الموجة الثانية من كورونا

يا خوفَ العالمِ من غدِ

تشدو أم كلثوم في رائعة الشاعر السوداني الهادي آدم (أغدًا ألقاك): “يا خوف فؤادي من غدِ، يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد”. مع فارق واضح في السياق، قد يكون “الغد” هو الرابط بين هذه الصورة الغنائية وبين ما يختلج صدور سكان العالم، الخائفين من غد كورونا: الموجة الثانية المخيفة.  

خوف أكيد من الغد. حالة من القلق العالمي تنتشر عقب الإعلان عن توقعات موجة ثانية من فيروس كورونا المستجد، الذي حصد حتى الآن أرواح قرابة مليون و100 ألف إنسان حول العالم، وأصاب نحو 40 مليون شخص. وباء كشف عن هشاشة في بنية النظام العالمي المتمترس –وهمًا- خلف تطور تكنولوجي شديد التسارع.

ولا يبدو أن الإجراءات الاحترازية المسبقة التي أعلنت عنها دول عديدة، وعلى رأسها دول أوروبا، تؤتي أُكُلَها في مواجهة الإصابات المتزايدة بكورونا المستجد في موجة تفشيه الثانية، كما لم تكن الإجراءات التي اتخذتها الدول في الموجة الأولى ناجعة إلى حد كبير.

حصاد الموجة الأولى

وفي موجته الأولى تسبب الفيروس، المرتحل من الصين إلى كل بقاع الأرض تقريبًا، في فقد نحو 150 مليون شخص حول العالم لوظائفهم، في حين تقول تقديرات البنك الدولي إنّ ما بين 88 مليون و115 مليون إنسان حول العالم سينضمون في 2020 لنحو 690 مليونًا يعانون الفقر المدقع، مع توقعات بانكماش الاقتصاد العالمي بواقع 8% للعام الحالي، ولإدراك ما يعنيه هذا الرقم، يكفي أن تعلم أنه في يونيو/حزيران الماضي توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد العالمي 3% ليصفه بالأسوأ منذ أزمة الكساد الكبير في 1930.

لكن المفارقة التي قد تؤكد جلاء هشاشة النظام العالمي بِنْيَويًّا بفيروس كورونا، أنه في حين ذهبت التوقعات الأولية إلى تضرر اقتصاديات ما تسمى بالدول النامية أكثر من الدول المتقدمة، حدث العكس؛ فقد تضررت الدول المتقدمة أكثر من الدول النامية نسبةً وتناسب، وهكذا فإن كل من أوروبا وأمريكا الشمالية ستشهد معدلات ركود هي الأسوأ في العالم وربما منذ عقود طويلة، في مقابل معدلات ركود أقل بكثير في معظم الدول النامية، وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي، خريطة عالمية مقسومة إلى نصفين:  شمال يعاني من مؤشرات خطر أكبر، وجنوب يعاني من مؤشرات خطر أقل. ولعل هذا ما يُفسّر لماذا يرى 73% من المساهمين في الاقتصادات الناشئة أن الأوضاع الاقتصادية ستتجه للتحسن مقابل 49% فقط من المساهمين في الاقتصادات المتقدمة.

معاناة الدول من الركود الاقنصادي في ظل كورونا (بي بي سي)

وكمؤشر إضافي على عمق الأزمة التي خلفتها الموجة الأولى من كورونا، بلغت نسبة البطالة الأمريكية على أثر كورونا 10.4% في يونيو/حزيران 2020 في حين تسببت الأزمة المالية العالمية 2008 في وصول البطالة بالولايات المتحدة، وقتها، إلى أعلى معدلاتها منذ 1983 عند 10%.  

هذا اقتصاديًّا، وثمة المزيد. لكن على مستوى آخر، عكسَ فيروس كورونا حالة تخبط مؤسسات النظام العالمي وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية التي بدت أكثر ترددًا في التعامل مع الفيروس، ظهر ذلك في تصريحات متضاربة، وتصريحات تراجعت عنها لاحقًا في ما يخص التعريف بكوفيد-19 وأعراضه وما قد يؤدي إليه، فضلاً عن الإجراءات الصحية الأنسب للتعامل معه. جعل هذا الأمر المنظمة العالمية في مرمى نيران السياسيين، خاصة الأكثر ميلاً نحو اليمين وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لم يتعامل بالجدية الكافية مع كورونا قبل أن يصاب به مؤخرًا.

وفي هذا الصدد، يُذكر أن اثنين من المفاتيح التي يستخدمها أستاذ التاريخ الأمريكي آلان ليتشمان لتوقع نتائج الانتخابات الأمريكية على نحو صحيح منذ عام 1984، تُرجح كفة احتمالية خسارة ترامب في الانتخابات القادمة بسبب كورونا، متضافرة مع تقرير سابق لمؤسسة “ساكسو بنك” المالية الدنماركية، توقع هو الآخر خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية.

طوارئ دولية

مع الإعلان عن استعادة كورونا المستجد لألقه بعد أسابيع من تخفيض التوتر العالمي من الجائحة الوبائية الأسوأ منذ عقود، بدأت الحكومات الإعلانَ عن الخطط الاحترازية لمواجهة تفشٍّ ثانٍ للوباء، وقد بدت هذه المرة أقل جدّية، خاصة وأن سياسات الإغلاق الكامل كانت لها تداعياتها الاقتصادية العميقة متضافرة مع أزمة قديمة مستقرة، الأمر الذي يؤثر بطبيعة الحال في رصيد هذه الحكومات لدى شعوبها، وهي تخوض امتحانًا صعبًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في عدد من الدول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا على الترتيب.

نقل بريطاني مسن توفي بسبب كورونا (رويترز)

وفيما كانت سياسات الحظر والإغلاق ذات أثر اقتصادي سلبي، مع هشاشة النظام الاقتصادي العالمي القائم على عولمة التصنيع والخدمات، والشركات العابرة للقارات، لم تنجح هذه السياسات من جهة أخرى في السيطرة على تفشي الوباء وحصده عشرات آلاف الأرواح في الدولة الواحدة من دول الشمال، التي انتهج بعضها سياسات مشكوك في أمرها أخلاقيًّا، كما الحال في بريطانيا تجاه كبار السن، الأمر الذي دفع سياسيين بريطانيين إلى الاعتقاد بأن تجاهل كبار السن ربما “متعمَّد”.

إجراءات لا تفي بالغرض

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2017، أشار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوضوح إلى أزمة النظام العالمي الذي قال إنه “عاجز عن الوفاء بالمقاصد والغايات التي قامت من أجلها الأمم المتحدة”. وكان أبرز ما لفت إليه السيسي في خضم تشريحه لأزمة النظام العالمي انخفاض وتيرة العمل المشترك لمواجهة الأزمات الأكثر إلحاحًا في الكوكب. ثم في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحد في سبتمبر/أيلول الماضي 2020، أعاد الرئيس المصري الإشارة الضمنية إلى تأزم النظام العالمي، مع لفت صريح إلى أنّ وباء كورونا “يحتم ضرورة إعلاء مبدأ التعاون والتضامن الدولي” في مقابل تعاونٍ دولي غير مُفعَّل.  

يتجلى هذا التأزم في النظام العالمي القائم في صور تعاطي حكومات ما تعرف بالدول المتقدمة أو ما يمكن تسميتها بـ”حراس النظام العالمي” مع الموجة الثانية من الوباء، فبدلاً من العمل الجاد خلال الشهور الماضية على وضع أسس جديدة تعيد بناء النظام العالمي جذريًّا بما يجعله أكثر قدرة على مواجهة تداعيات أزمات مثل كورونا؛ انشغلت حكومات هذه الدول، أو غالبها على الأقل، بما يعزز موقعها الانتخابي في ظل أزمة استقطاب سياسي حاد تعانيها على ضوء أزمات اقتصادية (من قلب تأزم النظام الاقتصادي العالمي) أفضت إلى تغير في البنية السياسية بصعود ما يعرف باليمين واليمين المتطرف.

في المقابل، وجدت الدول الأوروبية نفسها، أو بالأحرى حكوماتها، وقد دقت على أبوابها موجة كورونا الثانية، فلجأت معظمها وبصورة تشي بالعجلة والمفاجأة، إلى إعلان إجراءات لم تردع النمو المضطرد في أعداد المصابين، ولا يُرجّح أن تفعل.

وداخل الدولة الواحدة لم تستطع السلطات الاتفاق على إجراءات موحدة حازمة لمواجهة خطر الوباء، كما في ألمانيا، حيث لم يحدث اتفاق مشترك خلال الاجتماع الذي ضم رؤساء السلطات المحلية ورئيسة الحكومة أنجيلا ميركل، على عدد من النقاط الخاصة بالإجراءات الوقائية.

وبحسب مصادر لدويتش فيله الألمانية، لم تكن ميركل راضية عن نتائج الاجتماع ولا القرارات التي اتخذتها سلطات الولايات الألمانية لمواجهة الموجة الثانية من كورونا، معتبرةً أنها “غير كافية لتفادي الفاجعة”.

ولم تُفْضِ مشاورات ميركل ورؤساء حكومات الولايات الألمانية إلى اللجوء لقرار الإغلاق الكامل، لكنها في المقابل حددت بعض الإجراءات المبنية على نسبة الإصابة في كل مكان، فعلى سبيل المثال سيُمنع تجمع أكثر من 15 شخصًا في أي مناسبة خاصة إذا كانت عدد الإصابات في الولاية التي يقطنونها تزيد عن 35 إصابة يوميًّا لكل 100 ألف نسمة على مدار 7 أيام، مع توسيع نطاق ارتداء الكمامات في الولايات التي تعاني بهذا النمط. كما سيمنع تجمع أكثر من 25 شخصًا في المؤسسات العامة تحت أي ظرف.

وعقب الإعلان عن قرارات الاجتماع غير المرضي بالنسبة إلى ميركل والذي لم يتوصل إلى اتفاق بخصوص عددٍ من النقاط كما الحال مع الفنادق والمنشآت السياحية؛ سجّلت ألمانيا حصيلة غير مسبوقة من المصابين بكوفيد-19 في 24 ساعة منذ ظهور الوباء، إذ وصلت عدد الإصابات المسجلة خلال يوم أمس 14 أكتوبر/تشرين الأول إلى 6638 بزايدة نحو 1500 إصابة عن اليوم السابق.

فرنسا: حظر تجوال جزئي

وفي فرنسا كان الوضع أكثر سوءًا مع تجاوز عتبة الإصابات الجديدة خلال 24 ساعة حاجز الـ20 ألف إصابة، في حين تظل السلطات الفرنسية متمسكة حتى الآن بما يبدو أنه قرار مسبق بعدم الإغلاق الكامل، والاكتفاء بإعلان حظر تجول جزئي في عدد من الولايات من التاسعة مساءً وحتى السادسة صباحًا، مع إقرار غرامات على منتهكي الحظر تصل إلى 135 يورو.

لعدة أيام تجاوزت إصابات كورونا في فرنسا عتبة الـ20 ألف إصابة (Getty)

وفي حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا “لم تفقد السيطرة على الوباء”، سجلت بلاده رقمًا قياسيًّا آخر بـ22 ألفًا و591 حالة جديدة خلال 24 ساعة يوم أمس 14 أكتوبر/تشرين الأول، بعد أكثر من 27 ألف حالة سجلتها مطلع الأسبوع الحالي، ليبدو أن ماكرون يسير على حبل مشدود بعين على الانتخابات المقبلة في ظل اضطراب سياسي أوقف كورونا مظاهره الاحتجاجية (السترات الصفراء) على خلفية فرض مزيدٍ من الضرائب سيتضرر بسببه قطاع واسع من الفرنسيين، ولذا صرّح ماكرون بأنّ الدولة ستتحمل جزءًا كبيرًا من أجور العاملين في المناطق الخاضعة لحظر التجول، كما ستتوسع في إعطاء القروض لأصحاب الأنشطة التجارية المتضررة.

أمّا في إيطاليا التي كانت من بين أكثر دول أوروبا إصابة بكورونا خلال الموجة الأولى، فشهدت خلال الأسبوع الحالي تسجيل إصابات تفوق 5 آلاف حالة في اليوم الواحد، وصولاً إلى 7332 حالة يوم أمس الأربعاء، لتصدر السلطات الإيطالية مجموعة قرارات ضمن مساعي الحد من انتشار الوباء، لم تصل إلى الإغلاق الكامل أو حتى الحظر الجزئي، وتضمنت القرارات على نحو أساسي الحد من أعداد المجتمعين في مناسبات الأفراح والجنائز، والحد من استضافة الناس في المنازل عند 10 أشخاص بحد أقصى. يأتي هذا متزامنًا مع إعلان الفاتيكان، يوم الاثنين الماضي، إصابة 4 من حرس البابا بفيروس كورونا المستجَد، وعزلهم في الحجر الصحي.

وفي بريطانيا بدت الحكومة أكثر ارتباكًا في ظل تضاعف حالات الإصابة 4 مرات خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، مع معدل وفيات من بين الأعلى أوروبيًّا بـ63.8%. وقد سجلت بريطانيا يوم أمس الأربعاء 19 ألفًا و724 حالة جديدة، في حين تظل سياسة الحكومة برئاسة بوريس جونسون بعيدة عن اتخاذ إجراءات صارمة للحد من انتشار الوباء، إذ أكد جونسون في مؤتمر صحفي أنه “لا نريد العودة إلى الإغلاق الكامل”، معتبرًا أن ذلك يعني “السماح للفيروس بتمزيقنا”.

لكن الضغوط المتزايدة على جونسون، الذي سبق وأصيب بكورونا، دفعته إلى اتخاذ إجراءات تضمنت إغلاق الحانات والمطاعم ليلاً في بعض المدن، والحد من التجمعات في المنازل وخلال المناسبات الخاصة.

جونسون اعتبر الإغلاق الكامل انتصار لفيروس كورونا (Getty)

وفي مقابل تأكيدات منظمة الصحة العالمية أن ما يعرف بـ”مناعة القطيع” هي إستراتيجية غير فعالة في مواجهة الوباء، بل وصفها في تصريح أخير بـ”غير الأخلاقية”، مع تأكيد علماء على أنه في ظل الأوضاع الحالية سيكون “الإغلاق الكامل” هو المجابهة الأكثر فاعلية لمنع انتشار الوباء، لا تبدو دول أوروبا منفتحةً على هذا الإجراء رغم تسجيل زيادات كبيرة في أعداد المصابين بالفيروس.

لذا فإن إعلان حالات الطوارئ رسميًّا في عدد قليل من البلدان الأوروبية مثل فرنسا والبرتغال، لا يعني في الوقت الحالي، وربما على مدار أسابيع مقبلة، أن ثمة توجهًا حقيقيًّا نحو تطبيق إجراءات أكثر صرامة من مجرد حظر جزئي وإغلاق لبعض الأنشطة. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد عطية

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram