الموت.. على ورقة "منيو"!

“وجدتُ نفسي مرتبكًا. لا أعرف كيف أُدبر أمري. كنت في كارثة، ليس فقط لوفاة والدي، إنّما ارتبكت في مراسم دفنه والتحضير للعزاء”. 

مأساة عاشها أحمد جاب الله، الشاب الثلاثيني، قبل 15 عامًا، على أثرها أسس شركة خاصة قبل عام، تتولى عمليات إنهاء تصاريح الدفن وتشييع الجثامين إلى مثواها الأخير.

لم يكتف “جاب الله” –عبر شركته- بذلك، بل زاد عليها مهامَّ أخرى من بينها كما يقول “حجز قاعات العزاء والتأبين، ونشر النعي في الصحف”. أحيانًا يضيف إلى قائمة خدماته “توزيع هبات الصدقة على روح المتوفى”.  

شركة خاصة تتولى عمليات إنهاء تصاريح الدفن
ردود فعل ساخرة!

الإعلان الأول للشركة، كان مصحوبًا بتعليقات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، منها: “دفن الموتى أصبح خدمة دليفري”، وأحيانًا ثانية يراها البعض عقوقًا للولدين “العيال لم يتحملوا أعباء أبويهما دنيا، ولا آخرة. يريدون الخلاص بأي ثمن”، وثالثة يعلقون: “أصبحنا في مجتمع الرفاهية”.

بين هذا وذاك، لم يعبأ جاب الله. مضى في مشروعه برفقة 14 شابًا، لديهم مهام مُحددة “بدايةً من تلقي التليفونات على الخط الساخن، وانتهاء بغسل الجثامين وحمل النعوش وتنظيم الجنازات”.

340 جنازة

  جنازة ومراسم دفن هي حصيلة عمل الشركة منذ تأسسيها في مارس/آذار العام الماضي، بحسب “جاب الله”. العدد الكبير لهذه الجنازة يرجع لتوقيعه مجموعة من بروتوكولات التعاون مع 10 مستشفيات خاصة، حيث تظل “الجثث في الثلاجات بالأيام، بسبب كثرة الإجراءات، لكننا نسهلها على أهل المتوفى” بحسب جاب الله.

“تٌوفر الشركة قسيسًا أو شيخًا لإقامة الصلاة والدعم والمساعدة فوق المقابر”. قالها عمرو مسعود (اسم مستعار) وهو أحد زملاء جاب الله، وشريكه في إدارة شركة دفن الموتى، ثم أضاف وهو يبتسم:”شركتنا أسسناها للموتى دون تفرقة، مسلمون ومسيحيون، كلهم تحت المقابر يصبحون متساوين”.  

ورغم الانتقادات التي واجهت فكرة تأسيس شركة لنقل الموتى إلى المقابر، وأنّها خدمة مدفوعة الأجر “ليست لوجه الله”، فإن عمرو وجاب الله أجابا بأنه “من زمان ومهنة الحانوتي موجودة، ولم ينتقدها أحد لأنها ضرورية، والموت علينا حق”. 

من أعمال الشركة.. سيارة تكريم الإنسان!
تكريم المتوفين

“أنت كرّمت حياتهم. ونحن نكرم رحيلهم”.. الشعار الذي يرفعه “جاب الله”، حين تباغته الاتهامات بأنه يدلل النّاس، ويبحث عن مكاسب على حساب متاعب أهل المتوفى. يستكمل حديثه “أسعارنا في متناول الأسر والطبقات المتوسطة. لسنا مبالغين في تقديم الخدمات”.

يعاود كلامه عن شركته التي يبحث تأسيس أفرع لها في بقية المحافظات خارج نطاق القاهرة الكبرى، يقول جاب الله إن أحد شركائه في العمل عاش قبل استقراره مؤخرًا في مصر في دولتين أو ثلاث في أوروبا، واطلع على تجارب مختلفة، وعرف حينها كم أن خدمات تلك الشركات –الشبيهة بشركته- مهمة للبشر ممن فقدوا عزيزًا لديهم. 

يتحدث مؤسس الشركة عن فلسفة شركته، فيقول: “هدفنا تخفيف العبء النفسي عن أهل المتوفى، فكل من فقد شخصًا يواجه صعوبةٍ بالغة في إنهاء إجراءات قد تأخذ يومه بالكامل، مثل الذهاب إلى المستشفى، ونقل الجثة، وإجراء الاتصالات لإخبار الأقرباء والأصدقاء بمراسم التشيع والدفن”.  

جنازة بـ70 ألف جنيه

حين توفيت والدتها، لم تعرف صديقًا مُقربًا أو ابن عم أو خال يقطن بالقرب منها في مدينة الشيخ زايد، يتولى مهام إنهاء إجراءات تصاريح الدفن، وصولاً إلى دفن الجثمان بمقابر العائلة.

وجدت عُلا إبراهيم (اسم مُستعار) ضالتها في رأي صديقتها الوحيدة وتُدعى فاطمة، “ما رأيك أن نتواصل مع شركة  تنهي كل الإجراءات، ويتبقى أمامك الاتصال وإخبار الجيران فقط؟”

سألت علا صديقتها: “متأكدة من كلامك؟”، وتابعت “هل هناك خدمة بهذا الشكل دليفري؟” ولم تُصدق إلا حين اتصلت على رقم الخط الساخن لشركة جاب الله. 

تجمع الجنازة

خلال نصف الساعة بعد اتصال علا بالشركة، حضرت سيارتان “ميكروباص” إلى محيط مسكنها، إحدهما لنقل الجثمان، والثانية لنقل المُغسّلة والمشيعين.

شابة في العشرينات من العمر، طلبت من علا دخول غرفة والدتها، بعدما حضر طبيب الوحدة الصحية الذي أكد أن “الوفاة طبيعة، ولا توجد شبهة جنائية”، أخرجت “شامبو وليفة” وطلبت من ابنه المتوفاة إحضار ماء ساخن، وفوطة، وخلال دقائق جرى غسل الجسد وفقًا لتعاليم الشريعة الإسلامية. 

دُهِشت علا  لأن الفتاة لم تكن ترتدي “نقابًا” أو حتى “حجابًا” كعادةً مغسلات الموتى من السيدات، لكنّها حين بدأت في إجراءات الغُسل ارتدت حجابًا، وتوضأت.

حمل عناصر شركة نقل الموتى، جثمان الأم إلى أقرب مسجد، لإقامة صلاة الجنازة، ورددوا الأدعية وطلبوا الرحمة للفقيدة، ثم حملوا الجثمان داخل “ميكروباص”، ومضوا إلى طريق المقابر بمدينة السادس من أكتوبر.

عُلا مدهوشة!

وجدت علا أمام المقابر، كراسي حديدية وسرادق عزاء، تلقت فيه مع أختها الوحيدة العزاء في والدتها على المقابر: “لقيت ناس من جيراني وشغلى حضروا، لأنّهم عارفين ظروفي”. لم تكن تتصور حضورهم دون مكان لاستقبالهم. شكرت صديقتها فاطمة: “من غيرك، ماكنتش هاعرف أتصرف”.

كانت علا، وهي تعمل بأحد المصارف المالية الكبرى، قد طلبت من شركة نقل الموتى Package  كاملة لخدماتها، تضمنت نعيًا مصغرًا بإحدى الصحف الخاصة، وإعداد عزاء بمحيط مسكنها. 

تلك الخدمات كلفتها نحو 70 ألف جنيه، وحين اعترضت على المبالغ المالية التي رأتها باهظة، أعد لها القائمون على الشركة “فاتورة” بقائمة الخدمات المُقدمة بدايةً بـ”إحضار الكفن، وإيجار الميكروباصين، وسرادقي العزاء”.

لإنهاء الموقف، اقترضت علا وباعت مدخرات ذهبية لتوفير المبلغ، وقالت لصديقتها صاحبة الاستشارة: “كنتِ عارفة بأسعارهم؟”، فأجابتها بالنفي. تعتقد عُلا أن هذه الخدمات، رغم أنها ممتازة، تُناسب الطبقات الراقية فقط، لا المتوسطة ولا الفقيرة.

المقابر
"جزاكم الله خيرًا"

موقف بالغ الصعوبة. مر على الرجل الأربعينيّ صلاح كمال (اسم مستعار) حين توفي ابنه الأكبر (23 سنة) في حادث سير، وقف محتارًا أمام ثلاجة حفظ الموتى بالمستشفى، في انتظار إنهاء الإجراءات لتسليم الجثمان، رغم عدم وجود شبهة جنائية، ورغم أن النيابة العامة عادة ما تصرّح بدفن ضحايا حوادث الطرق على الفور.

لم يكن بمقدور كمال توفير كفن للابن الفقيد: “الدنيا كانت ليل”، علاوة على عناء الذهاب إلى النيابة، وإحضار مُغسل للجثمان. 

فوجئ الرجل بأخيه يتصل بشركة نقل الموتى، وما إن طلع عليهم الصباح حتى انتهى كل شيء، وورِي الجثمان الثرى. كل ذلك لم يُكلفه سوى 5 آلاف جنيه.

رفضت أسرة كمال أن ينظم عناصر الشركة مراسم عزاء أو إعلان بالصحف أو صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. أنهى الأب الباكي: “العزاء كان مقصورًا على حضور الجنازة، وجزى الله الجميع خيرًا”.

اختصارًا للوقت، رأى أبانوب عماد، صاحب سلسلة محال تجارية، الاستعانة بشركة لترتيب الجنازة، بعد وفاة والدته داخل أحد المستشفيات، بعدما سمع بالشركة من العاملين بالمستشفى. وافقت أسرته على اقتراحه، لِمَا أبدته الشركة لهم من عروض: “نمتلك سيارات مُجهزة خصوصًا لنقل المتوفى. نوفر اختيارات مختلفة من التوابيت وأفكارا كثيرة للهدايا التذكارية الحصرية”.

أما ليلى حلمي، التي سبق أن تعاملت مع إحدى شركات تنظيم الجنازات، فتقول: “قاموا بدور فوق الممتاز. من أول الغُسل لغاية آخر دقيقة عزاء، وهم وافقون معي. أنا ممتنة لهم جدًّا”. 

منبهرةً بعمل الشركة، تذكر ليلى: “حجزوا لي قاعة العزاء، وكتبوا نعيًا، وطبعوا مصاحف وكتيبات صدقة جارية، ووزعوا مياهًا على أهلى والمعزين على المقابر. حقيقي خدمة رائعة”.

شركات مماثلة في الخارج

إيمان عبد الرؤوف (اسم مستعار) مصرية مقيمة في لندن. تحكي عن شركات نقل الموتى وتنظيم الجنائز في بريطانيا، تقول إنها توفر سيارات لنقل المتوفى إلى المطارات لنقل الجثمان إلى مسقط رأس المتوفى، وغالبية هذه الشركات تعمل لأجل هذا فحسب.

“معظم العرب لا يرغبون في الدفن هنا، حتى لو طالت إقامتهم لسنوات طويلة”.. توضح عبد الرؤوف، السيدة الأربيعنية، أن معظم الشركات بالعاصمة البريطانية تركز جهودها على المغتربين، وهذه الخدمات مميزة للغاية: “تخدم كل الديانات، وتلتزم بشرائعها”.

تذكر عبد الرؤوف أن سيدة توفت بلندن، وكانت في زيارة سياحية، وزوج السيدة استعان بإحدى الشركات بالتنسيق مع سفارة بلاده بعدما فوض الشركة لنقل المتوفاة إلى المطار، وتولت هذه الشركة إنهاء الإجراءات الخاصة بالجثمان، وغسله ووضعه في الصندوق المطابق لمواصفات شركات الطيران. تكلفة هذه الخدمات تصل إلى 5 آلاف دولار على أقصى تقدير، بحسب إيمان.

في أمريكا، يتطلب نقل الموتى إلى المقابر بمعرفة شركات تنظيم الجنازات، معرفة القبر المراد الدفن به. فكل قبر يحمل رقمًا. وتتولى الشركات تنظيم الطرقات، وإنهاء مراسم الجنازات والدفن، وإذا لم يستطع أهل المتوفى دفع المقابل المادى للشركة يتولى المحافظون بالولايات المتحدة الدفع، خصوصًا إذا كان المتوفى طفلاً، وفقًا لداليا الجنيدي، المصرية التي تقيم في نيويورك منذ 20 عامًا.

“هنا في أمريكا. نيويورك على الأقل على حد علمي، لا توجد منافسة بين الشركات لإسعاف ونقل الموتى إلى المقابر، دور هذه الشركات خدمي وإنساني بالأساس، المقاطعات الفقيرة كمان لا يدفع قاطنوها أموالاً”، بحسب الجنيدي التي توضح أن الأغنياء هم الذين يستطيعون دفع المقابل المادي للشركات، قبل أن تشير إلى أن هناك قوانين تنظم عمل هذه الشركات.

وتتخذ هذه الشركات، في أمريكا، من فيلات صغيرة مقارّ لها تكتظ فيها سيارات، وصناديق خشبية، ولا يمكنك أن تلاحظ أبدًا المتسولين خلال الجنازات أو عمليات الدفن.”هنا الموت له جلال” تختتم الجنيدي حديثها إلى “ذات مصر”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

مروان محمد

صحفي مصري

رسوم

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram