"الجونة" مع التطبيع.. وجمهوره يحتفي بالقضايا العربية

قبل سنوات قليلة شهدنا ضجة سينمائية ومشادات بين عدد كبير من النقاد في مصر والعالم العربي، مع إعلان مهرجان القاهرة السينمائي تكريم المخرج الفرنسي كلود ليلوش، وهو واحد من “عشاق إسرائيل” كما قال رافضو تكريمه من النقاد والفنانين وقتها (دورة 2018).

رئيس برنامج السينما في الجامعة الأمريكية بالقاهرة الناقد مالك خوري

نفس الجدل تجدد عقب إعلان مهرجان الجونة اعتزامه منح التكريم الرئيس في المهرجان للممثل جيرار ديبارديو، المعروف بدعمه اللا محدود لإسرائيل. ديبارديو هو أحد داعمي الكيان الصهيوني، وجرى تكريمه بالفعل، رغم رفض عشرات ومئات الفنانين والكتاب والصحفيين المصريين لفكرة تكريمه من الأساس.

رئيس برنامج السينما في الجامعة الأمريكية بالقاهرة الناقد مالك خوري قال لـ”ذات مصر” إن “هناك عشرات الأسماء التي كان بإمكان منظمي المهرجان أن يختاروا منها. فالمهرجانات ومنظموها عليهم أن يجمعوا الناس، وليس أن يزرعوا بذور الخلافات بينهم. هم كانوا يعلمون جيدًا من هو ديبارديو وما يمثله، وهم أيضًا كانوا يعلمون بالموقف النقابي بالنسبة إلى موضوع مقاطعة مؤيدي الصهيونية. لكنهم اختاروا الاستفزاز وتأليب الناس”.

وأضاف خوري: “للأسف، إدارة الجونة لم تقدم فقط على تكريم شخص صهيوني.. هذه الإدارة أصبح من الواضح أن هدفها إضعاف المودة بين الفنانين والمثقفين المصريين تجاه قضية عادلة وإنسانية ومحقة ولا يجب الاختلاف حولها”. وتابع: “هذا مؤسف ولا يليق بمهرجان كنا، وبإخلاص، نأمل أن يصبح واجهة فنية تليق بحجم مصر وتاريخها”.

وعما يقال من أن صناعة الأفلام الفلسطينية ستتوقف إذا لم تدعمها إسرائيل، قال خوري: “هذا غير صحيح. إذا درسنا تاريخ السينما الفلسطينية منذ انطلاقتها في ستينات القرن الماضي وحتى اليوم، نجد أن الأفلام التي شاركت إسرائيل في تمويلها لا تتجاوز 5 بالمئة”.

وأضاف الناقد اللبناني: “كذلك عدم التزام أعضاء النقابات الفنية بقرارات نقاباتهم بشأن التطبيع يعود في النهاية لأعضاء النقابات.. هذه معركتهم.. وموقفي طبعًا هو أن رفض التطبيع الثقافي مع الصهيونية أمر مبدئي”.

وتابع: “كان على أعضاء النقابات الالتزام بقرارات نقاباتهم، وليس الخروج عنها. هم أحرار إذا كانوا قرروا لبس الثوب الصهيوني، لكن إذا قرروا التطبيع فعليهم إما الخروج من النقابة، وإما محاولة تغيير موقفها بطريقة ديمقراطية ومن خلال جمعيتها العامة”.

واستطرد قائلاً: “أما أن يخرقوا القرارات بهذا النحو، فهذا يدل على شيئين: أولاً أنهم لا يحترمون العمل النقابي ولا نقابتهم، وثانيًا أنهم أجبن من أن يحتكموا إلى الديمقراطية في هذا الموضوع، لأنهم يعرفون صلابة موقف مثقفي وفناني مصر تجاه موضوع فلسطين”.

الفيلم الفلسطيني "200" للمخرج أمين نايفة
باب جانبي لحريتنا

إلى جانب كل هذا الجدل حول قضية “التطبيع”، فرضت أجندة الأفلام العربية نفسها على المهرجان، عبر العديد من الأفلام التي تناولت قضايا الهُوية والحروب الطويلة والاستنزاف، ونجحت في تجسيد العديد من مشكلات العالم العربي في فلسطين وسوريا والجزائر، بالإضافة إلى تناولها مشكلات السلطة في أفلامٍ أشاد بها النقاد والجمهور.

فقد تعاطف جمهور السينما العربي مع الأفلام التي عبرت عن قضاياه، مثل فيلم “الرجل الذي باع ظهره” الذي تحكي عبره المخرجة التونسية كوثر بن هنية مأساة الشعب السوري من خلال رجل يضطر إلى ترك ظهره لفنان أجنبي للرسم والتنقل به في المزادات كقطعة فنية.

وكذلك الأمر مع فيلم “جزائرهم” التسجيلي الذي تحكي خلاله المخرج الشابة الفرنسية ذات الأصل الجزائري قصة جديها مع موطنهم الأول الجزائر.

ومن بين هذه الأفلام أيضًا الفيلم الفلسطيني “200” للمخرج الفلسطيني أمين نايفة، من إنتاج الفلسطينية مي عودة، والذي عرض للمرة الأولى في مهرجان فينيسيا السينمائي، قبل أن يتوج بجائزة “مينا مسعود” الخيرية بالجونة.

ويعد الفيلم قطعة فنية خالصة تحكي مأساة الشعب الفلسطيني الأزلية مع الحصار ومع إسرائيل، من خلال قصة أسرة يعيش ربها (مصطفى) على جانبٍ من الجدار العازل، وتعيش زوجته وأولاده على الجانب الآخر، ويفصل بينهم سور ارتفاعه 200 متر، لتبقى أمامهم المعاناة اليومية الناتجة عن تقطيع أوصال العائلة التي تسعى  للحصول على لقيمات للعيش. اللافت أن بطل الفيلم الفلسطيني علي سليمان، لم يتمكن من الدخول إلى مصر وحضور المهرجان.

حفل افتتاح مهرجان الجونة

منتجة الفيلم مي عودة قالت لـ”ذات مصر” إنها “حزينة لعدم حضور كل من شارك في الفيلم”، ولم تعلق بأكثر من هذا، لكن مصادر خاصة لـ”ذات مصر” أوضحت أن عدم دخول سليماني إلى مصر سببه مشكلة كان طرفًا فيها في مهرجان الإسكندرية السينمائي منذ أعوام قليلة، وهو ما أكده مخرج الفيلم أمين نايفة حين صرح إلى “ذات مصر” بأن “الممثل علي سليماني لم يستطع الحصول على تأشيرة دخول”.

أما في ما يتعلق بالفيلم، فقد صرح نايفة بأنه لا تمكنه السيطرة على مشاعره عقب الاحتفاء بعرض الفيلم، لافتًا إلى أن “المشروع مر على مدار سنوات بأزمات خاصة بالتمويل والتصوير”.

في الفيلم يقول أحد الأبطال: “هذا الشاب كان يمكن أن يموت بسبب هذا الفيلم” وربما تنسحب هذه الرمزية على مخرج الفيلم وصانعه الحقيقي، لكن الاحتفاء الكبير الذي شهده العرض قد يكون تعويضًا أدبيًّا عن كل هذه المعاناة.

مشهد من فيلم "جزائرهم" للمخرجة لينا سويلم
"جزائرهم".. هويتنا

الهوية كانت الموضوع الأبرز لدى المخرجة لينا سويلم، في أثناء صناعة فيلم “جزائرهم” الذي تتتبع فيه حكاية جديها بدءًا بوجودهم في الجزائر ومرورًا برحلة سفرهم واستقرارهم في مصر.

في مقابلتها مع “ذات مصر” تلعثمت لينا كثيرًا في حديثها بالعربية، وقالت بنبرة اعتذارية إنها “تعرف جيدًا ضعف لغتها العربية، لكن صناعة الفيلم أثّرت كثيرًا في نظرتها إلى نفسها ومكانها في العالم”.

فعبر الفيلم دخلت لينا إلى عوالم هويتها العربية، بما في ذلك من تأثير غير مباشر في قرارتها، وهو ما انعكس على الفيلم الذي أثار موجة من الإعجاب الشديد من النقاد.

مشهد من فيلم "الرجل الذي باع ظهره" للمخرجة كوثر بن هنية
أن نبيع ظهورنا ولا نتعب

في فيلم المخرجة كوثر بن هنية “الرجل الذي باع ظهره” تغامر المخرجة بالحديث عن المأساة السورية، من خلال شاب سوري يفشل في الزواج بحبيبته بسبب حاجته المادية، فيحاول السفر ويتعثر ويضطر إلى اللجوء إلى فنان يرسم لوحة على ظهره، ويتنقل بين المزادات لعرضها للبيع، في رمزية تكاد تشبه تمامًا المأساة التي يعيشها أهل سوريا بين العالم.

تقول المخرجة لـ”ذات مصر” إنها إلى جانب اعتيادها اختيار عناوين تلخص قصتها، فإن الفيلم استوحت قصته في أثناء حضورها فعاليات معرض فني بلجيكي، عُرضت فيه لوحة لوشم على ظهر شاب سويسري، فقررت أنها وجدت ضالتها لتلخيص أزمة الشعب السوري.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد محسن

كاتب مصري

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram