وجهات نظر

النزعة العلمانية عند الشيخ عبدالمتعال الصعيدي

 تبدو النزعة العلمانية واضحة عند الشيخ عبد المتعال الصعيدي، في دعوته لاستقلال العلوم الدنيوية عن الدين: «أما العلوم الدنيوية فلا شأن لسلطان الإسلام فيها، إنما السلطان فيها للعقل وحده، وحتى لا يحتك بها رجال الدين، ولا يحدِّث واحد منهم نفسه بأن يقف في سبيلها باسم الإسلام، فيعوقها عن التقدم والنهوض، ويفرض نفسه على رجالها بغير حق، مع أن لا شأن له بهم، إنما له علومه ولهم علومهم».

ويدعو الشيخ الصعيدي إلى الفصل بين العلم الديني والعلم الدنيوي؛ لأن العقل وحده هو صاحب السلطان في العلم الدنيوي، وبنية العلم الدنيوي مغايرة لبنية العلم الديني، ولا يحق لرجال الدين أن يقفوا بمعاييرهم وأحكامهم الدينية حجر عثرة في سبيل تقدم العلم.

ويؤكد الصعيدي على أنه ينبغي أن نسير على نهج الغرب في تطور العلوم الدنيوية، فيقول: «ومن يعرف أن الغرب لم تستقم حاله إلا بعد أن بحث في هذه العلوم مستقلة عن علوم الدين، لا يتردد في وجوب إبعادها في معاهدنا عن متناول النزاع الديني عندنا، حتى لا يعوق في سيرها عائق، ولا يعترضها في حريتها بغير شيء باسم الدين».

وتبدو الروح العلمانية كامنة بقوة في فكر الصعيدي التجديدي، في نظرته لأهمية استقلال العلم الدنيوي عن الدين ورجاله، وذلك لأن مجاله مختلف بالكلية عن بنية الفكر الديني. ولا يجد الصعيدي غضاضة من القول بأننا ينبغي أن نقتدي بالروح العلمانية في أوروبا في هذا الشأن.

ويرى الشيخ الصعيدي أن فصل الدين عن العلم ليس معناه أن الدين يعادي العلم، فيقول: «إن العلم الصحيح لا يعادي الدين، كما أن الدين الصحيح لا يعادي العلم؛ لأن الغاية منهما واحدة في هذه الحياة، وهي الوصول إلى معرفة الحقيقة، والعمل على سعادة الناس في دنياهم وآخرهم، وإن كان الدين يعتمد على هذا عن طريق الوحي، والعلم يعتمد فيه على طريق العقل؛ لأن المعول عليه هو الاتحاد في الغاية، ولا يضر بعد الاتحاد فيها الاختلاف في الوسيلة؛ لأن وحدة الغاية لا يلزم لها أن تكون وسيلة واحدة؛ بل يكون لها وسيلتان أو أكثر».

ويري الصعيدي أن العقل والعلم قادران على تحرير العقول من الجهل والزيف والخرافات، وأن العلم قادر على أن يحقق للبشرية السعادة، بما يكتشفه من مكتشفات واختراعات، فالعلم قادر على إسعاد الناس، كما للدين من قوة على إسعادهم، ولكل مجاله وطريقته الخاصة. ويؤكد على أن الرسول نصح بضرورة التداوي؛ لأن الله خلق الداء وخلق له الدواء، فقرن الفعل بالقول، حتى يكون الأمر في علم الطب قولًا صريحًا أنه علم الداء وعلم بالدواء، وأن الدواء له أثره في الشفاء، فلا يصح لرجل الدين أن يتمحك فيه بأن الأمر قضاء وقدر ليقعد المرضى عن البحث عن الدواء، ويتكلوا على القضاء والقدر، وإنما هو علم الطب له رجاله الذي يرجع إليهم فيه، ولا يصح الرجوع فيه إلى غيرهم ليصرفونا عن الرجوع إليهم باسم الدين أو غيره، والدين برئ من تصرفهم (الصعيدي، حرية الفكر ص37).

وكان الصعيدي المجدد يميل إلى فصل شؤون العلم الدنيوي عن الدين والفكر الديني، وهي روح علمانية واضحة، ترى ضرورة عدم ربط الثابت بالمتغير، والمطلق بالنسبي، وضرورة التمييز بين ما هو ديني وما هو دنيوي علماني؛ خصوصًا في مجال العلوم والمعارف، ولهذا رفض ربط الوظيفة الدينية للقرآن بالأغراض العلمية والتاريخية، فقال: «إن القرآن يشتمل على أنواع من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، والقصص والمواعظ، وما إلى هذا من الأنواع التي يشتمل عليها، وتتكرر في كل سورة من سوره، وكلها أنواع متشابهة المقاصد، ومتقاربة الأغراض، لا تخرج عن الوظيفة الدينية للقرآن، ولا تحيد عن الغاية الدينية التي نزل من أجلها؛ لأنه نزل لتشريع العقائد والأحكام، فيجب أن يقف عند حدودها، وأن يكون كل ما فيه من أوامر ونواهٍ، ووعد وعيد، وقصص ومواعظ، وغير هذا من أغراضه، متصلًا بهذه الوظيفة الدينية، فلا يقصد منه غير هذا من بيان مسائل التاريخ أو الطب أو غيرها من العلوم؛ لأنه لم ينزل لغرض من هذه الأغراض، وإنما نزل للأغراض التي لا سبيل إلا معرفتها إلا بالوحي، أما هذه الأغراض العلمية فإنها تُعرف بالعقل، ولا تتوقف معرفتها على الوحي، فلا يصح أن يخلط بينها وبين الأغراض السابقة في كتاب ديني منزل من السماء كالقرآن». (الصعيدي، قضية مجاهد في الإصلاح ص34)

ويحاول الصعيدي أن يفصل بين الروحي والزمني، والديني والاجتماعي، في نقده نظر البعض إلى ما جاء في القرآن من قصص على أنه سرد تاريخي، وأنه يكشف لنا تاريخ بدء الخليقة أو غيرها من المعلومات التاريخية؛ لأن هذا يعود بالسلب على القرآن نفسه، في ظل تطور مناهج التاريخ وعلوم الآثار والأنثروبولوجيا، فيقول: «إن هدف القرآن هو بيان الصراط المستقيم منذ فاتحته، فلم تعن سورة من سور القرآن بتدوين تاريخ الخلق مثلًا، أو تاريخ شعب من الشعوب، أو تاريخ رسول من الرسل، فتبين في هذا أسلوبًا تاريخيًّا يقصد منه الاطلاع، ومعرفة الأخبار، ويراد منه الكشف عما يجهله الناس منها؛ لأن هذا ليس من شيء في وظيفة الكتب السماوية، ولا يتوقف أمره على تنزيل سماوي حتى يتنزل به وحي من عند الله، وإنما هو أمر في متناول البشر يصلون إليه بعقولهم ويعرفونه باجتهاداتهم وبحثهم» (الصعيدي، قضية مجاهد في الإصلاح ص35).

وهنا نلاحظ مدى رغبة الصعيدي في تحرير الزمني من سطوه سيطرة الروحي، وتحرير الواقع من سجن الديني؛ لأن تحرير الاجتماع يعني تحرير حق الإنسان في التفكير والإبداع بعقله، وذلك بتحديد مجالات سيطرة الديني، وعدم توسيع مدارات سيطرة الروحي في كل شيء، حتى لا يكبل حركة الاجتماع، ويغل عقل الإنسان. وتلك رؤية تجديدية عميقة لدى الصعيدي.

ويري الصعيدي أن ما جاء في القرآن من قصص قرآنية، ما يهمها هو العظة والعبرة وليس ما يريده التاريخ من سرد وتدقيق في الروايات والأحداث، فيقول الصعيدي عما ورد في القرآن عن يوسف وموسى: «القرآن لا يقص علينا أخبار الماضين، كما يقصها المؤرخون، لا يريدون منها إلا إفادة العلم بها، وكشف المجهول منها، وإنما يقصها ليستخلص منها العظة الدينية التي تدخل في وظيفته، وليكون منها تذكرة نافعة لنا في دنيانا وأخرانا، فلا يقص منها إلا الأخبار التي يمكن أن يستخلص هذا منها، فيختارها اختيارًا دون غيرها من الأخبار التي لا يقصد منها إلا الفائدة الإخبارية التاريخية، وهنا تختلف وظيفة الكِتاب المنزل عن الكِتاب التاريخي، فالكتاب المنزل إذا ذكر أخبار قوم من الماضيين يذكرها نتفًا، من هنا، ونتفًا من هنا، ويختارها اختيارًا يوافق غايته الدينية، أما الكتاب التاريخي فيذكرها كاملة غير منقوصة ويرتبها ترتيبًا يوافق ترتيبها التاريخي في حوادث الزمن» (المرجع نفسه ص36).

ويميز الصعيدي بين القرآن من ناحية والتوراة والإنجيل من ناحية أخرى؛ حيث كان تركيز التوراة والإنجيل على الوظيفة التاريخية حاضرًا مع الوظيفة التشريعية، فحين يتكلم عن قصة يوسف في الكتب السماوية الثلاثة، يقول الصعيدي: «وحتى ورود قصة يوسف في القرآن الكريم لا يذكر منها إلا ما يدخل في بابي العظة والعبرة، ويحذف منها ما كان من جانب التاريخ المحض، ولهذا فهي لم تكن سوى مجرد قصة تاريخية، هذا بخلاف التوراة والإنجيل اللذين يجمعان بين وظيفة المشرع والمؤرخ، ومع أن الفرق كبير بين الوظيفتين فهما مختلفان ولا يتشابهان، يفترقان ولا يجتمعان؛ لأن الوظيفة الأولى إلهية والوظيفة الثانية بشرية، ولها مسائلها التي تعتمد عليها، مثل المشاهدة والرواية، ولا يحتاج إلى وحي سماوي، بخلاف وظيفة التشريع فإنها تعتمد على وحي الله تعالى».

ولعل ما طرحه الشيخ عبد المتعال الصعيدي في قضية عدم ربط التاريخ بالقصص القرآني، هو نفسه ما طرحه الشيخ أمين الخولي، وتلميذه محمد أحمد خلف الله، في كتابه «الفن القصصي في القرآن الكريم» عام 1947، ليؤكد على أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن، ويرى أن الإمام محمد عبده سبق وأن أكد على ذلك في تفسير «المنار»، ويقول خلف الله: «إن القرآن عمد إلى تنحية التاريخ في ميدان القصة القرآنية ليتجه العقل البشري منذ اللحظة الأولى إلى ما هو مقصود من أقاصيص القرآن من عظة وعبرة، ومن إرشاد وهداية، ومن إنذار وبشارة، فأبهم القرآن مقومات التاريخ في قصصه، فأبهم الزمان والمكان، وأبهم كثيرًا من المواطن، والصفات المميزة للأشخاص، واختار من الأحداث التاريخية بعضًا دون بعض» (محمد أحمد خلف الله، الفن القصصي في القرآن ص43 و44).

 

اقرأ أيضا: جلسة محاسبة “الصعيدي” أمام شيوخ الأزهر

د. أحمد سالم

أستاذ الفلسفة بجامعة طنطا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى