الهنود الحمر في السودان

أيام الإنجليز.. والمراكب.. والدم!

بعد خمسة عشر عامًا من تجريدة مصر العسكرية في الأمريكتين، كانت الإمبراطورية البريطانية في ذروة تمددها الاستعماري، وكانت ممتلكاتها والمناطق التابعة للتاج البريطاني تمتد من كندا إلى الهند وأستراليا.

في ذلك الزمن، كان التعامل مع مناطق الاضطرابات التي تُهدِّد الهيمنة البريطانية سريعًا وحاسمًا ولا رحمة فيه، ولعل المثال على ذلك هو تعامل بريطانيا مع التمرد الذي حدث في السودان. فقد اعتبر البريطانيون محمد أحمد المهدي (1844-1885 م) رجلاً قوميًّا ومُتعصِّبًا دينيًّا، وصار الرجل مصدر إزعاج للإدارة المصرية الإنجليزية في السودان، تحت قيادة الجنرال تشارلز جوردون باشا.

أبناء مانيتوبا في حملة إغاثة جوردون- المصدر: storynations
لا لمصر والإنجليز!

وقد نمت حركة ثورية ضد حكم المصريين والإنجليز، وتكتلت فيما بعد على شكل قوة ترأسها “المهدي”. وكانت بريطانيا قد قررت التخلِّي عن السودان، وأمرت مصر بالتخلِّي عن إدارتها للسودان في العام 1883، وأرسلت “جوردون” لتنظيم الجلاء عن السودان حتى صارت مدينة الخرطوم آخر القواعد التي تقع تحت السيطرة البريطانية – المصرية.

مع ذلك، بحلول شهر مارس/آذار من العام 1884م، حاصر الآلاف من قوات المهدي مدينة الخرطوم، وانقطعت السبل بالحامية المصرية التي كان عددها 6 آلاف ونفد منها الطعام والماء.

وهكذا تشكلت قوة استطلاع عسكرية على وجه السرعة، لتنفذ مهمة من شقين؛ نجدة وإغاثة القائد البريطاني جوردون، وتعليم المهدي معنى دبلوماسية السفن الحربية، حتى لو كانت سفينة حربية نهرية وحسب!

تضمنت تلك القوة الاستطلاعية التي قادها الجنرال “ولزلي” ما يُقارب 400 نوتِيّ (مراكبي) كندي أُطلِق عليهم لقب “رحَّالة النيل”. كان هؤلاء الرحَّالة من “الأمم الأولى” (وهم الشعوب الأصلية في كندا جنوب الدائرة القطبية، أمَّا أولئك الذين يعيشون في المنطقة القطبية فيُعرفون باسم “إنويت” أو “إسكيمو”- المترجم)، وكان معظمهم ينتمي إلى الـ”كاوناواجا”، وهم فرع من قبيلتيْ “الموهوك” و”أوجيبوا” الأمريكيتين.

لوح في أونتاريو الكندية لتكريم ذكرى رحَّالة النيل- المصدر: ontarioplaques
الهنود الحُمر في مهمة عسكرية

ولأن مدينة الخرطوم تبعد نحو 2000 كيلومتر عن القاهرة، احتاج الجنرال ولزلي إلى رجال يفهمون خطورة وسرعة المياه في أعالي نهر النيل، وقد اعتُبِر ولزلي (1833-1913م) القائد حلَّال المشكلات في الإمبراطورية البريطانية، وقد كان المسؤول عن حملة النهر الأحمر العسكرية عام 1870، تلك التي قضت على لويس رِييل الذي أعلن استقلال مقاطعة مانيتوبا الكندية، وأعلنها جمهورية يترأسها هو. وبالطبع لا ننسى أن ولزلي هزم أحمد عرابي في معركة التل الكبير في 13 سبتمبر/أيلول عام 1882، وهي الهزيمة التي مهَّدت لاحتلال بريطانيا وادي النيل.

حملة النيل العسكرية بقيادة ولزلي – المصدر ويكبيديا

أثار “النوتية” الكنديون إعجاب ولزلي في أثناء حملة النهر الأحمر. وهكذا أرسل إلى كندا للبحث عن متطوعين للمشاركة في حملة النيل العسكرية، لإنقاذ مدينة الخرطوم.

على أية حال، وصف ولزلي أولئك “الرحَّالة” بأنهم “مُكوِّنٌ ضروري للحملة العسكرية” وقال: “نحتاج إلى أولئك النوتية الكنديين البارعين لنقل القوات البريطانية في أعالي النيل”.

اختير نحو 386 رجلاً من “النوتية” ممن لهم خبرة في التعامل مع مياه الأنهار، تحت قيادة المُقدِّم فريدريك تشارلز دينسون (سليل أسرة عسكرية مُتنفِّذة من تورنتو) وأبحر الرحَّالة الكنديون من ميناء آرثر على بحيرة سوبيريور، مغادرين مقاطعة كيبك الكندية نحو ميناء الإسكندرية، على متن السفينة “الجونة” في سبتمبر/أيلول من عام 1884م.

حملة النيل العسكرية- المصدر: lookandlearn
المواجهة مع المهدي

وكان أحد مقاتلي “الموهوك” من احتياطيّ الجيش الكندي قد أوصى باستخدام قوارب، يشبه تصميمها تصميم قوارب صيد الحيتان، وهو ما تم بالفعل.

وفي 26 يناير/كانون الثاني عام 1885، انطلقت قوات الإغاثة مُكوَّنةً من أكثر من 5 آلاف جندي من مدينة القاهرة، باتجاه أعالي النيل جنوبًا، مُحدِّدةً هدفها، مدينة الخرطوم. وكان الكنديون هم من قادوا القوارب البريطانية في أعالي النهر، وكانت تلك هي المجموعة الأولى من الكنديين الذين يُشاركون في أعمال عسكرية وراء البحار على الإطلاق.

ومثل الجنود المصريين في المكسيك، تمددت إقامة “الرحَّالة” المرة تلو الأخرى، حتى إن فترة خدمتهم طالت أكثر من الزمن الأصلي الذي كان مُقرَّرًا له أن يكون 6 أشهر.

وبعدما نجا الكنديون من عدة هجمات قوية شنتها عليهم قوات المهدي خلال الطريق، ونظرًا إلى أن هؤلاء الرجال لم يتم تجنيدهم كجنود نظاميين، فإنه لم يتم اعتبارهم كوحدة قتالية نموذجية بالجيش. ولذلك اختار العديد منهم الرجوع إلى كندا، ولم يتبق منهم سوى 89 رجلاً لمساعدة قوات ولزلي في الحركة أعلى النهر حتى تصل إلى هدفها.

جيريماياه جونستون يرتدي الميدالية التي نالها كأحد رحَّالة النيل في أونتاريو بكندا- المصدر: storynations
مذبحة كبيرة!

وبحلول 26 يناير/كانون الثاني، وصلت قوات الإغاثة إلى ضواحي مدينة الخرطوم، لكن الأوان كان قد فات. فقد اندفع نحو 50 ألفًا من قوات المهدي في ضربة استباقية، واجتاحوا الجانب النهري ضعيف التحصينات من مدينة الخرطوم، وشنوا هجومهم على الأقدام بعد عبورهم النهر الذي كان مستواه غاية في الضحالة، فقتلوا الحامية كلها.

وهكذا دخلت قوات الإغاثة المدينة بعد يومين فحسب لتكتشف هول المذبحة، وتجد جثة الجنرال جوردون مقطوعة الرأس. وبسقوط الخرطوم أسس المهدي دولة إسلامية في السودان، لكنه مات بعد 6 أشهر، ولم يتم غزو السودان مُجدَّدًا حتى أرسل البريطانيون حملة عسكرية كي تنتقم لمقتل جوردون، قادها “كيتشنر” في الفترة من 1895 حتى 1898.

على الرغم من ذلك، أشار ولزلي إلى المُتطوِّعين الكنديين بمصطلحات متوهجة: “إن خدمات أولئك الرحَّالة كانت لها أعظم قيمة مُمكِنة، علاوة على ذلك، فقد كان سلوكهم ممتازًا في كل مكان.. لقد نالوا لأنفسهم سمعة طيبة بين القوات في أعالي النيل”.

شهادة إيجابية أخرى كانت للعقيد “جروف” الذي كان عضوًا في حملة النيل العسكرية: “كان توظيف الرحَّالة النجاح الأكثر وضوحًا، فمن دونهم كان من المشكوك فيه أن تتحرك القوارب من الأساس”.

قضى نحو 16 كنديًّا حتفهم في أثناء حملة النيل العسكرية، وقد تم إحياء ذكراهم في برج كندا لـ”النصر والسلام” المُلحَق بمبنى البرلمان الكندي في العاصمة أوتاوا، والذي يحتوي على كل الكنديين الذين قضوا في الحروب.

صورة للرحَّالة الكنديين أمام مبنى البرلمان الكندي عام 1884م- المصدر: canadianmilitary
بريطانيا تكافئ الرحّالة الهنود

وقد كتب الجنرال ولزلي خطابًا للحاكم العام الكندي يُثمِّن فيه خدمات الكنديين، كما وجّه البرلمان البريطاني الشكر لهم على مجهوداتهم، وتَزيَّن الرحَّالة بميدالية “كيربيكان” على الرغم من أنهم كانوا مدنيين متعاقدين مع الجيش البريطاني، بموافقة الحكومة الكندية، ولم يرتدوا الزي العسكري أو يشتركوا في القتال الحقيقي. ومع ذلك يصح بالفعل أن نقول إن تلك كانت المشاركة الأولى لكندا كجزء من حملات بريطانيا العسكرية خارج الحدود.

المصدر:

هذا المقال هو ترجمة لمقال الصحفي الكندي مارك مونتجومري، نشره في يناير/كانون الثاني من عام 2015.

https://www.rcinet.ca/en/2015/01/26/canadas-first-military-mission-overseas/

ومقال الصحفي المصري سمير رأفت المنشور في يونيو/حزيران 1994

http://egy.com/historica/

للتوسع:

Boileau, John, Voyageurs on the Nile, Legion Magazine, January/February 2004. Accessed: 4 April 2007

MacLaren, Roy Nile Expedition, Canadian Encyclopedia Accessed: 4 April 2007

McGinnis Schulze, Lorine Nile Expedition, Canadian Military History Project Accessed: 4 April 2007

The Nile Expedition, 1884–85, Canadian Military Heritage Accessed: 4 April 2007

The National Maritime Museum, UK Accessed: 4 April 2007

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أمير عثمان

كاتب سوري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search