الناجون غير متعافين نفسيًّا

"وصم كورونا.. أينما تولّوا فثمة خوف"

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قَلَبَ عودة شقيقين وزوجتيهما من إيطاليا أجواء قرية كفر ميت العبسي في محافظة المنوفية (شمال القاهرة) الهادئة. امتعض الأهالي من العودة المفاجئة لمهاجرين غير شرعيين استقروا منذ زمن في الدولة الأوروبية، وقلقوا من أن يتسببوا في تفشي وباء الكورونا داخل القرية.

طالب الأهالي العائدين بعدم المكوث في القرية، والتوجه إلى الحجر الصحي، فيما يؤكد العائدون أنهم خضعوا بالفعل للحجر في المطار وأنهم غير مصابين، فلم يجد الأهالي وقتها من حلٍّ سوى الصمت المؤقت، وتجنب العائلة كلها مع وضعها تحت “المايكروسكوب”.

في غضون أيام أتت خطة القرية ثمارها، فبمجرد أن بعثت العائلة طفلًا إلى صيدلية القرية لشراء خافض للحرارة، تجدد الفزع مدعومًا تلك المرة “بالدليل” من وجهة نظرهم، ولم تُثنِ تأكيدات الطفل أن الخافض ﻵخر عن الاتصال بالخط الساخن الذي حددته وزارة الصحة لإرسال عربة إسعاف لنقل “الموبوئين”، فما كان من العائدين إلا أن هربوا.

عادت سيارة الإسعاف بخفي حنين، فيما القلق ينهش الأهالي برغم اتخاذهم إجراءات وقائية لتجنب العائدين. وظلت حقيقة إصابتهم بالوباء مبهمة، لا أحد يعلم إلى أين توجهوا، والمخاطر التي قد تنتج عن ذلك إذا ما كانوا مصابين بالفعل، كما لا أحد يعلم متى يمكن أن تزول “الوصمة المجتمعية” عنهم، والصورة الرافضة لهم في أذهان القرية، والتي قد تصحبهم لسنوات.

وفي عالم يجتاحه الوباء، لا يُعد وصمًا في ذاته أن يُصاب شخص به، خصوصًا وأنه هائم في الهواء ثابت على الأسطح لساعات ما لم تتدخل يد مطهرة، وهو ما يعني أن الكل بلا استثناء عرضة للإصابة به، غير أن فئات مجتمعية عدة، خصوصًا الأقل تعليمًا، لا تستطيع أن تفصل بين الوباء والموبوء، بمعنى إدراك أن الوباء شر والموبوء ليس بشرير.

والمعادلة ليست يسيرة التحقيق في ظل قلق مشروع من وباء خفي قادر على التنقل وإصابة الآلاف من مصدر واحد، لكن القلق لا يجب أن يتحول إلى فزع يمنح المجتمع شرعية لوصم المشتبه بهم، فضلًا عن المصابين وأسرهم، أو إشعارهم بالرفض والاشمئزاز، ما يضع أعباء مضاعفة، سواء على كاهل الأشخاص أو الدولة.

ونجحت مصر بالتعاون بين المؤسسات الرسمية والمجتمعية، وحتى من خلال أدوار مجتمعية للقطاع الخاص، في التوعية بضرورة البقاء في المنزل، وتجنب الاختلاط، والتطهير الدائم لمنع انتشار العدوى. لكن -في المقابل- لا تزال غائبةً تلك الحملات التي ترفع الوعي المجتمعي لمحاصرة حالة التنمر أو الوصم، وتقديم الدعم النفسي اللازم للمصابين، وتأهيل المجتمع لحسن استقبالهم بعد التعافي.

كما لا تزال عبارات مثل “يا كورونا” تُلقَى على مسامع من اختاروا الوقاية المضاعفة، وأخذوا الحذر بارتداء كمامة طبية وقفزات عند الخروج من المنزل، تجنبًا للعدوى، أو لضعف جهازهم المناعي كما فعلت “دعاء محمد” (29 عامًا) التي صفعتها الكلمة من عابر خلال استقلالها المترو.

وبسبب غياب ذلك النوع من التوعية، ومع تجذر فكرة الوصم والرفض المجتمعي ولو على سبيل السخرية اللاذعة، والمنتشرة خصيصًا في البيئات الشعبية والقرى والنجوع، ومع حوكمة لعادات وتقاليد وخرافات سائدة؛ يفضل الكثير من العائلات “تخبئة” نجلهم المشتبه في إصابته بالوباء، وعزله منزليًّا، والتعامل بإنكار مع أي أخبار حول إصابته، فقط خوفًا من الوصم، ما قد يتسبب في نشر الوباء حال وجوده.

في ضاحية إمبابة الشعبية (جنوب العاصمة) انتشر خبر بين الجيران عن إصابة طفل (15 عامًا) بوباء كورونا، وسط قلق وإلحاح على العائلة بضرورة الخضوع للكشف الطبي، وتهديدات بالإبلاغ عنه إذا لم تبادر الأسرة بالكشف.

ولأن الطفل يدرس في مدرسة السياحة والفنادق، اعتقد الأهالي أنه تعامل مباشرة مع سياح في فترات تدريب، ورأوا منطقية إصابته بالمرض. وسط الإلحاح ذهبت العائلة بالطفل للمشفى، وتم سحب عينة منه، لكنهم رفضوا المكوث في الحجر إلى حين خروج النتيجة، وعادوا بنجلهم إلى المنزل.

خرجت النتيجة سلبية، بعدما مرت الأسرة المتحدرة من صعيد مصر، حيث العصبية للمظهر الاجتماعي والوجاهة، بفترة صعبة اعتبرتها تشكيكًا في نزاهتها والنيل منها باتهامات “الإصابة بكورونا”، ورغم أن الطفل لم يكن قد شُفي تمامًا من المرض، فقد أجبرته أسرته على المكوث في الشارع لأوقات طويلة، يلعب مع أقرانه، أو يتجول ذهابًا وإيابًا، ولسان حال كبارهم بلكنة صعيدية لا يزالون محتفظين بها: “ولدنا زي الفل، بطلوا شائعات”.

يقول “محمد حسين” (33 عامًا) وهو جار العائلة لـ”ذات مصر”، إنهم تعاملوا مع الأمر كما لو أنّ عارًا سيلحق بنجلهم، أحدهم قال لي: “عندنا الواد يموت ولا يتنفر منه”.

ويعكس الإنكار حين يصدر من شخص أصيب بالوباء وخضع للحجر الصحي، ثم عاد إلى المجتمع ليواجه السخرية والرفض، حجم المعاناة التي تقع على عاتق المصابين والمشتبه بإصابتهم.

حصل “ذات مصر” على بيانات متعافٍ من الكورونا في الأقصر، وكان ضمن 48 أصيبوا على مركب سياحي خلال رحلة من الأقصر إلى أسوان (جنوب مصر)، ومثلت أول بؤرة تم اكتشافها في مصر خلال الأسبوع الأول من مارس الماضي.

“حسام” (اسم مستعار) شاب عشريني من إحدى قرى المحافظة يعمل على متن المركبة، غير متزوج، اكتشف إصابته بالمرض، فهاتف عائلته وأخبرهم قبل توجهه إلى الحجر، وبعد يوم فقط غادره، فقد كان من أوائل من تحولت نتيجتهم من سلبية إلى إيجابية.

تواصلنا مع “حسام” هاتفيًّا، بدا متوترًا منغلقًا، أنكر إصابته بالوباء، قائلًا: “رُحت يومين الحجر ومثلما ذهبت عدت”. وحول تعامل الجيران معه بعد عودته قال باقتضاب: “تعامل صعب”، ثم استدرك: “هي شيء يخيف أيضًا”، يقصد الكورونا.

سألنا “حسام” عن سبب تردده في الإجابات، وهنا كانت المفاجأة، حيث أكد قلقه وفسره: “كل كام ساعة يتصل بي شخص مثلك يدعي أنه صحفي، ثم أكتشف أنه من أهل البلد ويسخر مني”. طلب المتعافي تأكيدًا أرسلناه إليه عبر الواتساب (بطاقة الهوية الصحفية)، لكنه تمسك برفضه الحديث بعدما كشف عن كم المعاناة النفسية التي يعانيها وسط جهل وتنمر وسخرية من المحيطين.

يقول أستاذ علم النفس بالجامعة الأمريكية في القاهرة الدكتور “ماهر الضبع” لـ”ذات مصر”، إن الأشخاص المصابين بكورونا يمرون بحالة نفسية عصيبة، ما بين مشاعر الخوف من الموت، والقلق من العزل، وفراق الأحباء، وصولًا إلى الخوف من رفض المجتمع لهم، سيشعرون أن الناس يتجنبونهم وينفرون منهم حتى إذا كان التعامل طبيعيًّا، هي فترة صعبة سيمرون بها لكنها ستمر مع الوقت.

ماهر الضبع

واستبعد أستاذ علم النفس حاجة تلك الحالات لعلاج أو تأهيل نفسي قائلًا: “الأمر سيمر، ويتخفف مع الوقت، فالأزمة آنية وليست متجذرة، فضلًا عن أن نسب الاكتئاب ترتفع بالفعل لدى كافة أفراد المجتمع مع العزلة في المنزل، وغياب مظاهر الحياة الطبيعية، لذا فنحن المتخصصين نتوقع ارتفاع معدلات المشاكل الأسرية والقلق والاكتئاب، ونتمنى أن تنتهي تلك المرحلة في أسرع وقت بحيث لا تتفاقم وتسبب مزيدًا من الأعباء والأزمات”.

وعلى خلاف الرأي الأكاديمي من عدم حاجة مصابي الفيروس لتأهيل نفسي، تقف تجربة “إسلام حسان” (24 عامًا) بعودته من الصين وسط نفور ورفض مجتمعي وكلمات لاذعة تُوجَّه له، لتعكس الرواسب التي يمكن أن تتركها التجربة ولا تزول آثارها سريعًا.

يقول “حسان” لـ”ذات مصر”: “عدت من بكين يناير الماضي، قبل أن تظهر أي حالة في مصر، ورغم سلبية تحليل الـ”بي سي آر” الذي أجريته فور عودتي على نفقتي الخاصة للاطمئنان، وكي لا أتسبب في أذى للمحيطين، فقد ظل بعض أقاربي يتجنبون رؤيتي حتى مرور الأسبوعين”.

كان “حسان” يتوقع ردة فعل مجتمعه القروي تجاهه، لذا ظل منعزلًا في منزله طيلة 10 أيام لا يرى أحدًا، لكنه بعدما خرج لم يَسْلَم من التعليقات اللاذعة والخوف البادي منهم، يقول: “أحدهم قال لي: هم ازاي سيبينك كده؟”.

ويعاني الشاب الذي يدرس الهندسة في بكين، من نظرة النقد حين يأخذ حذره ويرتدي كمامة في المواصلات العامة، يسمع كلمات من قبيل: “انتم هتوهمونا، اتركوها على الله”، أما غير المتوقع فكان طلب أبٍ يصطحب أبناءه في إحدى وسائل المواصلات أن يخلعها كي لا يُفزع الأطفال!

يقول الشاب العشريني إنه يمر بأسوأ مرحلة في حياته، وإنه مستاء من التعاطي المجتمعي مع الأزمة على خلاف ما عايشه في الصين من تحضر: “هناك يعلمون أن العامل النفسي هو جزء رئيسي من العلاج، لا يتم التعامل برفض أو نفور مع المصابين أو المشتبه بهم، يتضمن العزل وسائل ترفيه، يمنحونهم كتبًا عن قصص نجاح ويشحذون هممهم”.

ويتابع: “أُشفق على أي مصاب، بالتأكيد سيمر بأضعاف ما مررت به، وربما يحتاجون إلى تأهيل نفسي لتخطي المرحلة”.

هذا أيضًا ما انتهت إليه باحثة في جامعة كينجز في لندن بأن الناجين من كورونا سيعانون لفترة قد تصل إلى 6 شهور من آثار نفسية بسبب الحجر بين القلق والخوف والوصم ومعاناة نفسية ناتجة عن أزماتهم الاقتصادية.

ورغم ذلك، فالصورة في مصر ليست قاتمة، وسط محاولات من الأطقم الطبية للتخفيف عن المصابين في الحجر، كما أن اصطحابهم (المصابين) لهواتفهم الجوالة، مع تعزيز مستشفيات العزل بشبكات إنترنت قوية لتيسير عملية تواصل المعزولين مع أهاليهم، ربما يخفف من معاناتهم.

ويبقى التحدي على عاتق المجتمع، تقول أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة “سامية خضر” لـ”ذات مصر”: “المجتمع الصيني والمجتمعات الأوروبية معروفة باحترامها للتعليمات على خلاف المجتمع المصري الذي لا يعرف سوى مخالفتها، فضلًا عن سخريته التي وإن كانت من قبل سببًا في تمرير الأزمات والتخفيف من حدتها، إلا أنها في موقف كالوباء الحالي قد تتسبب في عزلة البعض، أو تسبب الألم النفسي لهم، فضلًا عن الإنكار مخافة الوصم”.

ولم يلمس أستاذ علم النفس في الجامعة الأمريكية تأثيرات مباشرة للبيئة في التعاطي مع الأزمة، قائلًا إن ثقافة الإنسان بوجه عام تؤثر في تعاطيه مع أي موقف. وحين سألناه تحديدًا عن موقف مهاجمة البعض لأحد ضحايا كورونا على صفحته الشخصية عقب وفاته لمواقفه السياسية، وتفسير البعض للإصابة بأنها “غضب من الله”، وتَطَرُّق آخرين للانتماء الكروي، قال: “نعم هذا بالفعل يؤثر، المجتمعات التي تنتشر فيها الخرافات أو الأمور غير العلمية التي تعيد كل حدث إلى تفسيرات دينية مغلوطة بعيدة عن الدين، تكون المعاناة فيها أكبر. وعائلة تلك الحالة اضطرت لترك منزلها هربًا من التنمر والوصم”.

ولهذا تُخضِع وزارة الصحة المصرية بيانات المصابين لتكتم كبير، فيما فضّل كثير من المصابين عدم ذهاب سيارة إسعاف إلى منازلهم لنقلهم، وفضلوا الذهاب إلى المشفى بأنفسهم خوفًا من وصم عائلاتهم في المنطقة.

قصة

رحاب عليوة

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك وروسم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram