الموت في "PUBG"

وقائع إزهاق الأرواح إلكترونيا: "محمد" مات في لعبة

في نهار عادي، دخل الوالد على ابنه الغرفة للاطمئنان عليه.. وجده نائمًا بجوار هاتفه المحمول المفتوح على لعبة بابجي (PUBG).. لم يُبد للأمر اهتمامًا ظنًا منه أن ابنه نائم.. حاول إيقاظه مراتٍ لكن اكتشف أنه مات.

كان “محمد”، الذي عاش في بورسعيد، شمال شرق مصر، في الثانية عشرة من عمره قبل أن تنتهي حياته بقدر من الإثارة والغموض، ربما لم يقابلهما في لعبته القتالة المليئة بالدماء والحروب والمطاردات، فقد تحفظت النيابة على جثته قبل أن تصدر قرارها بدفنه وسط شكوك متزايدة حول ما إذا كانت لعبته الإلكترونية المفضلة سببًا في وفاته، أم أن عارضًا صحيًّا أدى لإصابته بسكتة قلبية.

النيابة العامة باشرت التحقيق في الواقعة، وأفادت بأنها “تلقت إخطارًا بوفاة طفل فور وصوله مستشفى السلام الدولي في بورسعيد، وبأنفه آثار دماء، فانتقلت لمناظرة جثمانه وتبين لها امتداد الدم إلى وجه الطفل وعنقه، بالإضافة إلى آثار زُرقة بغالبية جسده”.

بيان النيابة أوضح أن الكشف الظاهري على الطفل رجّح سبب الوفاة بـ”اشتباه في ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم ناتج عن السمنة المفرطة”، لكن بسؤال والدي الطفل المتوفى تبين أنه كان “منهمكًا في اللعب بهاتفه المحمول، وكان دائم اللعب بالألعاب الإلكترونية، خاصة اللعبة القتالية التي تسمى (بابجي)”.

بيان النيابة العامة في واقعة وفاة طفل بورسعيد

و”بابجي” لعبة قتالية تعتمد على تشكيل فرق، كل فرقة مكونة من 4 لاعبين على الأكثر، ثم كل 25 فرقة تقلهم طائرة على متنها 100 لاعب إلى أرض المعركة، ليتبارزوا فيما بينهم، وتقضي كل فرقة على الأخرى لضمان استمرار صاحبها في اللعبة ثم الاستيلاء على أسلحة المهزوم، وهي بالمناسبة أسلحة وذخيرة حقيقية.

مؤخرًا، بدأت اللعبة في تقديم دورات تدريبية للاعبين على مستوى العالم، ونشر الفرق الفائزة في تلك الدورات، والإعلان عن الدورات التدريبية اللاحقة عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

برز في لعبة بابجي أسماء حققت شهرة عالمية واسعة، من بينهم شاب أطلق على نفسه “ابن سوريا”،  حقق نجاحات فائقة في مراحل متقدمة من اللعبة، من خلال فتح بث مباشر في أثناء لعبه على قناته بموقع الفيديوهات “يوتيوب”.

محمد ليس الضحية الأولى

للألعاب الإلكترونية تاريخ دموي طويل مع ضحاياها، فخلال عام 2018 انتشرت حالات الانتحار بين الشباب والمراهقين ممن داوموا على لعب “الحوت الأزرق”،  Blue whale، ومن بينهم ابن البرلماني السابق حمدي الفخراني، الذي فجرت شقيقته ياسمين مفاجأة من العيار الثقيل بإعلانها أن سبب موته هو “لعبة الحوت الأزرق”، رغم أنها لعبة ليست قتالية، لكنها تعتمد على إيذاء النفس والآخرين، حيث يكون هناك مشرف يوجه اللاعبين ويكلفهم بتحديات تبدأ بأمور بسيطة من رسم الحوت الأزرق على قصاصة ورق أو حفر صورته على ذراعه، وتنتهي بتحدي الانتحار، وهو التحدي الخمسين والأخير.

كان نجل “الفخراني” واحدًا ضمن عشرات انتحروا بسبب هذه اللعبة، منهم الطفل الجزائري عبد الرحمن حشايشي (11 عامًا)، والجزائريان بلال وفيروز (16 عامًا)، والسعودي عبدالرحمن الأحمري (12 عامًا)، والسعودية خلود العازمي (12 عامًا)، والأوكرانية أناستازيا كيسلوك (12 عامًا)، والروسية أنجليا دافيدوفا (12 عامًا)، والأوكرانية فيلينا بيفن (15 عامًا)، وغيرهم.

من أغلفة لعبة PUBG
هل هذه الألعاب قاتلة؟

 “لا. الألعاب لا تقتل، لكنها تؤدي لزيادة التوتر وارتفاع ضغط الدم والعصبية المفرطة وما إلى ذلك، لكن تلك الأعراض لا تقتل مباشرة، وإن كانت مجرد عوامل قد تؤدي إلى الوفاة”.. هكذا قال الدكتور هاشم عبد الرحمن، استشاري الطب النفسي، الذي أوضح لـ”ذات مصر” أن وضع الأطفال والشباب في تركيز زائد عن الحد مع هواتفهم المحمولة يسبب أزمات صحية لا إرادية مثل الانتفاض أو الضغط العالي.

لا يميل “عبد الرحمن” إلى اتهام لعبة “بابجي” بقتل طفل بورسعيد، لأنه طبقًا للتحقيقات المبدئية والمتاح من المعلومات، كان الطفل الضحية يعاني من سمنة مفرطة، ومع ذلك لا يبرئ استشاري طب النفس اللعبة الإلكترونية القتالية من أنها قد تكون سببًا للضغط والتوتر أضيف إلى عوامل صحية أخرى أدت للوفاة.

عمومًا، يحمّل استشاري طب النفس، الأسرة، المسؤولية المباشرة عن عدم الاهتمام الكافي بالأطفال والمراهقين: “لا يمكن تصور أن تنشغل أسرة عن ابنها بانشغاله في اللعب والبقاء لساعات أطول متوحدًا مع هاتفه، فللأسف هذه الألعاب في الأصل تافهة وسطحية، تعتمد على الجري في المكان والحرب والقتل، لا أهداف وراءها ولا غاية إلا تحقيق المكاسب المادية للشركات المنتجة، التي تُخلي مسؤوليتها فقط بوضع شارة لسنّ المستخدمين (+18)، على سبيل المثال، لكن بالطبع لا أحد يلتفت إلى ذلك التحذير”.

بابجي تضيف مغامرات جديدة
الأزهر يشتبك مع القضية

مركز الأزهر للفتوى اشتبك مع تفاصيل واقعة موت “محمد” في بورسعيد، بأن جرّم هذا النوع من الألعاب، وحذر من خطورتها، مهيبًا بأولياء الأمور وكل الفاعلين في المجتمع والجهات المختصة منع هذا النوع من الألعاب.

ونصح الأزهر أولياء الأمور بضرورة متابعة الأبناء باستمرار، ومراقبة تطبيقات هواتفهم، وعدم تركها معهم لفترات طويلة، وذلك بشغل أوقات فراغهم بما ينفعهم من تحصيل علوم نافعة وأنشطة رياضية مختلفة. وقال مركز الأزهر للفتوى، في بيان، إنه “يتابع الأخبار المنشورة بشأن وفاة طفل بالسكتة القلبية بسبب لعبه لساعات متواصلة”، مؤكدًا أن “هذه اللعبة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها للأسف تستخدِم أساليبَ نفسيةً معقَّدةً تحرّض على إزهاق الروح من خلال القتل، وتجتذب محبي المغامرة وعاشقي الألعاب الإلكترونية لأنها تستغل لديهم عامل المنافسة تحت مظلة البقاء للأقوى”.

سبق للأزهر التحذير من لعبة “بابجي PUBG” بسبب تحديث أضافته اللعبة يحتوي على الركوع أمام صنم، للحصول على أسلحة داخل اللعبة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ندى الخولي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search