قصص وتحقيقاتمختارات

الموت أقل خسائرنا.. عن الغربة والوباء في أعين اللاجئات

 

ربما لم يخطر ببالهن يومًا أن الزوارق التي حملتهن إلى أوطان بديلة، لُقِّبن فيها بـ”اللاجئات”، لن تُعيدهم إلى بلادهم مرة أخرى، فَظنوا أن هَجر ديارهم أسوأ شيء قد يمرون به.. وبحلول عام 2020 وتفشي فيروس كورونا المستجد، تجرعت اللاجئات مرارات أخرى، إذ عانين فقدان عملهن ومن ثمَ أصبحن وأولادهن بلا مأوى، فلا هوية توفر لهن الخبز، ولا عمل يكفيهن الجوع.

سعى “ذات مصر” للتواصل مع لاجئات يعشن في القاهرة، للوقوف على تأثير جائحة كورونا فيهن وكيف واجهنها؟

كل البلاد ضاقت بي!

‎”إذا ضرب الشقاء شعبًا ما، فهن أكثر خلق الله شقاءً”..

عبارة للكاتب الإريتري جمال همد، يصف بها حال النساء، لما يقع عليهن من عبء ثقيل يتضاعف في فترات الحروب الأهلية والكوارث الطبيعية والمجتمعية.

“سَمهرُ”، 25 عامًا، تجسد المقولة السابقة، فحين نبشت في ذاكرتها لم تجد إلا شقاءً عاصرته منذ طفولتها.

البداية، بنزاعات كانت مقدمة لحرب وُصفت بالأشد في القرن الإفريقي بين إثيوبيا وإريتريا، وقتها اقترن اسم “سَمهرُ” بـ”اللاجئة الإريترية”، فقد نزحت برفقة والدتها إلى مخيم القربة (شرقي السودان): “أنا بلا هوية.. ماليش أي مستندات ولا أوراق، وكنت من اللاجئين الإريتريين في السودان بعدما ماتت أمي وأنا عندي 8 سنين وأصبحت بلا أهل”، وفي محاولة للتخلص من الشتات ارتبطت السيدة بزوجٍ سودانيٍّ عند بلوغها سن 15، واستقرت بولاية كَسَلَا –شرقي السودان- وسرعان ما خابت آمالها ولم تلق سوى الذل من أهل الزوج: “ماكانوش بيوصفوني إلا بالحبشية، والمقطوعة من شجرة ويعاملوني أسوأ معاملة”.

حديثها مزيج من ألم الفقد ومرارة الغربة، تارة تحكي معاناتها مع كورونا، وأخرى تستدعي مشاهد هروبها إلى مصر: “مات الزوج وأصبحت بطفليّ وسط العراء”.

هنا لم تجد “سَمهرُ” أمامها سوى البحث عن جذورها، فحاولت الهروب إلى إريتريا، لتلقي السلطات السودانية القبض عليها وتودعها السجن هي وطفلاها، ونظرًا إلى مرض صغيرتها بمرض القلب نقلوها إلى دارِ رعاية، فتمكنت بعدها من الهروب إلى مصر عبر حلايب وشلاتين في عام 2014.

حاولت “سمهر” أن تبدأ حياة جديدة في مصر، واستقرت في العمل لدى أسرة ميسورة الحال، وسكنت بغرفة ملحقة ببناية أصحاب العمل، وتحملت العمل القاسي لمدة 12 ساعة يوميًّا (من 2 ظهرًا حتى 2 بعد منتصف الليل) دون إجازات من أجل طفليها، ثم أتت أزمة كورونا لتضعها في فصل جديد من المعاناة، إنه فصل الجوع: “كورونا رجعني للصفر، وعشت أيام عمري ما عشتها، والمخيم كان أحسن، على الأقل كنت باخد دقيق كل شهر”.

مع بدء الجائحة، فُصِلت اللاجئة الإريترية من عملها بسبب خوف الأسرة المصرية من نقل العدوى لأبنائهم، فكانت “سَمهرُ” واحدة من ضمن آلاف اللاجئات الإريتيريات اللاتي ينتمين إلى فئة العمالة المنزلية الذين أصبحوا بلا عمل أو مأوى عقب تفشي الوباء.

بعد محاولات عدة بائت بالفشل للحصول على عمل بديل لسد جوع صغارها كان الرد لا يوجد عمل: “الناس كانت خايفة تجبني، وبقيت في الشارع ومش لاقية أكل لعيالي”، وبصوت منخفض بسبب الإصابة بالأنيميا الحادة نتيجة الجوع، ونقص التغذية الناتج عن كورونا، ذكرت اللاجئة الإريترية مواقف مؤلمة ما زالت تعايشها حتى الآن: “مرت عليا مواقف صعبة في رمضان كنت ممكن أصوم يومين وأفطر على معلقتين رز” وذلك لتوفر لطفليها الطعام. وفي ما يتعلق بمكان إقامتها الحالي قالت: “أنا كنت عايشة مع أُسَر إريترية في شقة واحدة، وبتدفعلنا الإيجار ست خيِّرة”.

حاولت “سَمهرُ” التواصل مع أصحاب العمل القدامي لتسديد إيجار سكنها عقب انقطاع السيدة عن دفعه فكان الرد: “الست قالت لي فيه موجة تانية ومش هتنفعي ترجعي”، فاتجهت السيدة لجلب الرزق من رسم الحنة: “اليوم اللي باشتغل فيه بيجي لي 20 أو 30 باجيب بيهم أكل لعيالي”.

وتزامنًا مع عودة الدراسة عقب كورونا لم تستطع إلحاق طفلها الأول بالمدرسة نتيجة الفقر من ناحية، وفقدان الهوية من ناحية أخرى!

تختتم “سَمهرُ” كلامها لـ”ذات مصر” قائلة: “ولادي مش مسجلين لأن ماعنديش إثبات ليهم وفاقدين هويتهم زيي”.


الجوع.. وباء آخر

بدورها تبين سعاد محمود، القائدة المجتمعية بمجتمع اللاجئين الإريتري، أن النساء يمثلن 75% من اللاجئين الإريتريين في مصرِ، ويصل عدد الإريتريين بمصر 19 ألفا -وفق إحصاءات مفوضة اللاجئين 2020- والمتمركزين بمنطقتي “فيصل” و”أرض اللواء” بالجيزة، مؤكدة أن النساء مسؤولات وحدهن عن الإنفاق على أسرهن، ونتيجة لتداعيات الجائحة لم يمتلكن توفير الطعام لصغارهن، نظرًا إلى انتسابهن إلى العمالة غير المنتظمة كالعمل بالمنازل، والمصانع، ورسم الحناء، لكن كل هذه الأعمال توقفت عقب تدابير الإغلاق: “فيه 3 ستات انتحروا وقت كورونا بسبب الحاجة، والسيدات كانوا بينزلوا ياخدوا عيش من الأفران لأن ماعندهمش أكل لمدة يومين وتلاتة”.

ونتيجة لطرد السيدات من سكنهن بسبب الانقطاع عن دفع الإيجار، لجأت “سعاد”، التي تعمل بمشروع تطوير المنظمات المجتمعية، إلى ضم أكثر من أسرة بشقة واحدة لتفادي الأزمة، فأدى ذلك إلى عواقب وخيمة، فقد زاد معدل التنمر والتحرش الجنسي.

لم تجد “سعاد” سوى العمل الذاتي لتدبير المواد الغذائية وتوفير الإيجار وسط غياب المنظمات الدولية المهتمة بشؤون اللاجئين: “بنوفر في الشهر كرتونة لأسرة بتتكون من 10 و15 فرد وماكانتش بتكفي خالص”، أدى ذلك إلى انتشار الأمراض الناتجة عن الجوع، إذ تشير التقديرات العالمية لأزمة جوع غير مسبوقة.

وبحسب تقديرات منظمة أوكسفام الخيرية الدولية، فإنه بنهاية العام الحالي سيصل عدد الأشخاص الذين يتوفون نتيجة الجوع المرتبط بتداعيات جائحة كورونا في العالم إلى 12 ألف شخص يوميًّا، كما تقول منظمة الأمم المتحدة إن نحو 10% من سكان العالم قد لا يجدون الطعام الكافي خلال العام الحالي، ووفقا للتقرير الصادر عن مؤشر الجوع العالمي (أداة تقيس التَقدم والفشل في الكفاح العالمي ضد الجوع) تأتي إفريقيا وجنوب الصحراء في الترتيب بـ27.8% ثم جنوب آسيا بـ26%، وتأتي في التريب الأخير أوروبا وآسيا والوسطى بـ5.8%.


لم تكف الجهود الذاتية لسد احتياجات الأسر الأساسية من السلع الغذائية والأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة، فتقول “سعاد”، 29 سنة: “وقت كورونا ماكناش بنقول صباح الخير.. كنت بقوله بالله عليك لو معاك 10 جنيه هاتها”، ثم وصلت الحال بها وبالمتطوعين معها لعدم ارتداء الكمامات وقت تفشي الفيروس بسبب عدم امتلاك ثمنها: “ماكانش معانا فلوس نلبس كمامات وكنا بنحط الطرحة على وشنا”، لكنها تختتم بخبر جيد وهو “خلوّ المجتمع الإريتيري من الإصابة بكورونا منذ بدء الجائحة”، على حد قولها.


أن تُسلب كل شيء

“اتغربنا وصرنا نستلف عشان نجيب العلاج”.. كلمات تتضمن ثالوث الفقر والغربة والمرض.. لم يخطر ببال “ثريا” يومًا أن حياتها المترفة في منزلها بدمشق ستتغير لهذه الدرجة، فهي واحدة من بين السوريات اللاتي هربن من ويلات الحرب ببلادها (من 2011 حتى الآن) إلى مصر خلال عام 2012، برفقة زوجها وابنتها الكبرى، وتشترك معها آلاف السيدات السوريات. فسوريا تحتل الترتيب الأول من حيث عدد اللاجين في مصر، وفقًا لإحصاءات مفوضية شؤون اللاجئين، في سبتمبر/ أيلول 2020.

بنبرة خافتة ممتزجة ببكاء متقطع تتذكر “ثريا” أحوالها قبل جائحة كورونا: “أنا كنت مرفهة كتير.. كنت باشتغل مُعلمة وكنت باعيش في منزل على الطراز الإسلامي بالعاصمة السورية بجوار عائلتي”، وبعد اندلاع الحرب تفرقت أسرتها في بلدان عدة: “أنا متعودة على أهلي كتير، كنت يوميًّا عندهم وما كنت متقبلة نهائيًّا أني أتركهم”.

لم يعد أمام السيدة الأربعينية من حلول إزاء الحرب الطاحنة متعددة الجبهات في سوريا، سوى النزوح بأسرتها إلى مصر، على أمل انتهاء الحرب والعودة لوطنها: “إحنا أول 6 شهور قعدنا في فندق، وكل يوم كنّا نقول بكرة هنرجع”.. حاولت ثريا أن تخلق مستوى معيشة جيدًا لأسرتها لتقليل وطأة الغربة فاستقرت بشقة فاخرة بمنطقة 6 أكتوبر (بمحافظة الجيزة المصرية) وسرعان ما انتهت أموالها: “لو كنت أعرف كنت اشتريت سيارة أو منزل”.

في عام 2016 ونتيجة الضغوط الاقتصادية تعرّض زوج ثريا، الذي يعمل بصناعة الجلود، لأزمة صحية منعته من الخروج، فالتحقت الزوجة بالمدارس السورية في مصر للعمل بها عبر منحة مقدمة لمجتمع اللاجئين السوريين، لكن المنحة انقطعت منذ عام ونصف العام، لتجعلها تنقل محل سكنها إلى مدينة حلوان لتقليل نفقات المعيشة.

وماذا بعد كورونا؟ تراكم على السيدة، التي تعول الأسرة بمفردها، إيجار 6 أشهر بإجمالي 10 آلاف جنيه إلى جانب علاج الزوج الشهري: “صار صعب علينا تأمين العلاج وصرنا نستلف عشان نجيب الأدوية”، خاصة عقب توقف الإمدادات من المنظمات الدولية بسبب إغلاق الدول للحدود بعد تفشي الجائحة.

بحثت السيدة عن بدائل، فعملت بصناعة وترويج المشغولات اليدوية على المعارف، لكن العائد لم يكن يكفيها لتوفير الغذاء لأطفالها الثلاثة: “رمضان أصعب شيء مرّ عليا، ولادي صايمين وما قدرت أعمل لهم أكل”.

من حديثها يبدو مدى الأعباء النفسية التي تفوق قدرتها، في حين تتظاهر بالعكس من أجل أسرتها. فمع حلول شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وعقب محاولات مُضنية للحصول على عمل، بدأت “ثريا” العمل بحضانة لتوفير نفقات الدروس الخصوصية لأطفالها والتي مثلت لها معاناة مضاعفة: “أنا ما بحب أحسس الطفل بالذل بأن رفقاته يدفعوا وهو ما بيدفع، وبنتي عندها حالة نفسية من ها القصة”.

أكدت لطيفة فتحي، المدير التنفيذي بمؤسسة “بكرة أحلى”، المعنية بشؤون اللاجئين السوريين بمنطقتي المعادي وحلوان، أن “ثريا” واحدة من ضمن آلاف الأسر السورية التي تعيش أوضاعًا بائسة نتيجة الانكماش الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا، ويفتقرون إلى الموارد الأساسية خارج وطنهم، خاصة بعدما خسر العديد من اللاجئين مصادر دخلهم الشحيحة الآتية من العمل غير المنتظم، مثل شغل المطاعم، التي أغلقت هي الأخرى بفعل الجائحة، خاصة عقب تقليص عمل مفوضية اللاجئين أنشطتها في منتصف مارس/ آذار 2020 مع التعهد باستمرار تقديم المساعدات المالية، وخصصت خطوطًا هاتفية طارئة لتلقي شكاوى اللاجئين.

بتاريخ 17 مايو/ أيار الماضي، نشرت المفوضية عبر الصفحة الرسمية بموقع “فيس بوك”: “في ظل الظروف الحالية، قررت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر تمديد فترة خفض أنشطتها وتأجيل المقابلات حتى 28 مايو/ أيار 2020”.

ومن خلال رصد التعليقات على المنشور السابق، والتي بلغ عددها 134 تعليقًا، أكدت الغالبية العظمى من التعليقات عدم رد المفوضية على الخطوط الطارئة، بالإضافة إلى التزام المفوضية الصمت إزاء عشرات التساؤلات التي طرحت بتلك التعليقات في ما يخص تجديد كروت الإقامة.

وعن دور المؤسسة، أجابت المدير التنفيذي، التي نزحت إلى مصر منذ عام 2013، بأنها قدمت مساعدات لـ60 أسرة سورية تحت خط الفقر بالنطاق الجغرافي السابق ذكره متنوعة بين الإمدادات الغذائية، وتوفير سكن بديل للأسر التي تعرضت للطرد: “فيه أسر ماكانتش لاقية فرش على الأرض تنام عليه في عز البرد”.

“مستورة”.. 12 ألف وجبة لـ9 جنسيات

معاناة اللاجئين لم تكن مستترة، لكن التفاعل مع أزماتهم اختلف بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي نتجت عن حالة ركود اقتصادي خلفها وباء كورونا، لذا برزت مبادرات مهتمة بتلك الفئة لمحاولة الحفاظ عليهم من الجوع والأمراض.

استهدفت مبادرة “مستورة”، التي تقودها المصرية شروق مصطفى مع فريق مكون من 6 جنسيات أخرى (سودانية – إريترية- – سورية- يمنية – جنوب سودانية- إثيوبية)، دعم الأسر المتضررة من جائحة كورونا، وتعتمد على الجهود الذاتية بالإضافة إلى التشبيك مع منظمات المجتمع المدني والجهات الرسمية، ونمت خلال الأشهر الماضية فأصبحت تخدم 9 جنسيات مختلفة من اللاجئين في مصر.

تبين “شروق”، التي تعمل بالمجال التنموي، أن المبادرة خدمت 600 أسرة متضررة من الوباء بتقديم 12 ألف وجبة غذائية لـ3 آلاف شخص في 7 مناطق (البراجيل –فيصل- عين شمس- بولاق الدكرور –المعادي-أرض اللواء – 6 أكتوبر) بالإضافة إلى توفير الألبان والأدوية والحفاضات لأطفال الأسر الفقيرة وسداد الإيجارات المتأخرة تجنبًا لطرد الأسر، إلى جانب ذلك تعمل المبادرة على توفير فرص عمل للسيدات من مختلف الجنسيات اللاتي فقدت وظائفها بقطاع العمل غير الرسمي بسبب قرارات الإغلاق، خاصة عقب لجوء بعض النساء إلى العمل بالجنس بسبب العوز والفقر.

    وعن آليات العمل توضح “شروق”، التي تحمل شعار مساعدة الإنسان بصرف النظر عن جنسيته وعرقه ولونه، أن عمل فريقها يبدأ منذ الثامنة صباحًا حتى الرابعة فجرًا، بتقسيم الفريق إلى مجموعات عمل صغيرة، مجموعة تعمل بمطبخ “مستورة” الذي تأسس بالتعاون مع جمعية “أجيال المستقبل” بمنطقة البراجيل في محافظة الجيزة، وفرقة أخرى تعمل على توفير الخدمات الطبية بالتعاون مع مؤسسة “مرسال” وتوصيلها لمصابي كورونا المصريين والوافدين على الأراضي المصرية.

     

    سمر حسن

    صحافية مصرية

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى