سياسةمختارات

النفسيّة الهشّة.. كورونا ترامب.. في انتظار “الطفل المحبوس”

 

في زمن الوباء، يقول المنطق إنه حين يصاب رجل تجاوز السبعين بـ”كوفيد-19″ فإن احتمالات وفاته تكون كبيرة، لكن حين يصاب دونالد ترامب، رئيس الدولة الأقوى والتي تقود العالم، فإن ذلك يمثل زلزالاً في الداخل الأمريكي، تتمدد توابعه ليضرب بأذرع أخطبوطية في كل الملفات والعلاقات الدولية.

داخل أمريكا، يدور الحديث عن  ارتباك يطال جميع الملفات، وعلى رأسها الانتخابات المقبلة المقررة إقامتها في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، علاوة على أسئلة جوهرية بشأن مَن يقود البلاد الآن، على الأقل حتى يثبت تعافي الرئيس على نحو مؤكد.

ترامب لدى وصوله البيت الأبيض

هناك حديث قلق أيضًا عن احتمال انتقال المرض من الرئيس إلى قيادات كبرى في الدولة على كل مستوياتها، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تتحدث أوساط الخبراء الدستوريين والقانونيين عن جاهزية الدستور الأمريكي لاحتمال وفاة ترامب أو غيره من القيادات، أو حتى منافسه جو بايدن.

وبعيدًا عن اللغط والتضارب في الأنباء بشأن الحالة الصحية للرئيس والتقارير الإخبارية التي تتغير على مدار الساعة، فإن التحليلات للموقف الحالي تطرقت لتهديدات محتملة من خصوم أمريكا، الذين يسعون ربما منذ اللحظة الأولى لاستغلال الموقف المضطرب، وامتدت إلى المخاطر التي قد تطال الحلفاء قبل الخصوم.

تهديد دولي

جيريمي شابيرو- مركز الأمن القومي الأمريكي الجديد

في مقال له نشر في موقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، رأى مدير الأبحاث في المجلس، جيريمي شابيرو، في مرض ترامب احتمالات لتهديد، ليس فقط استقرار أمريكا، بل الاستقرار العالمي ككل.

وقال شابيرو، الذي سبق له العمل كعضو في فريق تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية، إن فكرة إصابة ترامب كرئيس بالفيروس ليست في حد ذاتها مزعزعة للاستقرار، موضحًا: “من الناحية المؤسسية، تمتلك الحكومة الأمريكية قدرًا هائلاً من خطط الخلافة في التعديل الخامس والعشرين في الدستور الأمريكي، ويمكن القول إن البنية القانونية الأمريكية أقوى من أي دولة أخرى على وجه الأرض في هذا الصدد.. لقد حدث هذا من قبل أكثر من مرة، خصوصًا خلال إدارة جورج دبليو بوش، حين سلم الرئيس مقاليد الأمور مرتين إلى نائب الرئيس خلال إجراء فحوص على القولون”.

“في ظل الظروف الحالية، فإن ترامب لا يدير حكومة الولايات المتحدة، إنه يعطلها فقط على فترات شبه عشوائية، لذا فإن غيابه سيزيد في الواقع من تماسك واتساق السياسة الأمريكية”، بحسب شابيرو، الذي قال: “ما كان دائمًا مزعجًا للاستقرار بشأن إدارة ترامب ليس سياساته في الحقيقة، إنه ترامب”،  مشيرًا  إلى ما يمتلكه من عدم القدرة على التنبؤ وما يصدر عنه من انفجارات شديدة، فضلاً عن الهجمات التي لا داعي لها على الحلفاء”.

يرى شابيرو أن القلق المتزايد لدى الحكومات الأجنبية يتمثل في “تأثير المرض في نفسية الرئيس الهشّة.. يكاد يكون بين الحكومات في أوروبا إجماع  على أن ترامب ليس مستقرًّا، بمعنى أنه طفل صغير أكثر من كونه مجنونًا، لكن، كما يعلم أي والد، فإن حبس طفل صغير في غرفة لمدة أسبوعين لا يؤدي إلى حسن السلوك”.

احتمالات مرعبة

الرئيس الصيني شين جين بينغ

وقال شابيرو: “حقيقة أن الرئيس أصيب بفيروس كوفيد-19 بعد مرور أكثر من 6 أشهر على الوباء، ستعزز وجهة النظر في الخارج بأن استجابة الولايات المتحدة كانت غير كُفؤة، وأن إدارة ترامب على نحو خاص غير قادرة سياسيًّا وفكريًّا على أخذ المرض على محمل الجد وتنفيذ خطة فعالة للتعامل معه، نتيجة لذلك سيصبح انعدام الكفاءة فكرة مهيمنة على العقل الأوروبي لاستجابة الولايات المتحدة للفيروس”، ورأى شابيرو أن ذلك قد “أضر على نحو دائم بصورة الولايات المتحدة وقدرتها على القيادة العالمية”.

وأضاف: “ما يحدث الآن سلط الضوء على كيف يمكن للمعارك الحزبية العميقة والدائمة في الولايات المتحدة أن تستمر، وربما ستستمر في التأثير في سياسات أمريكا الخارجية التي تؤثر في العالم كله”.

