سياسة

رحلة تحولات “النهضة التونسية”.. بين المصلحة السياسية وتأقلم الدعوة

في المؤتمر العاشر لحزب حركة النهضة، الذي انعقد في مايو 2016، أعلن راشد الغنوشي، الزعيم الكاريزمي لحزب النهضة، التحوُّل من “الإسلام السياسي” إلى ما أطلق عليه في دوائر السياسية والأكاديميا الغربية “الديمقراطية الإسلامية”.

في ذلك الوقت، كان كثير من الناس يتطلعون لمعرفة ما إذا كان هذا القرار براجماتيا لتفادي التهميش أم تحولا أصيلا لحركة إسلاموية.

النهضة والمشروع الدعوي

وأسهمت تحولات الحركة في إثارة عاصفة من التساؤلات حولها، لا سيما أن الحركة تبنت من قبل مشروعا دعويا يركز على الإيمان والأخلاق والسلوك، وبناء “تضامن مُتخيَّل” (بيات، 2005) من القيم المشتركة، تعززه مجموعة من الشخصيات الكاريزمية التي يتوزع تأثيرها عبر شبكات من المدارس والجامعات والمساجد والمجتمعات المحلية.

راشد الغنوشي

ورغم أن الغنوشي (2016) ذكر أنَّ “التخصص الوظيفي بين السياسي وبقية المجالات المجتمعية، ليس قرارا مفاجئا أو رضوخا لإكراهات ظرفية، بل تتويج لمسار تاريخي تمايز فيه عمليا السياسي عن المجتمعي والثقافي والدعوي في حركتنا”، فإن كلماته لم تبدد الشكوك المثارة حول هذا القرار.

وخضعت التحولات التي مرت بها الحركة التونسية لسلسلة من النقد والدراسات المطولة، خصوصًا في ظل الأوضاع الداخلية التي عاشتها تونس خلال السنوات القليلة الماضية.

وأسفر هذا الاهتمام البحثي عن صدور مجموعة من الكتب والأبحاث، من أبرزها كتاب: داخل حركة النهضة التونسية.. بين السياسة والدعوة، الصادر عام 2018، عن دار نشر جامعة كامبرديج البريطانية للباحث روري مكارثي.

واهتم “مكارثي” بإجراء دراسة متعمقة لوضع القيادة والقواعد التنظيمية داخل الحركة، وتأثير التفاعلات الداخلية بينهما على قرارات الحركة الاستراتيجية كالتحول إلى حزب سياسي، بعد عقود من تبني أيديولوجية شمولية ذات جذور إخوانية.

وفي حين يتفق روري مكارثي بشكل جزئي مع الغنوشي، يجادل الأول في كتابه “داخل النهضة التونسية: بين السياسة والدعوة” على نحو مقنع بأن قرار النهضة بـ”التخصص الوظيفي كان نتاج نقاش فكري واستراتيجي طويل مدفوع بقلق متزايد بين المنتسبين إلى حركة النهضة حول هوية حركتهم بعد عقود من معاناة القمع والإقصاء السياسي” (ص 1).

مشروع سياسي بخلفية إسلامية

في هذا الكتاب، يبحث مكارثي عن أفضل طريقة لتفسير تحول حركة النهضة من مراحلها الأولى عندما اقترح أعضاؤها لأول مرة مشروعا سياسيا مغامرا يقوم على فكرة “شمولية الإسلام”، وحتى يومنا هذا عندما قرر قادتها التوقف عن دمج ما يسمونه العمل السياسي بالعمل الدعوي.

روري مكارثي
روري مكارثي

إقرأ أيضًا: النهضة التونسية.. مشروع “بقاء ناقص”

فبدلا من التفكير في تجربة حزب النهضة، بوصفها تجربة فريدة من نوعها تاريخيا أو تجربة شاذة، يعالج مكارثي هذه المشكلة من خلال التركيز على “التجربة الحية للنشاط الإسلاموي”.

ويسعى إلى الإجابة عن أسئلة من نوعية كيفية انضمام الأعضاء إلى الحركة أولا، وكيف ولماذا تغيرت تصوراتهم حول هذه النشاطات، ولماذا يمتلك الأعضاء فهما مختلفا ولكنه متداخلا إلى حد ما للاهتمامات الأساسية للحركة.

وبعبارة أخرى، يتعقّب مكارثي “جينالوجيا خلق المعنى داخل الحركة منذ نشأتها حتى يومنا هذا”، لتسليط الضوء على حالة “التصارع والتفاوض بين الطموحات السياسية والدعوية للحركة” (ص 3).


شعار حركة النهضة

وبعد 14 شهرا من العمل الميداني الطويل حول الإثنوغرافيا السياسية في مدينة سوسة الساحلية والبلدات المجاورة لها، حيث ولدت شخصيات سياسية مهمة في تونس (على سبيل المثال، رئيس الوزراء السابق حمادي الجبالي)، منحت دراسة مكارثي الأولوية لدراسة التجارب المحلية غير النخبوية لأعضاء حركة النهضة.

وترى الدراسة أن تجاربهم تبدو أحيانا كأنها متعارضة مع سردية القادة التي أنشأها منظرو الحركة، كما يركز مكارثي على كيفية حدوث النشاط الإسلاموي في الكواليس، خارج دائرة ضوء السياسة الرسمية والأعضاء رفيعي المستوى للحركة.

للمزيد: قيس سعيد والنهضة.. صراع النفس الطويل

ومستفيدا من المقابلات النوعية التي أجراها، وتشمل محادثات رسمية وغير رسمية مطولة مع العشرات من الأعضاء الحاليين والسابقين في الحركة، يطور مكارثي حجاجه الرئيسي عبر ثلاث مراحل، وهي:

أولا، يجادل مكارثي بأن تصورات أعضاء الحركة للعلاقة بين السياسي والديني لم تكن متوافقة، بل وغير قابلة للتوافق، ذلك أن الحركة قدمت في البداية “مفهوما شاملا للإسلام” اتسم بالغموض والمرونة والطوباوية، مما ساعد على انتشار دعوة الحركة بين أعداد كبيرة نظرا لأن شرائح مختلفة من المجتمع فهمت أشياء مختلفة من هذا المفهوم الشامل.

الغنوشي

توتر داخلي

ومع ذلك، فقد أدى ذلك لاحقا إلى إحداث توتر داخل الحركة، بين أعضاء الحركة المحليين والقيادات في المنفى، لا سيما فيما يتعلق بتصوراتهم الفردية لما يعنيه أن يكون المرء عضوا في حركة إسلاموية.

ويمكننا أيضًا أن نرى هذه الحالة من عدم التوافق في اتصالات الشبكة التي صاغها الأعضاء بأنفسهم، والنشاطات التي حدثت بشكل مستقل على هامش الحركة.

وقد أدى ذلك على نحو غير مفاجئ إلى توسيع الخلافات بين أولئك الذين يفضلون نهج المشاركة السياسية للإصلاح من أعلى إلى أسفل على مستوى الدولة، وأولئك الذين يرغبون في مواصلة مشروع الإصلاح من أسفل إلى أعلى، والذي يستهدف المجتمع بشكل عام.

مرونة داخلية استثنائية

ثانيا، يرى المؤلف أن هذه المرونة، وبالأخص على المستوى المحلي، هي التي ساعدت حركة النهضة على البقاء دون أن تمزقها الخلافات الداخلية خلال سنوات القمع التي عاشتها في ظل حكم بورقيبة وبن علي، لأن الحركة لم يكن لديها وقت للنزاع حول ما فهمه كل فرد من هذا المفهوم الشامل للإسلام.

في حالة الحركات الإسلاموية الأخرى في المنطقة، تشير الأبحاث والدراسات إلى أن بعض المهارات التنظيمية، مثل بنية الحركة العميقة وأنشطة الرعاية الاجتماعية المفيدة والأنشطة التعليمية على المستوى الشعبي، تساعد بشكل كبير على تنشيط تلك الحركات بعد الانتفاضات الشعبية.

لكن حركة النهضة، لم تتمتع بهذه المهارات اللازمة في ظل سنوات القمع، وإن كانت قد استفادت من مصادر أخرى للصمود مثل الشبكات العميقة غير الرسمية، وجهود الأعضاء لإبقاء المشروع الإسلاموي حيا في أذهانهم، والنشاط الفردي والجماعي على هامش الحركة من الناحيتين الفكرية والتنظيمية.

وكان الدافع وراء كثير من هذه الأنشطة هو تجربة التعذيب والوحشية المشتركة بين أعضاء الحركة التي عاينوها في السجون، ومراقبة الشرطة والعزلة الاجتماعية بعد الخروج من السجن، ومحاولاتهم المشتركة لاستعادة الكرامة ليس فقط داخل جدران زنزانة السجن، ولكن أيضا داخل المجتمع التونسي في حياتهم بعد الخروج من السجن.

تحولات استراتيجية

ثالثا، يوضح مكارثي كيف أن الحركة دخلت في العديد من التحولات الاستراتيجية والفكرية لتتوافق مع الوضع السياسي المتغير في تونس.

وشهد عام 2016 التحول الأهم في تاريخ الحركة وهو: الالتزام الاستراتيجي الذي لا رجعة فيه بتسييس الحركة، والذي وصفته القيادة بأنه تخصص وظيفي يضمن “استراتيجية لتوفير الشرعية والأمن وتجنب التهميش خلال الفترة الانتقالية” (ص 156)، والذي من أجله بذلت الحركة جهودا كبيرة للتوصل إلى تسويغ فكري له.

أثبت هذا الموقف أيضا أن حركة النهضة قابلة للتكيف بدرجة كبيرة مع الظروف المتغيرة، ولكن مثل هذه التغيرات تأتي بالتأكيد على حساب الناحيتين البنيوية والفكرية، اللتين تعانيان الهشاشة والتفرق في حالة النهضة. 

يؤكد مكارثي أن الإنتاج الأكاديمي حول الحركات الإسلاموية يركز كثيرا على القيادات، ومقابلاتهم وخطبهم وأدائهم العام، ولكنه لا يعبأ عادة بكيفية فهم الأعضاء العاديين بالحركة لتصريحات قادتهم.

ويجادل على نحو مقنع بأن التركيز المفرط على سردية القادة يدعم وجهة نظر تاريخية غير مكتملة لحركة النهضة، ولكنه لا يوضح لنا كيف يدرك الأعضاء العاديون بالفعل تصريحات قادتهم، خاصة تصريحات الغنوشي.

أذكر أن الغنوشي قال في مؤتمر بإسطنبول إن أعماله تُقرأ في تركيا أكثر مما تُقرأ في تونس.. أيضا، سيكون من المفيد أكثر أن نرى تحول الحركة وتشرذمها الواضح في فترة ما بعد 2011 من وجهة نظر عدد قليل من الأعضاء المحليين لحركة النهضة في سوسة من أجل سردية أكثر اتساقا وشمولية.

لقاء الغنوشي وأردوغان

ومع ذلك، فإن مثل هذه العوائق لا يمكن بالطبع أن تلقي بظلالها على حقيقة أن مكارثي قد أجرى عملاً ميدانيًا مذهلا قدّم فيه مجموعة بيانات وافرة تمكّنه من إنتاج تحليلات إمبريقية ونوعية حول تاريخ الحياة اليومية للنهضويين المحليين، وكذلك الإسهام في دراسات الحركة الاجتماعية في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام.

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى