التنوير بين محمد عبده والكواكبي

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

في سياق حكايتنا عن التنوير عُدَّ “محمد عبده” و”الكواكبي” رائدين من رواده، لا يفصلهما أي مسافة، مثلما اعتبرت أسماء: “روسو” و”فولتير” و”مونتسيكيو”…إلخ أبطالًا لرواية التنوير الغربية لكن حكايتنا في الحقيقة لم تأخذ مسار الرواية الغربية، فجاء التباعد بين مشروعي الرجلين شاسعًا وكان هذا سببًا في انحراف المشروع النهضوي للأمة.

يسرد الراوي الغربي بأن عصر النهضة انطلق؛ إثر اكتشاف العالم الجديد وإثبات “جاليليو” نظرية “كوبرنيكوس” حول مركزية الشمس إلى جانب ما أحدثته حركة “الإصلاح الديني” بقيادة مارتن لوثر من أثر.

إنجازات تبلورت مع دخول القرن الثامن عشر -عصر التنوير-؛ لتؤسس منظورًا جديدًا للعالم ومنظومة أخلاقية جديدة وعلم جديد ونظرية خلاص جديدة حلّت محل البراديغمات القديمة.

فعبر النسق النهضوي الغربي طرح “ديكارت” (1596 ـ 1650) مبدأ الذاتية (الكوجيتو): أنا أفكر.. إذًا أنا موجود، كخط فاصل بين عالم الآلهة القديم وعالم الإنسان الحديث، ووضع صاحب “العقد الاجتماعي” (1632 ـ 1704) مفهوم جديد للإنسان ركيزته الحرية، وكتب جون لوك مقاله عن “العقل الإنساني” مقرًا أن كل معارفنا، متضمنة أفكارنا عن الله والصواب والخطأ، مصدرها الخبرة، وأطلق إيمانويل كانط (1724 ـ 1804) صيحته “كن جريئًا واستخدم عقلك الخاص”، واكتشف نيوتن (1642 ـ 1727) قانون الجاذبية مقدمًا تصوره الميكانيكي للكون واشعلت أفكار “جون لوك” و”فولتير وروسو” و”مونتسيكيو” الثورة الفرنسية (1789).

استقام المشروع الفكري للتنوير؛ ليوازي حركة العلم ويواكب تطور الواقع في تفاعل هارموني، بينما قضت المعالجة الدرامية لحكايتنا أن تتباعد حركة الإصلاح الديني التي قادها “محمد عبده” مع توجه أسس له “الكواكبي” بكتابه الأشهر “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، عندما قصد المفكر السوري بأدواته المعرفية إلى الواقع لتحليله وفهم أبعاده، ورصد ما تصوره العائق الأبرز أمام النهضة المأمولة.

غياب النسق خلق مسافة كبيرة بين المسارين “لم يكن لها وجود في الرواية الغربية للتنوير؛ حيث انتظم الإصلاح الديني لمارتن لوثر إلى جانب أفكار “روسو” و”فولتير”…إلخ ضمن مشروع واحد)، واختلَّ التوازن بينهما لصالح توجه “محمد عبده”، فلم يتشكل تيار حول ما خطه “الكواكبي” رغم أصالة طرحه التأسيسي “طبائع الاستبداد” ( سواء في جهازه المفاهيمي أو في تعاطيه مع الواقع العربي)، في حين ازدهر تيار علماني تقدمه: “فرح أنطون” و”شبلي شميل” و”جورجي زيدان” و”سلامة موسى” إلى جانب مدرسة “محمد عبده”، الرجل الذي هيمنت رؤيته بصورة حالت دون تحقيق ما طمح إليه من نهضة.

وليس أدل على تلك الهيمنة من كون المشروعات الفكرية الكبرى للنخبة العربية حتى “الجيل الثالث للحداثة” (والتصنيف لعبدالإله بلقزيز، وضعه على غرار تقسيم بيتر جراي لأجيال التنوير في الغرب) مرت في معظمها عبر التراث، مثلما نجد لدى: “الطيب تيزيني” و”محمد عابد الجابري” و”حسين مروة” و”محمد أركون” و”حسن حنفي”، وجميعهم لم يكن له أي خلفية إسلامية! وهذا يدل على مدى هيمنة نهج عبده.

هذه الرؤية تنفي بحزم ما ذهب إليه “جورج طرابيشي” من أن “الخيبة النهضوية” التي أصابت مجتمعاتنا وقعت لأن “نهضة الآباء تحولت إلى ردّة على يد الأبناء” فعلى العكس تمامًا، لزم الأبناء طريقًا خطه الآباء –خاصة الأب البطريرك محمد عبده- ولم يحيدوا عنه؛ لينتهوا إلى خيبة لا يزال الأحفاد يتجرعون مرارتها.

فبدلًا من أن يتقدم المثقفون العرب على خطى “الكواكبي” لتشريح واقع مجتمعاتهم والوقوف على مشكلاته، التوت أعناق أطروحاتهم الفكرية نحو التراث فأصبح لدينا أجيال من “مارتن لوثر” بينما خلت الساحة الفكرية من  أمثال: “روسو” و”مونتسيكيو” و”جون لوك” و”فولتير” و”لايبنتز” و”ديدرو” و”هيوم” و”بيكون”..إلخ.

استطاعت تلك الأسماء في الرواية الغربية أن تحقق نهضة فكرية تبعها تفوقًا ماديًّا فلم يمر منتصف القرن التاسع عشر، حتى أصبح التفوق الغربي شبه نهائي بعدما تجاوزت الحبكة مرحلة العقدة لتبلغ الرواية نهايتها السعيدة، لكن قبل ذلك وحتى تتجاوز الحبكة عقدتها واجهت تحديًّا تَمَثل فيما سمي بـ”التنوير المضاد”، وترجع عدم شهرة هذا التيار إلى أن أغلب الأسماء المنتسبة له طواها النسيان.

في مواجهة فلاسفة ومفكري التنوير ظهر تيار “التنوير المضاد”، يقوده نزوع ماضوي؛ ليدعو أصحابه إلى الحفاظ على التراث، وكان معظمهم من رجال الدين، أبرزهم “اللاهوتي” الألماني “يوهان هيردر” والمفكر الفرنسي الداعية للحكم الثيوقراطي “لويس دي بونالد”.

استند أصحاب “التنوير المضاد” إلى التراث ليهاجموا ما أسموه بـ”غرور العقل” منتقدين تحلل بعض المثقفين الغربيين من القيود الأخلاقية، لكن معاول الهدم عجزت أمام الصروح الفكرية لفلاسفة التنوير، بينما تقدم “التنوير المضاد” في حكايتنا، ممثلًا في التيار الإسلامي؛ ليلعب أصحابه دورًا من أدوار البطولة، في غياب البطل الرئيسي وهو تيار كان من المفترض أن يتشكل حول “الكواكبي”، بحسب معادلة الحداثة التي اختلت، فتصدر الإسلاميون المركز، إلى جانب مدرسة “محمد عبده”، التي اعتنقت سبيلًا وحيدًا للتنوير هو إعادة قراءة التراث، في حين احتلَّ التيار العلماني، أو بتعبير أكثر دقة التيار التغريبي، بعدما عجز عن تبيئة ومعالجة أفكار الحداثة المستوردة حتى تصبح جزءًا من نسيج مجتمعاتنا لتتطور عبر أطرها الاجتماعية والفكرية، وبهذا تلبست رؤى التنوير مظهر الأفكار الجاهزة المستجلبة من بيئة غريبة.

أمسينا بذلك أمام معادلة للتنوير مختلفة عن نظيرتها الغربية، فأنتجت معادلتنا حداثة “رثة كسيحة” أو “حثالة” وحثالة الشيء- بحسب المفكر السوري برهان غليون – هو ما يسقط من بقايا، ويرسب في قعر الإناء، كحثالة الزيت.

منتوج جديد يختلف نوعيًّا عن المنتوج الأصلي؛ إذ يتكون من العناصر التي تُرمى من المواد الأولية أثناء عملية التصنيع، ولا يمكن الاستفادة منها، وهي وإن اختلفت كثيرًا عن المنتوج الفعلي لكنها تحتفظ ببعض رائحته ومظاهره وعناصره الأولية، كونها حثالة المنتج الأصلي.

غياب النسق في حكايتنا أفضى إلى حداثة “رثة كسيحة” عرقلت كل طموح نبيل نحو ولوج عصر جديد أنتجته الحداثة الغربية، ومن ورائها نسق نهضوي قطع مع عصور مظلمة عانت خلالها مجتمعاتهم من الويلات.

يبقى توضيح أن الإحالة إلى التجربة الغربية مسألة فرضها التاريخ بعدما أملى على عصر النهضة العربي أن يمر عبر الاتصال بالغرب بواسطة الحملة الفرنسية، إلى جانب المصطلح “النهضة” المعار من النهضة الأوروبية، كذلك مفهوم “التنوير” الذي استطاع مفكروه وفلاسفته في الغرب جذب أنظار مجتمعاتهم بعيدًا عن الفلسفة الإغريقية والمنتوج الفكري لفلاسفة القرون الوسطى؛ إلى أطروحات كان مرجعها الواقع مستهدفة تطويره وتقدمه، وهو منطق وقف وراء رؤية “الكواكبي” بالمخالفة لمنطق البعث، ممثلًا في كون إعادة قراءة التراث هو الدرب الشرعي لـ”النهضة والحداثة”، وهو المنطق الذي تسلط على معظم المشروعات الفكرية الكبرى منذ الأب البطريرك “محمد عبده”.

Edit
  • * من النهضة إلى الحداثة، عبد الإله بلقزيز.
  • * الإسلام والسياسة: الحداثة المغدورة، برهان غليون.
  • * عصر التنوير: فلاسفة القرن الثامن عشر، إشعيا برلين.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search