“عدة احتمالات مرعبة” تحدث عنها شابيرو ربما تحدث نتيجة مرض ترامب: “قد يمكث ترامب في الحجر الصحي بالبيت الأبيض لمدة 10-14 يومًا المقبلة، وينثر الكراهية والإحباط عبر تويتر، يمكن أن ينتج عن هذا بسهولة حملات إهانة لأي هدف يمر أمامه عبر شاشة تليفزيونة، بما في ذلك الحلفاء الأوروبيون وغيرهم من خصومه بالولايات المتحدة، وفي عزلته النسبية يمكن أن تزداد معدلات جنون العظمة لدى الرئيس بشأن الانتخابات، ومن ثمّ يزرع بذور الفوضى التي ستعقب الانتخابات، ومن المحتمل كذلك أن يكون لهذا تأثيرٌ مزعزِع للاستقرار على الديمقراطية الأمريكية، وقد يتسبب في اضطرابات داخلية عقب الانتخابات.”

وتابع: “في ظل حاجته الماسة إلى الاهتمام الذي سيفتقده من خلال عدم وجود مسيرات وفعاليات انتخابية، يمكن لترامب الإصرار على المزيد من الأفكار السياسية المجنونة التي ستمنحه الاهتمام الذي يتوق إليه، وقد يشمل ذلك إعادة إشعال الحرب التجارية مع الصين كعقوبة على فيروس كورونا الذي أصابه، أو حتى إذكاء التوترات التجارية مع أوروبا”.

استخبارات أجنبية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

وطرح تقرير نشر في مجلة “فورين بوليسي”، الجمعة الماضي، سوالاً عما إذا كانت إصابة ترامب بالفيروس ستعرّض الأمن القومي الأمريكي للخطر. وذكر التقرير أن خبراء يرون أن “أجهزة المخابرات الأجنبية لخصوم أمريكا قد تكون الآن تراقب عملية الخلافة المحتملة في رئاسة الولايات المتحدة”، وأضاف أن الخبراء “أصدروا حملة أخرى مليئة بالتحذيرات عالية المستوى من التدخل الروسي في الانتخابات، فموسكو أيضًا ربما تتطلع إلى استغلال حالة عدم اليقين الأمريكية بشأن صحة ترامب لكسب نفوذ أكبر على حساب واشنطن”.

ونقل التقرير عن دوجلاس لندن، وهو ضابط وكالة المخابرات المركزية المتقاعد و يدرس الآن في جامعة جورج تاون، قوله: “يريد خصوم أمريكا معرفة ما سيحدث وكيف”، وتابع: “روسيا مثلاً تتطلع إلى معرفة أعضاء مجلس الوزراء الذين من المرجح أن يظهروا على الساحة إذا كان ترامب عاجزًا مؤقتًا بسبب أعراض الفيروس.. إنهم يريدون معرفة ما إذا كانت أي اختلافات في المناصب ستحدث”، وأضاف: “الروس يبحثون عن المواقف التي يمكنهم فيها الاستفادة من حالة الارتباك في الداخل الأمريكي.. هناك الكثير من الأوراق الجامحة”، واستدرك لندن: “هناك خطر سوء تقدير من الخصوم الأجانب، لأن التسلسل القيادي قد يصبح أقل قابلية للتنبؤ إذا ساءت حالة ترامب”.

تماسك أم ارتباك؟

مايك مولروي- وزارة الدفاع الأمريكية

وبحسب تقرير “فورين بوليسي”، أكد بعض المسؤولين السابقين في إدارة ترامب أن التسلسل القيادي قوي ومتماسك بالنسبة إلى هذه الأنواع من الطوارئ على وجه التحديد، حتى لو كان الرئيس عاجزًا.

وفي هذا السياق، قال مايك مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع السابق خلال إدارة ترامب، وهو الآن مسؤول عن الأمن القومي لشبكة ABC News: “يمتلك الجيش الأمريكي قيادة أفضل من أي جيش في العالم، وله سلطة اتخاذ قرار حماية القوة إذا لزم الأمر”، وأضاف: “من غير المحتمل أن يستخدم أي خصم هذا الموقف كفرصة لاختبارنا، وإذا فعلوا ذلك فسنجتاز الاختبار”.

وأصدر كبار المشرعين الأمريكيين نفس الرسالة، الجمعة الماضي، بعد وقت قصير من إعلان إصابة ترامب، في حين غرد السيناتور الجمهوري ماركو روبيو، القائم بأعمال رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، على حسابه بـ”تويتر”: “أي خصم يرى في ما يحدث اختبارًا للولايات المتحدة سيكون أخطأ خطأ فادحًا”.

وأشار التقرير إلى أن وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، موجود في شمال إفريقيا هذا الأسبوع، لكن متحدثًا باسم وزارة الدفاع قال إن فحص كورونا لوزير الدفاع أظهر نتيجة سلبية، وبالمثل رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميلي، الذي التقى ترامب في البيت الأبيض الأحد قبل الماضي.

ونقل تقرير”فورين بوليسي” عن متحدث باسم هيئة الأركان المشتركة قوله، الجمعة الماضي: “لم يطرأ أي تغيير على مستويات التأهب لدينا.. إن الجيش الأمريكي على استعداد للدفاع عن بلادنا ومواطنيها.. لا يوجد تغيير في جاهزية وقدرات قواتنا المسلحة”.

 

 

المصدر
تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجيةتقرير فورين بوليسي

تامر الهلالي

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى