"طه عبدالرحمن"

التأسيس الفلسفي للنظرية التربوية

في كتابه “من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر” الصادر عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، في طبعته الثانية، بيروت 2016؛ يتناول المفكر المغربي “طه عبدالرحمن” موضوع التأسيس الفلسفي للنظرية التربوية الإسلامية، وهو كتاب صغير الحجم، عبارة عن محاضرة أُلقيت وجمعت بعد ذلك من طرف المؤلف “رضوان مرحوم”. ينضاف هذا العمل إلى السجل الحافل للمفكر المغربي المجدد “طه عبدالرحمن”، حيث الفكر الرصين والتنظير الواقعي. فما طبيعة الكتاب؟

استُهلّ الكتاب بمقدمة اختزل فيها “رضوان مرحوم” الجوانب التي وقف عليها “طه عبدالرحمن” تمهيدًا للفصل الأول المعنون (فقه التربية: تأسيس فلسفي)، وقسمه إلى محورين، الأول: شروط تأسيس النظرية التربوية الإسلامية. والمحور الثاني: المبادئ الفلسفية للنظرية التربوية الإسلامية. أما الفصل الثاني فقد عُنون (فقه الفلسفة: تنظير علمي)، وبدوره قُسم إلى محورين، الأول: علم الفلسفة، والثاني: فقه الفلسفة، بالإضافة إلى الملحق.

قد لا يجد القارئ سهولة في التمييز بين صنف الورقات والمحاضرات وبين الكتب عند “طه عبدالرحمن”، نظرًا للغة الجزلة والترابط المنطقي النسقي اللذين يطبعان كتابات الرجل. ولربما هي لغة تكاد تغيب في العديد من الكتب الفكرية والفلسفية اليوم. أما عن طبيعة الكتاب من ناحية المضمون، فهو يحوي جانبًا مضمرًا -إن لم نقل غائبًا- في أذهان العديد من المفكرين والباحثين في حقل “الفكر الإسلامي” اليوم، وهو “التأسيس الفلسفي للنظرية التربوية الإسلامية”، بمعنى أن “النظرية التربوية الإسلامية” تبقى في حاجة ماسة إلى مشروعية فلسفية. فما مكانة النظرية التربوية الإسلامية عند “طه عبدالرحمن”؟

نحو بناء نظرية تربوية إسلامية

من المؤكد أن بناء “النظرية التربوية الإسلامية” يحتاج إلى تأسيس فلسفي لإضفاء طابع المعقولية، مع الحفاظ على الثوابت الإسلامية التي ينص عليها الشارع. وللإشارة فإن “هذا التأسيس يتضمن المبادئ الأساسية التي تُبنى عليها هذه النظرية، والتي تجعل وجودها مشروعًا وبناءها معقولًا. والنظرية التربوية الإسلامية كغيرها من النظريات التربوية تحتاج إلى مثل هذا التأسيس” (ص: 25).

يضع “طه عبدالرحمن” شروطًا خاصةً لبناء النظرية التربوية الإسلامية، هي على النحو التالي:

– أن يكون التأسيس من داخل الدين لا من خارجه.

– أن يكون التأسيس مقيدًا بالتاريخ غير مستقل عنه.

– أنه تأسيس تربوي، لا تأمل تجريدي.

وبما أن “النظرية التربوية الإسلامية” تنبع من داخل الدين، وجب الأخذ بعين الاعتبار الاعتماد على الوحي الإلهي كلبنة أولى وأساسية، حتى تتوافق الخصوصية الدينية مع الخصوصية الفلسفية، وبهذا يكتمل البناء الحقيقي. وتكمن قيمة التأسيس الفلسفي في كونه “يسند عمقها التاريخي، ويرد الشبه الواردة عليها، ويبرهن على مشروعيتها. بحيث لا يزيدها هذا الإسناد والرد والبرهان إلا مأصولية من فوق مأصوليتها” (ص: 29(.

ولأهمية “النظرية التربوية الإسلامية” عند “طه عبدالرحمن”، نجده لا يتوانى في مدها بالجانب التقعيدي، حيث أرسى مجموعة من المبادئ التي اعتبرها بمثابة أصول وأسس فلسفية غاية في الأهمية، تحفظ للنظرية التربوية الإسلامية استمراريتها. وما يزيد من قيمة هذه الأصول، هو أنه وضع تحتها جملة من المبادئ لإغنائها بالتفصيل والشرح خدمة للقارئ، حتى يتمكن من استيعاب مقاصدها. وفيما يلي نأتي على ذكر الأصل الأول:

ينبغي أن يكون كل مقوم تربوي إسلامي عنصرًا ثابتًا ومستقلًّا وحيًّا ومبدعًا، تنضوي تحت هذا الأصل أربعة مبادئ هي: “مبدأ الثبات”، ومبدأ “الاستقلال”، وكذا مبدأ “الحياة”، بالإضافة إلى مبدأ “الإبداع”.

– أنه تأسيس ضروري، لا تعليل كمالي.

غلاف كتاب "من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر"

يعرج بنا “طه عبدالرحمن” إلى أصل ثانٍ، وهو: أنه ينبغي أن تشتغل النظرية التربوية الإسلامية بالتأصيل الإيماني للخطاب التربوي، بمعنى أنه كلما عرضنا الخطاب التربوي المتداول على “ميزان النقد الإيماني” تبين أن هناك ثلاث آفات ينبغي دفعها حتى تستقر “النظرية التربوية الإسلامية”، في الشكل الذي أسس له “طه عبدالرحمن”. وفيما يلي الآفات التي دعا الفيلسوف المغربي إلى دفعها، وهي؛ الأولى: فصل الحداثة لكثير من المقولات والمسائل التربوية عن أصلها الديني، فالحداثة الغربية تشكل مظهرًا من مظاهر القطيعة مع الدين في الشئون التي أنتجتها الحداثة، وعليه فقد اتخذ هذا الخروج عن الدين شكلين؛ إما الخروج الاختياري أو الخروج الاضطراري. بالنسبة لهذا الأخير يخضع لمنطق التاريخ، أما الخروج الاختياري، يكون قد تقرر بموجب الثورة على المؤسسات “الكنسية”، وبالتالي إيجاد مؤسسات بديلة لا دين فيها.

كل منقول حداثي مُعترَض عليه حتى تُعاد صلته بالحقيقة الدينية، هنا ينحت “طه عبدالرحمن” مفهومًا يقابل مفهوم المواطنة وهو مفهوم “المخالقة”، الذي يُعتبر بالنسبة إليه مفهومًا مأصولًا ينهض بمقتضيات تربوية لا ينهض بها مفهوم المواطنة، كما نجده يحفظ الصلة بالدين وهي -المخالقة- في نظر “طه عبدالرحمن”، أنسب لسياق العولمة. في حين يرى أن المواطنة “لا تُناسب توجهات النظرية التربوية الإسلامية، فيحتاج إلى أن تنقد هذا المفهوم ببيان وجوه انفصاله عن الدين” (ص: 36-37). وإذا كانت المواطنة تتقيد بوطن معين، فإن “المخالقة” لا تخضع لهذا التخصيص، وبالتالي يكون الحل هو: “الدعوة إلى إيجاد أخلاق عالمية تكون قوام هذه المواطنة، مما يجعل مصطلح “المخالقة” أوفى بغرضهم من المصطلح الرواقي” (ص: 38)، وهنا يقصد المواطنة العالمية، باعتباره مفهومًا رواقيًّا أُعيد إنتاجه.

الثاني: “إهمال جملة من المفاهيم والأحكام التربوية الواردة في النصوص الدينية”، هذه المفاهيم ذكر منها، لا على سبيل الحصر: “الحكمة”، و”التدبر”، و”التفكر”، و”التذكر”، و”الاعتبار”، و”التطهر”، و”الكن”، و”الوقر”، و”الغشاوة”، و”البصيرة”، و”الرؤية”، و”الملكوتية”، و”أولو الألباب”، و”الصراط”، و”الميزان” (ص: 38-39).

غياب مفهوم “التزكية” في المنظومة التربوية الإسلامية أفسح المجال لهيمنة مصطلح “التربية” الذي شاع وذاع، مع أنه في السياق القرآني أقرب إلى إفادة معنى “الرعاية” التي يتلقاها الطفل أثناء فترة الطفولة. وعلى صعيد آخر، نجد مفهوم التزكية جِيء به في النص القرآني مقرونًا بمفهوم “التعليم”، كما في الآية: “يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ” (البقرة: 129).

الدكتور طه عبد الرحمن

أضاف الفيلسوف “طه عبدالرحمن” مبدأ أعلى رابعًا صاغه كالتالي: يقتضي تجديد الإنسان في المتعلم المسلم، الاشتغال بإحياء روحه، وهو بذلك يرى أن الإنسان أصبح أمام خطر جديد كان للحداثة دور في يناعته، وهو “مبدأ التفريغ” يعمل على نثر قوى الإدراك لدى الإنسان، ويقطعها عن المصدر الأصلي “الروح والقلب”. والإدراكات الأخرى، كالسمع والبصر.. إلخ، ما هي إلا فعل من أفعال القلب. ولحماية دور الروح، وضع “طه عبدالرحمن” “مبدأ الربط” ندًّا لمبدأ التفريغ، ويكون الغرض من ذلك هو إعادة الوصل بين الأفعال الإدراكية والقلب، “فلا يمكن التوصل إلى إعادة صياغة الإنسان إلا بالعمل على “إحياء القلب”، أو إن شئت قلت “إحياء الروح” (ص: 49)، ويَخلُص “فيلسوف الأخلاق” إلى أن الفصل بين العقل والقلب أدى إلى “تجزئة الإنسان”، ويبقى الحل لتجديد الإنسان وتجاوز هذا التجزيء هو “إحياء الروح”. ومرد ذلك حسب “طه عبدالرحمن” إلى ثلاثة أوجه، الأول: أن الروح في الإنسان هي الأصل الذي تشعبت منه كل القدرات والملكات التي يتميز بها. والثاني: أن الروح ولو أننا لا نعلم حقيقتها في ذاتها، فإننا نعلم وجودها في آثارها. الثالث: أن الروح بوصفها أمرًا ملكوتيًّا قائمًا بنا، هي القبس النوراني الذي يحقق صلتنا بالحق جل وعلا.

ينتقل بنا الفيلسوف المجدد إلى مبدأ آخر وهو: تجاهل التحريفات التي لحقت جملة من المفاهيم والأحكام الدينية الأساسية، وهو بذلك يقصد دور الاتصال بالثقافات، فيه من أسباب تفتح العقول، وتوسع الصدور الشيء الكثير. ولكن هذا قد يلحقه ضرر على مستوى أصول هذه الثقافة، مع بروز ثنائية التأثير والتأثر، وهذا ما يظهر جليًّا من خلال الانفتاح الذي شهدته الثقافة الإسلامية على الغرب، حتى إنها أصبحت تُسلّم بإصلاحات كأنها مقررة في الشرع. صاغ “طه عبدالرحمن” مبدأ أعلى ثالثًا ومضمونه: أنه ينبغي أن تجدد النظرية التربوية الإسلامية في المتعلم المسلم، الإنسان بكليته، فالنظرية التربوية الإسلامية تنظر إلى الإنسان نظرة شمولية على اعتبار أن تكريم الإنسان يرفعه إلى حمل رسالة وجودية، الشيء الذي جعله متميزًا “بالتسديد الإلهي”، ومن هنا يمكننا الحديث عن “الإنسان الكوثر” وليس “الإنسان المتعدد الأدوار” الذي نُقل عن الترجمة من اللغة الأجنبية، “فالإنسان الكوثر يجعل للإيمان دورًا جوهريًّا، بل ينزله منزلة الأصل الذي تتفرع عنه الأدوار” (ص: 45)، ومنه فالخاصية المميزة للإنسان الكوثر هي “الإيمان الدفاق”، كما أن إبداع هذا الإنسان الجديد إبداع مثور.

يرى عبد الرحمن أن عملية إحياء الروح تشترط توسيع العقل

يقتضي إحياء الروح، عند المتعلم المسلم، توسيع عقله وتثبيت إرادته. هكذا جاء عنوان المبدأ الخامس، ومؤداه أن النظرية التربوية الإسلامية تعمل على تربية المسلم من جهة، وتنتشله من هذا التيه من جهة أخرى، ويكون الغرض من وراء ذلك تكوين إنسان حامل لصفتين أساسيتين هما “التكوثر” و”التثوير” لإحياء القلب والروح فيه.

يتعيّن على النظرية التربوية إحياء كلٍّ من العقل والإرادة لما لهما من أثر بالغ الأهمية في تقويم النظرية التربوية الإسلامية. ويضع “طه عبدالرحمن” لهذا مبدأين؛ أولهما أن العقل الموسع يجعل المتعلم يعامل كل ظاهرة على أنها آية تورث الإيمان الدفاق، “ولما كانت النظرية الإسلامية تهدف إلى أن تبني في المتعلم المسلم إنسانًا جديدًا غير الإنسان الإمعة، توجب أن تحرره من ضيق هذا العقل”، ويبقى السبيل لتحقيق هذا التحرير إيجاد مقابل لمبدأ التظهير، وهو مبدأ ازدواج قوى الإدراك لدى الإنسان.

من الراجح أن يكون لمبدأ التظهير مخلفات عميقة على النظرية التربوية الإسلامية، “فقد أساءت هذه التجزئة إلى وحدة الإنسان كذات لها إرادة الإنسان” (ص: 59)، فتشكل القلق وتنوعت بفعل ذلك الطرائق في تناول الموضوع (النظرية التربوية)، وفشا انعدام الاستقرار والثبات، مما غيّب على الإنسان إيجاد أساس يبني عليه معارف ذات طابع إسلامي خاص. ويبقى الأمل في النظرية التربوية الإسلامية لرفع هذا القلق حتى تنعم إرادة المتعلم بالوحدة، “فمتى ازدوجت إرادة المتعلم وتمكّنت، اكتسبت خلقية أفعاله ثباتًا تمثل أول الأمر في موافقة ظاهر أخلاقه لباطنها، ولا تزال تتقوى هذه الموافقة بفضل ما يأتيه من أعمال تاليها أفضل من سابقها” (ص: 62).

فقه الفلسفة: تنظير علمي

شهد العالم الإسلامي إقبالًا ملحوظًا على الفلسفة منذ “القرن الثامن للهجرة”، ولوحظ ذلك من خلال الانكباب على الترجمة والتأليف فيها. وكان نجاح الأمة الإسلامية -آنذاك- مبهرًا إلى حدٍّ ما في مجالات عدة. وقد تجسد هذا النزوع إلى الفلسفة على ضربين؛ الأول اتسم بالعطاء ومسّ المجالات التي تجنح إلى الصبغة العلمية “كالرياضيات”، والثاني تميّز بالتقليد والتبعية في مجالات ذات طابع فكري، مثل “ما بعد الطبيعة” و”علم الأخلاق”، يقول “طه عبدالرحمن”: “وفي هذا مفارقة واضحة، حيث إن الأصل في المعرفة الإسلامية أن لا تقل فيها مكنونات المجال الفكري عن ممكنات المجال العلمي، بحكم صلتها بدين جاء للعالمين بمبادئ وقيم مميزة تفتح للفكر الإنساني آفاقًا غير مسبوقة” (ص: 71)، فمع نهاية الصدر الأول بدأ الإبداع يندثر ومعه فقدت الأمة الإسلامية الثقة في قدراتها، فقوبل هذا بتنامي “التقليد والتبعية”، وهنا تصبح الحاجة إلى “القدرة على الاستقلال” التي أشار إليها الفيلسوف المغربي “طه عبدالرحمن”. فبالنسبة إليه لا إبداع بدون استقلال، فكيف يمكننا تحصيل هذه القدرة على الاستقلال لإنتاج فلسفة مبدعة؟

يرفض عبد الرحمن التقليد والتبعية في الفكر الإسلامي

لا يختلف اثنان حول تفشي التقليد والتبعية في الفكر الإسلامي اليوم، حيث بات السمة الأساسية التي يتسم بها، و”طه عبدالرحمن” يدعو إلى ضرورة صياغة رؤية علمية كونية جديدة تُقدمها النظرية العلمية الإسلامية إلى الإنسان، لتجاوز النمط الاتّباعي، والقطع مع “الموت الفلسفي” الذي يُهدد الفكر الإسلامي، حتى يستعيد رونقه الذي غاب عنه قرونًا من الزمن، ومن خلال “علم القول الفلسفي” الذي يُعنَى بظواهر القول الفلسفي، يمكننا الوقوف على مدى أهمية “المناهج المقررة في مجال المعرفة” (ص: 73)، من خلال الاعتماد على التعليل السببي والتعليل الآلي، وهما آليتان وظفهما “طه عبدالرحمن” للإحاطة بظروف إنتاج القول الفلسفي من جهة، والأدوات التي تستثمر في إنتاج القول الفلسفي من جهة أخرى، والمقصد عند “طه عبدالرحمن” من إنشاء قول فلسفي جديد هو “مواجهة الفكر الفلسفي الذي يصادم المنظور الإسلامي للحياة، وامتحانه بالنقد من منظور مسلّمات الرؤية الإسلامية” (ص: 18).

ورغم اشتغال الفلسفة الإسلامية بعلم القول الفلسفي بشقيه (القول الفلسفي، وفقه القول الفلسفي)؛ إلا أنها بقيت في منأى عن بلوغ الاستقلال والإبداع، ومرده إلى اختلاف المجال التداولي الإسلامي عن المجال التداولي غير الإسلامي، “وعلى هذا، فإن القول الفلسفي من حيث هو قول لا يتخذ في المجال التداولي للمتفلسف المسلم نفس الصورة التي يتخذها في المجال أو المجالات التداولية التي ينقل عنها كالمجال اليوناني قديمًا والمجالات الغربية حاليًّا، وهو ينزل في مجاله نفس الرتبة التي ينزلها في هذا المجال أو المجالات الثانية. تبيان ذلك أن أحد مقتضيات مجال التداول الإسلامي هو أن القول فيه لا ينفك عن الفعل” (ص: 74)، وهنا تكمن صعوبة تحقيق الاستقلال في الفكر الإسلامي.

ينتقل بنا “طه عبدالرحمن” إلى “علم الفعل الفلسفي” والمراد منه “كشف العلل التي تحدد أفعال وتصرفات الفيلسوف” (ص: 72)، داعيًا إلى نوعين من التعليل كذلك؛ الأول سببي يتعلق بظروف إنتاج “الفعل الفلسفي”، والثاني آلي متعلق بالأدوات التي تُسهم في إنتاج “الفعل الفلسفي”، كما أشار إلى ضرورة تحصيل علم جديد هو علم الفلسفة، وعيًا منه بالظواهر الفلسفية قولًا وفعلًا، “ومنهجه هو التعامل الموضوعي مع هذه الأقوال على طريقة تعامل العلوم الأخرى مع موضوعاتها” (ص: 76).

قدم “طه عبدالرحمن” “فقه الفلسفة” على “فهم الفلسفة”، على اعتبار أن فقه الفلسفة يولّد في النفس مهارة صناعية قد تنعدم في فهم الفلسفة بمعنى الجانب المضموني، كما أن فقه الفلسفة بالنسبة إليه هو من صميم التداول الإسلامي، بالإضافة إلى أنه يجد فيه نوعًا من الدربة التي تأخذ منحى آخر يميل إلى التطبيق، وهذا الجنوح إلى ما هو عملي لا شك في أنه يُسهم في بناء فلسفة تكتسي طابعًا إسلاميًّا، ولا تخرج عن المجال التداولي العربي الإسلامي.

الإنسان الكوثر

منذ القرون الوسطى إلى اليوم، نجد الفكر الإسلامي قد مر بفترات متباينة، ولعل أبرز هذه التحولات هي الانتقال من السيادة إلى التبعية الفكرية، وظل هذا التقهقر يطبع مسار الفكر الإسلامي في مخلف مجالاته، الأمر الذي جعل مجموعة من المفكرين والفلاسفة على مر التاريخ الإسلامي يطرحون السؤال القديم الجديد: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ فتنوعت التفسيرات واختلفت الرؤى بين من يدعو إلى التقليد ومن يعارض فكرة التقليد، ويدعو بدوره إلى إرساء معالم التجديد، والخروج من هذه الربقة التي يفرضها الفكر الغربي.

يحاول المفكر المغربي وضع الأسس الفلسفية للنظرية التربية الإسلامية

وغير بعيد عن هذا، نجد “طه عبدالرحمن” يطرح سؤالًا على درجة عالية من الأهمية وهو: “ما السبيل إلى الارتقاء بعقل الأمة والإبداع في قولها، وتجاوز وضعية التأخر الثقافي والحضاري التي أصابتها منذ زمن بعيد؟” (ص: 21)، وهو سؤال قدم له الفيلسوف المغربي جوابًا مستفيضًا يمكن أن نقف عليه من خلال قسمين: الأول أنه لا سبيل إلى رفع التقليد الذي يُخرج المسلم اليوم من وضع “الإنسان الأبتر” المنقطع العطاء إلا باستقلال قوته التطورية من خلال إبداعه مفاهيمه الخاصة (ص: 21)، لبناء وتجديد تكوينه العقلي. والثاني: “أنه لا سبيل إلى دفع التقليد إلا بالكشف عن سر الإبداع، وأسباب وقوعه في الأمم، وعن آليات اشتغاله في النظر، مع بناء نموذج حي لفلسفة إسلامية أصيلة” (ص: 21).

وإدراكًا لقيمة الفكر “الطاهائي” يتعين علينا سبر أغوار ما تطرق إليه في بناء النظرية الإسلامية، حتى ننتقل إلى رحابة التأسيس الفلسفي الذي نحن في حاجة ماسة إليه، فما هو الإنسان الكوثر؟

قبل الشروع في تناول الإنسان الكوثر، يكون من الأجدر بنا الوقوف على مفهوم الإنسان الأبتر الذي يعرفه “طه عبدالرحمن” بأنه: “الإنسان الذي لا يستثمر من قواه ولا يُحقق من إمكاناته إلا قدرًا ضئيلًا؛ إما لتعطل بعض قدراته واستعداداته، أو لصرفها كلها في وجهة مخصوصة، أو لوجود ضيق في تصوره لمكنونات الإنسان الواسعة” (ص: 44)، أما الإنسان الكوثر فهو “بخلاف الإنسان الأبتر لا يكتفي بأن يستثمر كل قواه وملكاته، إحساسًا وجدانيًّا، بل يذهب بهذا الاستثمار للقوى والتحقق للإمكانات إلى أقصاها، بحيث يتاح له أن يتقلب في أطوار سلوكية مختلفة، وينهض بوظائف عملية متعددة، كل ذلك يورثه القدرة على أن يحقق التكامل لذاته” (ص: 45).

وهذه الثنائية بين الإنسان الأبتر والإنسان الكوثر نجدها في النص القرآني صريحة، يقول الله سبحانه وتعالى، في سورة الكوثر: “إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر” (سورة الكوثر). ولعل الفيلسوف المغربي “طه عبدالرحمن” استحضر هذا النصّ في صياغته للمفهومين (الإنسان الأبتر، والإنسان الكوثر)، واستطاع بذلك بلوغ الهدف وهو صياغة تأسيس فلسفي للنظرية التربوية الإسلامية.

وفي الختام، لا يُمكننا إلا التنويه بهذا الجهد الذي بذله الفيلسوف المجدد “طه عبدالرحمن” في إرساء معالم “النظرية التربوية الإسلامية”، فما أحوجنا اليوم إلى قطيعة إبستمولوجية مع الفكر الغربي في مجال النظرية التربوية، لبناء هذه الأخيرة على شروطٍ تَحفَظُ للدين الإسلامي مبدأ الشمولية والثبات، ويرجع لــ”طه عبدالرحمن” الفضل في وضعه الأسس الفلسفية التي تغني النظرية التربوية الإسلامية، وهذا ما نجده في الفكر الطاهائي، من خلال دعوته إلى نهضة جديدة من داخل الدين، لا من خارجه، حتى يتحقق الاستقلال من التبعية للآخر، وبالتالي يتحقق الإبداع الذي نفتقر إليه اليوم في شتى المجالات، ويتحقق بذلك الهدف الأسمى، ألا وهو حمل الرسالة الوجودية والأمانة.

هكذا نجد الفيلسوف المجدِّد “طه عبدالرحمن” يطرح قضية على درجة عالية من الأهمية، وهي: “التأسيس الفلسفي للنظرية التربوية الإسلامية”، وطبعًا هذا التأسيس يتطلب عدة معرفية ومنهجية للانتقال من التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، كما أن الشرط الأساسي لهذا التأسيس أن يكون من داخل الدين لا من خارجه، وهي بمثابة دعوة للتفكير في تنظير واقعي وموقف مثالي، في إطار رؤية كونية جديدة، تتطلب إحياء القلب الذي يبقى الحامل لسر الوجود. وبتحقق هذا الذي دعا إليه “طه عبدالرحمن” (التأسيس الفلسفي للنظرية التربوية) يكون بوسعنا الحديث عن إنسان كوثر يجمع بين علل القلب ورحابة الفكر.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

حمزة بومليك

باحث مغربي

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram