زوايا

النبيذ الحلال واللحوم النيئة على مائدة (الأضحى) السودانية

درج السودانيون على الاحتفاء بعيد الاضحى قبل وقتٍ مبكر نسبياً من حلوله عبر طقوس وتجهيزات كثيرة، إلاّ أنّ ما يلفت انتباهك ويُشعِرك بالاختلاف بين تقاليد الأضحى (السوداني) مقارنة بنظيراتها في الفضاء العربي والإسلامي، هو طبق (المرارة) ومشروب (الشربوت) الحاضران  دائماً على مائدة الأضحى في السودان، حتى لا يكاد بيت سوداني واحد يخلو منهما، بل أنّ معظم الأسر السودانية تعتبر الأضحى غير مكتمل في غيابهما.

يعتني السودانيون بالأضحية، بمن فيهم الطبقات الفقيرة، فلا بُدّ من كبش “أملح أقرن” بغض النظر عن الوضع الاقتصادي، بل  أصبحت الأضحية في كثير من الأحيان محل تفاخر بين الأسر وتمييز طبقي بين الناس، فمن يحصل على “خروف” سمين غالي الثمن فإنّ ذلك مؤشر على أن وضعة المادي أفضل من غيره، والعكس صحيح.

بيد أنّ كلا من الميسورين والفقراء، يلتقيان في الحضور الدائم والمهم لطبق المرارة (لحمة نيئة) ومشروب الشربوت (نبيذ التمر) على مائدة الأضحى، فما قصتهما؟

نبيذ مُعتق حلال

لا أحد يعلم على وجه التحديد تاريخ حضور نبيذ “الشربوت” على مائدة الأضحى السودانية، وكيف اكتسب هذه الأهمية حتى صار أحد تقاليد العيد الراسخة ومستلزماته الضرورية؟ يتساءل عبد الوهاب الزين الباحث في التراث والثقافة الشعبية، متحدثاً إلى “ذات مصر”، ويردف: واقع الأمر أنّ السودانيين توارثوا هذا المشروب كابر عن كابر منذ أزمنة سحيقة وضاربة في التاريخ، بجانب مشروبات أخرى مثل “الدكّاي والمريسة والعسليّة والبقنيّة” التي كانت سائدة إلى وقت قريب إلى أن اعتبرها بعض الفقهاء خموراً محرمة، فبدأت في الانحسار رويداً رويداً، لكن “الشربوت” ظل صامداً في وجه الفقهاء، حيث انقسموا حوله فريقان، بعضهم يحلله بشروط،  والآخر يحرمه.

الشربوت مشروب السودانيين المييز في عيد الأضحى.

يتم إعداد الشربوت قبل الاضحى بيومين أو ثلاثة، حيث يوضع التمر في الماء، ويُغلى لوقت محدد، ثم تضاف إليه بعض البهارات مثل الزنجبيل والهيل والقِرفة – بحسب الرغبة – وكذلك بعض الخميرة، ويصب الخليط في إناء يتم إغلاقه جيداً حتى يتخمر ويصبح حاذقاً، ويقدم على مائدة الأضحى (فطوراً وغداءً) إذ يعتقد السودانيين إنه يساعد على هضم اللحوم وفتح الشهية لتناول أكبر قدر منها.

رغم أن بعض الفقهاء، صنفوه حراماً “إذا أسكر”، إلاّ أن السودانيين لا يحفلون باي فتوى تمس وجود “الشربوت” على مائدة عيد الأضحى، وتحاول إقصاءه عنها، بل لا يلتفتون إليها ولا يعيرونها آذانهم، يضيف الزين، ويستطرد قائلاً: يحكي أن بعض الشبان ثملوا جراء تناولهم كمية كبيرة من الشربوت، فتشاجروا، ووقعوا في يد الشرطة التي وضعتهم بين يدي أحد القضاة، فأقسموا أنهم لم يتناولوا خمراً كما ورد بتقرير الشرطة، وإنما أكثروا من تناول الشربوت، فأطلق القاضي سراحهم فوراً، بعد أن نصحهم بعدم الإفراط في ذلك مرة أخرى.

مشاريب وشربوت

بالنسبة للباحثة الاجتماعية “محاسن تاج السر”، فإن تاريخ نبيذ التمر (الشربوت) يعود إلى آلاف الأعوام، منذ مملكة مروي التاريخية في شمال السودان، فقد كان مشروباً ملكياً قبل أن يصبح شعبيا بشكل تدريجي، ثم ورثة النوبيون عن المرويين، وتمسكوا به ولا يزالوا يتناولونه، وإن اقتصر صنعه على عيد الأضحى بعد دخولهم الإسلام.

تواصل تاج السر حديثها إلى “ذات مصر”: كان تناول المشاريب الخمرية والكحولية أمراً عادياً بالنسبة للسودانيين إلى وقت قريب، حيث كانت تقدم في مناسبات الزواج والأفراح عموماً في معظم أنحاء السودان، إلى أن أعلن الرئيس الأسبق جعفر النميري عمَا سماها بقوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983، فأوقف ذلك ببطش السلطة والقوة القاهرة، لكنه لم يتمكن من (الشربوت)؛ المشروب الوحيد الذي انتصر على تحالف السلطة والفقهاء، وأكد على قوة شكيمته بحضوره الدائم في مناسبة دينية بحجم عيد الأضحى، بجانب طبق المرارة أو (أُم فِتْفِتْ)، وهو خليط من قطع نيئة من الكبد والكرش والكُلى والرئة مغسولة جيداً، مضاف إليها نقاط من (مرارة الخروف)، فضلاً عن البصل والفلفل والشطة والبهارات الأخرى.

الشربوت السوداني
الشربوت السوداني

أم فتفت (اللحمة النيئة)

يعتقد عبد الوهاب الزين، أنّ أصل  المرارة “أُم فِتفِتْ”، يعود إلى الشعوب السودانية القديمة، حيث كانت تُقدِّم القرابين والنذور إلى الآلهة، ولا يُسمح لمُقدميها إلاّ أخذ أجزاء منها تترفع وتتعالى عنها أكلها الآلهة، مثل الكبد والكُلى والطُحال والأمعاء والكرش، أي الأجزاء الداخلية اللينة التي يمكن تناولها دون انضاجها، فلم توقد النار لهذه المكونات البسيطة، والنار كانت عزيزة مُتعالية وقتها؟ يتساءل الزين، ويواصل حديثه لـ(ذات مصر) قائلاً: إنّ وجبة المرارة  تطورت عبر الحقب الزمنية المُختلفة، وأُضيفت إليها البُهارات والمُقبلات، لتتناسب مع جميع الأذواق وتحتل مكانها كطبقٍ رئيسي على مائدة الأضحى والمائدة السودانية عموماً.

تعود  محاسن تاج السر مُجدداً، لتؤكد، (المرارة) طبق من اللحوم اللينة مثل “الكبد، الكُلية، الأجزاء الناعمة من الكرش”، تؤكل نيئة، بعد إضافة الكثير البهارات وعصير الليمون والشطة وزبدة الفول السوداني. لكن الأهم  من ذلك هو إضافة قطرات محسوبة بدقّة من عُصارة المرارة إلى الطبق الذي سُمّى باسمها.

طبق المرارة في السودان
طبق المرارة في السودان

وبظنّي – تواصل تاج السِّرْ-  حديثها، أنّ عادة أكل اللحوم نيئة، لم تتوقف، فكثير من شعوب العالم، تفعل ذلك بشكل أو بآخر، فوجبة السوشي اليابانية عبارة عن شرائح أسماك نيئة توضع على الأرز، والكافيار هو نوع من بيوض الأسماك يؤكل نيئاً، وكذلك بعض الشعوب الأفريقية كالأثيوبيين يأكلون أجزاء من لحوم الضأن نيئة، وهكذا.

أما المرارة السودانية التي تعتبر بجانب نبيذ  التمر(الشربوت)  أهم عنصريين بمائدة عيد الأضحى، فهي امتداد لوجبات الشعوب السودانية القديمة، بلا شك، ولربما كانت تلك الشعوب تأكل اللحوم نيئة، ومع التطور والتقدم والتعرف على العالم الآخر تخلت عن هذه العادة، لكنها أبقت على هذا الطبق ليذكر الناس بذائقة أسلافهم القدماء وأسلوبهم في صنع الطعام وتناوله، لربما، لكنّي لا أجزم قطعاً.

اقرأ أيضًا: سحور بكورال جماعي.. رمضان في السودان: لا للزواج نعم للعبادة

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى