وجهات نظر

النسائي.. شهيد الكلمة

هيثم أبو زيد
هيثم أبو زيد

انتهى شيخ علماء عصره أبو بكر محمد بن أحمد المشتهر بابن الحداد من تسابيحه بعد أداء صلاة الفجر، ثم تصدر حلقة درسه، وقد التلف حوله جمع غفير من تلامذته، الذين يأخذون عنه فقه الشافعي.. ألقى الشيخ على تلامذته مسألة من باب المناسك، موردا ما للشافعي فيها من كلام، ثم استشهد لاختيار الشافعي بآيات من القرآن.. فسأله أحد تلاميذه: وهل نجد في حديث رسول الله من دليل على قول الشافعي؟ فقال الشيخ: نعم، حدثني الإمام شيخ الإسلام وسيد الحفاظ ورئيس النقاد وأخبر من رأيت بالحديث ورجاله وطرقه وعلله، صاحب السنن، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي.. ثم انقطع صوت الشيخ وملكت العبرة عينه.

نظر التلاميذ بعضهم إلى بعض وقد أخذهم العجب، ثم قال أقربهم: ما بك يا شيخنا؟ وما يبكيك؟.. استجمع ابن الحداد نفسه وقال: والله إني لمحزون.. فاليوم يرحل إمامنا النسائي عن مصر، ويسافر قاصدا الشام.. ووالله إن فراقه ليحزن كل صاحب قلب سليم، وكل من تاقت نفسه إلى تحصيل العلم.. فقد شاء الله أن يطول مُقامه ببلادنا، فكان قطب العلماء، وشيخ المحدثين، انتفع بعلمه خلق كثير، وإني أظن أن الله بارك تلك البلاد بعيشه فيها.. وناهيكم برجل يفيض بالعلوم على كل من يتصل به.. حتى كان يُخيل إلي أن الطريق من داره بزقاق القناديل إلى المسجد تحفها الملائكة لأنه يمشي عليها.. وقد قلت لمن تعجب من أني لا أروي الحديث إلا عنه: لقد رضيت به حجة بيني وبين الله.

قال بعض من في الحلقة: هون عليك يا شيخنا، فقد علمنا أن الإمام أكثر من الرحلة في طلب العلم، وإذن فقد اعتاد النُقلة والسفر وفراق الشيوخ والتلاميذ والأصدقاء.. تبسم ابن الحداد في أسى وقال: نعم، قضى الإمام جُل حياته في طلب العلم، فخرج من بلدته “نسا” وهو ابن خمسة عشر عاما إلى بعض حواضر خراسان، ثم ارتحل إلى العراق والحجاز والشام والثغور.. ثم استوطن مصر، وقد علا قدره واستمكن علمه، فانقلب من مرتحِل إلى مرتحَل إليه، وقصده الحفاظ من الأقطار، فلم يكن له في ميدانه نظير.. لكنه اليوم يرتحل وقد جاوز الخامسة والثمانين، وأصابه الضعف والوهن.

صاح شاب من آخر المجلس: ولم يرتحل النسائي عن مصر يا شيخنا؟.. فالتفت إليه ابن الحداد قائلا: يا بني، كان مجلس النسائي أجلّ من مجالس الملوك، وكان يحضر درسه نحوا من ألف طالب، صار منهم شيوخ كل فن وعلم.. وكان إذا أطل بوجه على طلابه فكأنما أطل البدر في غسق الليل.. ثم سكت ابن الحداد هينية وغاب نظره في فضاء المسجد، والتلاميذ ينظرون إليه، وإذا به يضحك فتهتز أعطافه من الضحك.. فتصايح التلاميذ وقد فرحوا بانفراج أسارير أستاذهم: ما يضحكك يا شيخنا؟ قال ابن الحداد: كان أبو عبد الرحمن النسائي وضيء الوجه، يكاد النور يخرج من جبينه وعينيه، فكان بعض تلاميذه يتهامسون في مجلسه: ما نظن أبا عبد الرحمن إلا يشرب النبيذ.. ولمكانه ومكانته حسده الشيوخ، وامتلأت نفوسهم منه غيرة، وأخذوا يكيدون له ويتفننون في أذاه.. فعزم أمره على الرحيل إلى الشام.

أطرق ابن الحداد هنيهة، ثم رفع رأسه قائلا: لنذهب إلى دار الإمام بزقاق القناديل لنودعه.. ثم خرج من المسجد ومعه عدد من تلاميذه، قاصدين دار النسائي، فلما بلغوها، طرق ابن الحداد الباب، ففتح الإمام وقد بدت على وجهه علائم الجهد والشيخوخة.. لكنه تبسم حين رأى تلميذه، وتلاميذ تلميذه، وخرج إليهم مرحبا، فاصطف التلاميذ لتحيته وتوديعه، وأقبلوا عليه واحدا واحدا يقبلون يده وجبهته، ويدعون الله له بالحفظ والأمن من شرور الطريق.

 فلما فرغ التلاميذ من السلام عليه، تلفتوا يبحثون عن ابن الحداد، فإذا هو مستند إلى جدار، لا يكاد يقوى على الوقوف.. لكنه أخذ يقترب من النسائي، حتى التقى وجها الرجلين، ونظر كل منهم إلى الآخر.. ودارت الذكريات في رأس ابن الحداد، يذكر مجالس الحديث، وما حصله من نفيس علم أستاذه.. ثم هوى يقبل يدي الإمام باكيا، ثم تعانق الرجلان عناقا حارا، وابن الحداد يردد: والله لولاك ما كنت.. والله لولاك ماكنت، وأجهش التلاميذ بالبكاء.. ثم نزلت السكينة على القلوب، وهرع ابن الحداد وتلاميذه يساعدون الإمام في تجهيز متاع السفر، ثم صحبوه إلى القافلة المرتحلة إلى الشام.

******

وصل الإمام النسائي إلى الشام، وساعده بعض عارفي فضله في ترتيب سكناه واستكمال متاعه.. وبحكم تقدم السن، لم يكن الإمام يخرج من داره إلا إلى الجامع لأداء الصلاة.. لكنه في غدوه ورواحه لاحظ أن كثيرا من الناس لا يكادون يفوتون فرصة تمكنهم من الإساءة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلا وانتهزوها.. وأن طوائف ممن طمس الله على قلوبهم مازالوا يبررون الخروج على أبي الحسن، ويسوغون حربه، ويتوارثون السنة الخبيثة التي سنها معاوية بلعن علي من فوق المنابر ومن تحتها.. وقد بلغ بغض علي وآل بيته ببعضهم أن ينظم أبيات المديح في أعداء الإمام، بل وفي قاتله بيده، بل وفي الضربة التي قتلته.

اغتم النسائي وملكته الأحزان.. ورجع إلى داره بعد أن صلى العشاء، وقد ضاق صدره.. فأخذ يحدث نفسه: خرجت من مصر لبعض الأذى، فإذا الغم والحزن يترصدني في الشام.. كيف تطيب الحياة أو تسكن النفس، والصبيان والشراذم يسبون عليا، وهو أخو الرسول، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسن والحسين، ورأس آل البيت النبوي، ومدينة علم رسول الله؟.. ماذا فعلتم يا بني العباس؟ والله لأنتم أمويون أشد من بني أمية.. ما هذا يا أهل الشام؟ كأن معاوية ويزيد مايزالا مستويين على كرسي الخلافة المغصوبة.. آه يا أمير المؤمنين.. والله لا أترك الذب عنك أبدا، ولا أسكت عن شانئيك حتى يقضي الله أمره.

استلقى الإمام على سريره مرهقا، ثم أراد أن يواسي نفسه بشيء من القرآن، فالتفت فإذا المصحف إلى جواره وإذا هو مفتوح على سورة الإنسان.. فنظر الإمام إلى الصفحة مليا، وقرأ: “إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا.. عينا يَشْربُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا.. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا.. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا.. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا.. إنا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا.. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا.. وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا”.. وسالت عبرات الإمام على صفحة المصحف، وهو يقول: والله لقد علمت وعلم الناس أن هذه الآيات ما نزلت إلا في علي وفاطمة.. ثم غلبه التعب فنام.

وفي هدأة الليل، شعر النسائي بأنه في حال بين اليقظة والمنام، ولم يلبث أن أحس بيد تمسح على جبينه، فقال من دون أن يفتح عينيه: من أنت؟ فأتاه الصوت من قريب: أنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.. يا أبا عبد الرحمن، لا تترك ألسنة المرجفين تخوض بالسوء والكذب في آل بيت رسول الله.. يا أبا عبد الرحمن، إن الله يغفر لك ويرفع درجاتك بكل كلمة تدفع عنا بها الأذى.. يا أبا عبد الرحمن، لقد وصلت قربى رسول الله بمودتك، وإنك ممسك بحبل طرفه في يدك، وطرفه بيدي.. يا أبا عبد الرحمن، عما قريب ألقاك مع رسول الله وفاطمة والحسن والحسين.

انتبه النسائي من رقاده وهو يرتجف، ولا يكاد يعي إن كان سمع ما سمع في نوم أو يقظة.. ثم أتاه صوت المؤذن ينادي لصلاة الفجر، فقام وتوضأ، وأراد أن يخرج إلى الجامع فلم تحمله قدماه، فصلى في داره، ثم ذكر الله وسبحه، ورفع يديه إلى السماء يسأل الله العون والفتح.. ثم قام فاستخرج أوراقا، وأمسك بقلمه، وكتب في موضع العنوان: ذكر خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.. ثم تدفق قلمه يكتب من فيض ما حفظ:

عن زيد بن أرقم قال: أول من صلى مع رسول الله علي.

وعن زيد ابن أرقم قال: أول من أسلم مع رسول الله علي بن أبي طالب.

وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنت جالسا فتنقصوا علي بن أبي طالب، قلت: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له خصال ثلاثة، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم.. سمعته يقول له: أما تحب أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟ وسمعته يقول: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وسمعته يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه.

وعن أبي البختري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك.

وعن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي.

وعن البراء قال: قال رسول الله لعليّ: أنت مني وأنا منك.

وعن أبي ذر: قال رسول الله: لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي ينفذ فيهم أمري… فقال عمر: من يعني؟ فقلت خاصف النعل، وكان علي يخصف نعلا.

وشعر النسائي بأن النشاط يدب في بدنه بعد أن شرع في كتابة خصائص أمير المؤمنين، فواصل يدون الأحاديث تحت عناوينها: ذكر قول النبي لعليّ “أنت صفيي وأميني”.. ذكر قول النبي: “لا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ”.. ذكر قول النبي: “عليّ وليّ كل مؤمن بعدي”.. ذكر قول النبي: “من سب عليا فقد سبني”.. “لا يحبك إلا مؤمن.. ولا يبغضك إلا منافق”.

تدفق النسائي بالأحاديث التي يحفظها في فضل أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين.. وعن طريق بعض تلامذته خرج الكتاب إلى الناس في بلاد الشام، ومنها إلى مختلف حواضر العالم الإسلامي، وسمع به الخاصة والعامة.. وعلم القاصي والداني بعضا مما قاله النبي في ابن أبي طالب.. فاهتدت بكتاب “الخصائص” أنفس، واطمأنت قلوب.. لكن كثيرين ممن فتكت البغضاء بقلوبهم وطمست الكراهية على أعينهم لم يزدهم الكتاب إلا حقدا وحنقا.

وجلس النسائي في الجامع يلقي ما جمعه في “الخصائص” دروسا على الناس.. وكتم المبغضون لعلي غيظهم.. فالرجل لا يخترع الفضائل من رأسه، وإنما يسند الأحاديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لكن البغضاء المكتومة صارت كمرجل يغلي.. ولم يعد في طوق الكارهين صبر على مدح علي بن أبي طالب.. فتواطأ الشباب منهم على الشغب في الدرس المقبل للإمام.

بالرغم من أن النسائي لم يواجه في دروسه اعتراضا علنيا، ولا لمس غضبا حقيقيا، إلا أنه بدأ يشعر بأن كلامه في فضائل أمير المؤمنين لا يجد موقعه في أنفس حضور حلقته.. وأن بعضهم ربما كتم غيظه إلى حين.. لكنه قرر أن يواصل رسالته في الدفاع عن آل بيت رسول الله.. فخرج من داره قاصدا الجامع.. وفي الطريق، استوقفه رجل من المشتغلين بالعلم، وقال له: يا أبا عبد الرحمن، لم لا تصنف كتابا في خصائص معاوية كما صنفت لعلي بن أبي طالب؟.. فنظر إليه النسائي مندهشا، ثم تبسم ساخرا وواصل خطواته.. فتبعه الرجل قائلا: أجبني يا أبا عبد الرحمن؟ فقال الإمام: وهل تظن أننا إذا ساوينا معاوية بعلي سيقبل؟ والله إن معاوية لا يرضى إلا بأن يفضل… أصابت إجابة النسائي السائل بالارتباك، فلم ينبس بكلمة.. وانطلق الإمام إلى الجامع ليتابع نشر “الخصائص”.

دخل النسائي المسجد، فعم صمت موحش، وإذا بالأعين تكاد تتخطفه.. استعان الشيخ بالله، وصلى ركعتين.. ثم استوى في زاوية درسه، فتحلق رواد الجامع حوله، حلقة تلو حلقة.. كأنهم يخشون أن يُفلت منهم.. وبدأ النسائي يُلقي درسه:

قال رسول الله: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله

قال رسول الله: اللهم إن هؤلاء أهلي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا

قال رسول الله: والله يا علي، لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق

قال رسول الله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟

انطلقت الأحاديث من فم النسائي كأنها الصواعق، لا تزيد الكارهين إلا كرها.. وختم الإمام درسه، وقام واقفا، فوقف كل من في الجامع.. فصار الناس من حوله حلقات من الواقفين كأنهم سور ليس له باب.. وبدأ يظهر ما بيتوه.. صاح شاب كأنه يستفهم: يا شيخ، أما لديك فضائل لأحد غير ابن أبي طالب؟.. قال الإمام: بلى، لقت صنفت كتابي فضائل الصحابة، وأوردت فيه ما قاله رسول الله في أصحابه من المهاجرين والأنصار.. صاح شاب بصوت اختلط فيه الغضب بالتهكم: تخص ابن أبي طالب وحده بكتاب، وتجمع كل أصحاب محمد في كتاب واحد؟.. قال الإمام: يا بني، لم أرو مما قاله رسول الله في علي إلا قليلا مما اتصل بي سنده، وإلا فإن فضائل أمير المؤمنين هي مما يعسر علينا الإحاطة به.. وما أظنني رويت في كتابي عشر ما قاله رسول الله في ابن أبي طالب.. ولو بلغني عن غيره من الأصحاب ما يملأ كتابا لأفردته.

لم تزد إجابات النسائي جمهور الغاضبين إلا غيظا.. وعلموا ألا سبيل إلى تنقيص علي بن أبي طالب أمام النسائي.. فقرروا التمادي في خطتهم.. صاح شاب: وأين أنت من فضائل معاوية؟.. وصاح آخر: لم لا تضع لنا كتابا تجمع فيه “خصائص معاوية”.. بدت على وجه النسائي ابتسامة ساخرة، فصاح شاب: نعم نعم، نريد كتابا يجمع فضائل معاوية كما فعلت مع أبي تراب.. وتصايح كل من في الجامع: نعم.. صنف كتابا في فضائل معاوية.. نريد أن نقرأ “خصائص معاوية”.

وأطرق الإمام رأسه، وأخذته الذكريات، ومرت أمامه أيام حياته، ورحلاته في طلب العلم.. وتصور أمير المؤمنين في معاركه دفاعا عن رسول الله.. وتذكر نبوءة رسول الله لعمار: يا عمار، تقتلك الفئة الباغية.. وطارت روحه إلى كربلاء، حيث الحسين يواجه جيش ابن زياد.. ثم تذكر تلك الرؤيا، التي بشره فيها أمير المؤمنين بلقاء قريب.. لكن صيحة بغيضة أعادته إلى المواجهة: تكلم يا رجل.. ما أصابك؟ هل قطع الله لسانك يا شيخ؟ نريد كتابا في فضائل معاوية.. ورفع الإمام رأسه إلى السفهاء.. وضربت لحظات الصمت على الجميع، كل ينتظر ما سيقول الرجل الكبير.. فألقى إليهم النسائي كلمته: لا أعلم له فضيلة.. ولم يقل فيه رسول الله شيئا إلا دعوته: اللهم لا تُشبع له بطنا.

ووقعت كلمة الإمام على السفهاء فلم تدع لأحد فيهم بقية من عقل ولا رحمة ولا مروءة.. وابتدره أحمق سفيه فلطمه على وجه، وجره سفيه آخر من لحيته إلى صحن الجامع.. ثم تسابق المجرمون في دفعه ورفسه، وتعمدوا ضربه في خصيتيه.. فسقط على باب الجامع ينزف الدم، ولا يقوى على القيام.. وظن السفهاء أنه قد مات، فتفرقوا كل إلى باطله.. ثم جاء بعض من يعرف قدر الرجل، فاحتملوه إلى داره.

لم يأل تلاميذ الإمام جهدا في مداواته، لكن إصاباته كانت بليغه، وجسده واهن ضعيف.. التفوا حوله في أسى، وقالوا: لم فعلت هذا بنفسك يا إمام؟ فقال الرجل بصوت ذاهب: عهد عهدت به، وأمانة أديتها.. قال بعض من حضر: لا أحد يقوى على هذا يا شيخنا، ليتك رحمت نفسك ورحمت شيبتك.. صمت الإمام قليلا، ثم قال: دعكم من هذا، متى تسير قافلة الحج؟ قال التلاميذ: تسير غدا إن شاء الله، وما تريد من قافلة الحج يا شيخنا؟ قال النسائي: سأرتحل معهم إلى الحجاز، فقد تاقت نفسي لأداء شعائر الحج وزيارة بيت الله الحرام وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم… وأصاب التلاميذ الذهول.. ما تقول يا إمام؟ لم تبرأ جراحك بعد؟ لن تقوى على هذا؟ .. قال الإمام: إني ذاهب إلى الحج، وما يختاره الله يمضي.

التحق النسائي بقافلة الحجيج، فخرجت من دمشق تشق طريقها قاصدة الحجاز.. لكنها لم تكد تبلغ الرملة قبيل بيت المقدس، حتى اشتدت الآلام على الشيخ، وأحس بأنها ساعته الأخيرة.. توقفت القافلة، وتجمع الحجيج حول الإمام الجريح.. كل يطلب بركته، ويملي عينه برؤيته المهيبة.. وتعالت دعواتهم لله بأن ينتقم ممن امتدت يده نحو الإمام بالأذى.. نظروا إلى الرجل وقد علا النور وجهه وأضاء جبينه كأنه قمر مطل.. أرادوا أن يصلوا أنفسهم بسنده، فقالوا له: حدثنا يا صاحب السنن.. فأشار النسائي أن ضعوا لي ما أستند عليه، ثم اعتدل وقال: نعم، أحدثكم، فاسمعوا واحفظوا: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثني يحيى بن حماد قال: حدثني أبو عوانة عن سليمان قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجة الوداع ونزل غدير خم قال: “إن الله مولاي، وأنا وليُّ كل مؤمن.. ثم أخذ بيد عليّ فقال: من كنت وليه فهذا وليه.. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه”.. وأطارت كلمات النسائي قلوب الناس، فلم يبق أحد إلا وضج بالبكاء، وقالوا: يحدثنا بما احتمل الأذى لأجله.. ثم التفتوا، فإذا الإمام قد أسلم الروح.. فجهزوه وطيبوه، ودفنوه بالرملة، ووقفوا يدعون الله له بالرحمة والمغفرة وعلو الدرجات.. ثم أتاهم صوت القارئ: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم.

قال الذهبي: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث، أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب الخراساني النسائي، صاحب السنن.. كان من بحور العلم، مع الفهم، والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف.

قال الدارقطني: النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره

قال النيسابوري: النسائي أخبرنا في الحديث بلا مدافعة

قال الحافظ بن طاهر: سألت الزنجاني عن رجل فوثقه، فقلت له: إن النسائي يضعفه، قال يا بني، إن للنسائي شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم

قال أبو سعيد بن يونس في “تاريخه”: كان أبو عبد الرحمن النسائي إماما حافظا ثبتا، خرج من مصر في شهر ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاثمائة، وتوفي بفلسطين في يوم الاثنين، لثلاث عشرة خلت من صفر، سنة ثلاث وثلاثمائة.

وقال تلميذه أبو بكر ابن الحداد: جعلته حجة بيني وبين الله.

اقرأ أيضا: قرّاء القرآن وافتقاد الثقافة العربية

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى