهادة ضد الإمام الذي كان يحرضه ضدها ويصفها بالمرتدة. يودع في مركز تأهيل للأحداث يتضمن أنشطة مختلفة وجلسات تقييم مع طبيبة نفسية.

تتميز سينما الأخوين داردين بقدرتها على التصوير الدقيق للشخصيات العادية والأشياء البسيطة، لتجعلنا ننظر مرة أخرى إلى ما كنا نتصور أننا نفهمه.

المعلمة “إيناس” والإمام المتطرف كلاهما مهاجر. إيناس معلمة مخلصة، تحاول جاهدة إقناع أحمد بإمكانية التعايش بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى، وتسعى لتخليصه من براثن الإمام. أما أحمد فهو ابن لأب مهاجر. ويتخذ من ابن عمه الجهادي قدوة.

من المفترض أن تكون عملية اندماج من هم مثل أحمد في المجتمع أكثر سهولة من الجيل السابق له. إلا أن الفيلم يوضح التأثير السيئ لأمثال الإمام الجهادي المتطرف في الجالية العربية.

ومن خلال حرص أحمد المفرط على إسباغ الوضوء وعلى الطهارة، نتبين بعض الملامح العُصابية للمراهق.

تبتعد أفلام الأخوين داردين عن المواضعات المتبعة في السينما الروائية مثل اللقطة واللقطة العكسية، فغالبًا ما يصوَّر الفيلم بكاميرا واحدة، لقطات وجهة النظر، اللقطات التأسيسية، التصوير البطيء، وغير ذلك، من أجل التأكيد على الطابع الواقعي لأفلامهما.

تتطلب تلك الأفلام أن نفهم الحدث، وعلينا أن نفهم الشخصيات من خلال أفعالها.

يقول دانييل فرامبتون في كتابه “الفيلموسوفي.. نحو فلسفة للسينما”: “في سينما جان بيير ولوك داردين تجد الأفلام تصاحب وتتتبع وتراقب الشخصيات، من خلال وعي آخر، وعي جديد، هو العقل السينمائي”.

يعلم المحبون لسينما الأخوين داردين أن أبطال أفلامهم قد يتورطون في أفعال مشينة، وقد تحركهم نوايا سيئة، لكن توجد دومًا نقطة للتراجع. تكتشف خلالها الشخصية الرئيسة نفسها، وتتجلى لها حقيقة أفعالها.

يظل أحمد متمسكًا بفكرة قتل المعلمة، ويعقد النية على قتلها إن أتت لزيارته في مركز التأهيل. نفقد كمشاهدين الأمل في إمكانية أن يتغير المراهق الحالم بالقتل في سبيل الله. خاصة بعد هروبه من مشرفه وتوجهه إلى بيت إيناس لقتلها.

لكن ما يثنيه عن فعلته هو تعرضه لإصابة بالغة في أثناء محاولة أخيرة دؤوبة للدخول من إحدى نوافذ بيتها المرتفعة. يبكي مناديًا أمه في وهن. تقترب منه إيناس للاطمئنان عليه، وقبل أن تذهب لطلب الإسعاف يطلب منها أن تسامحه.

يؤكد “الشاب أحمد” على الخطورة الناجمة من تقديم الإسلام السياسي نفسه كممثل وحيد للدين الإسلامي في الدول الأوروبية. وآثار ذلك في الأجيال اللاحقة ذات الأصول العربية.

فيلم السيد لزهر للمخرج فيليب فالاردو

المأساة كلغة مشتركة

لا تنحصر صورة المهاجر دائمًا بين احتياجه إلى مساعدة الآخرين أو تهديده لهم. قد يكون باستطاعة المهاجر تقديم يد العون للآخرين، وأن يكون مصدرًا للأمان والاحتواء. ولعل في الفيلم الكندي الناطق بالفرنسية “السيد لزهر”، للمخرج فيليب فالاردو، دلالة على ما سبق.

“بشير لزهر” لاجئ جزائري. يعمل مدرسًا بمدرسة ابتدائية. يعاني التلاميذ في أحد فصولها من صدمة نفسية عقب انتحار معلمتهم المحبوبة. يحاول لزهر أن يملأ الفراغ الذي تركته المعلمة مارتين، وأن يساعد التلاميذ الصغار على تجاوز محنتهم، والتعافي من المأساة.

يسعى لزهر إلى الحصول على اللجوء السياسي في إقليم الكيبك الكندي لأن حياته مهددة في حال عودته إلى الجزائر. يخبرنا الفيلم عن مأساته المروعة والتي تتمثل في موت زوجته وابنه في حريق متعمد. أما ابنته فتفقز من النافذة خوفًا من أن تلتهمها النيران.

يحاول إقناع السلطات الكندية بأن الحريق كان جريمة مدبرة، ردًّا على تأليف زوجته لكتاب ينتقد سياسيات المصالحة الوطنية، وما تضمنته من عفو عن مجرمي كلا الطرفين، من متطرفين أو رجال شرطة وجيش.

من يذق المأساة بإمكانه تفهم مآسي الآخرين. لذلك ينجح بشير لزهر في مساعدة الأطفال رغم بعض التحفظات الرافضة لأسلوبه في التدريس، والإشارات العنصرية الرافضة لوجوده في المدرسة، واحتمالية ترحيله من كندا.

يبين الناقد والمفكر المغربي عبد الفتاح كيليطو أن شخصية السندباد في حكايات ألف ليلة وليلة كانت السفير الذي يسرد حكايات الوحوش والعماليق وآكلي لحوم البشر من “أقطار الغرابة”. الآن، صار عالم الغرابة هو عالمنا الشرقي، وصار المهاجر نقيضًا للسندباد، يحكي الحكايات المأساوية عن وطنه. ربما يستمع إليه الغربي، ويجد فيها أصداءً لمآسيه القديمة.

 

 

محمد عمر جنادي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى