الهوية الجنسية

طبيعة بيولوجية أم سمة ثقافية؟

56 اختيارًا لجنسك يتيحه “فيسبوك”، فهناك إلى جانب ذكر / أنثى: مثلي، مزدوج الجنس، خنثى، رجل متحول، أنثى متحولة، ليس ثنائيًّا، مزدوج الروح. خيارات لا تعرف عن أغلبها شيئًا، وربما تمضي حياتك بأكملها ولا يصادفك واحد من أصحاب هذه الهويات الجنسية.

وإذا انتقلت من العالم الافتراضي الرحب إلى الواقع الأقل رحابة، فلن تجد دولًا كثيرة أقرت رسميًّا بأجناس أخرى غير الذكر والأنثى، حيث تقتصر مجموعة الدول التي اعترفت بـ”الجنس الثالث” مثلًا، على: نيوزيلندا، باكستان، أستراليا، بنجلاديش، كندا، الهند، الأرجنتين، نيبال، الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، مالطا.

ومن هذه الدول التي اعترفت بالجنس الثالث تقف كندا وحيدة بإقرارها إجراءات صارمة تحفظ حقوق هذا الجنس، فمثلًا أحالت السلطات الكندية في العام الماضي أستاذًا جامعيًّا إلى المحاكمة ووجهت له الجامعة إنذارًا بالفصل لدى رفضه استعمال ضمائر أخرى غير هو وهي في تعامله مع طلابه، على اعتبار أن الأجناس المغايرة ترى أن مخاطبتها بأي من الضميرين إهانة لها.

البعد الثقافي في عدم التمييز بين ذكورة وأنوثة والإقرار بحقوق الأجناس الأخرى، أصّلت له قبل عقود طويلة دراسات أنثروبولوجية مثل التي أجرتها الأمريكية “مارجريت ميد”، فمن خلال معايشة لإحدى القبائل الغينية وتدعى “الأرابيش” لاحظت العالمة الأمريكية أنه لا يوجد تمييز في القبيلة بين ذكورة وأنوثة، حيث وجدت الرجال، لا النساء، يقضون الساعات في تصفيف شعورهم ويهتمون بارتداء أردية خاصة للمناسبات، ويتقدمون للرقص في السهرات، وتميزت هوياتهم بطابع أنثوي، فكانوا -على سبيل المثال- الأكثر مهارة في الرسم بالألوان.

كما أن من الشائع بين رجال القبيلة أن يُعبروا عن شعورهم بآلام الوضع مؤازرةً لنسائهم، وفي مرحلة الحمل يشير الجميع للزوج بأنه في فترة وضع، وما إن تنجب الأم مولودها حتى يشاركها الأب في أعباء رعاية الطفل، لذا من العاديّ في ثقافة “الأرابيش” عندما يصف أحدهم رجلًا بأنه وسيم، تجد من يعلق، للدور الذي يلعبه الرجل: وسيم! نعم، لكن ليتك رأيته قبل أن ينجب كل هؤلاء الأطفال.

انتقلت “مارجريت ميد” عالمة الأنثربولوجيا بعدها إلى معايشة قبيلة أخرى تدعى “تشامبولي” فوجدت أن المرأة هي الحاكمة للمجتمع “التشامبولي”، حيث تعول الزوج من الصيد ومن جمعها للطعام، بينما يتفرغ الرجل للتدرب على نفخ الناي والرقص، ويقوم بالتسوق من مصروف كسبته المرأة من عملها في نسج وبيع شباك صيد البعوض، أما بالنسبة للنشاط الجنسي فالمرأة هي من تأخذ زمام المبادرة، بينما يترقب الرجل مبادرتها في استحياء.

هذا النموذج القبليّ البدائي يتفق مع أسطورة سادت لدى أجناس عدة عن عصر الصيد، تقول بأن النساء في هذا العصر كُن يحتكرن فن السحر، وكان لهن محفلهن الخاص، يعلمن فيه بناتهن كيف يستحضرن المرض والموت، أما الرجال فلم يكن لهم حول ولا قوة، ودفعهم ذلك إلى مهاجمة نسائهم بعد أن عظمت سطوتهن، ليبيدوهن، ولم يُبقوا غير الصبايا اللاتي لم يتعلمن السحر.

البعض ذهب إلى أن الذكورة/الأنوثة مسألة اجتماعية

في نظرية البناء الاجتماعي للجندر (النوع الاجتماعي، الذي قد يتماهي مع النوع البيولوجي أو يختلف عنه) وهي نظرية في علم الاجتماع والنسوية، ينقسم الرأي إلى قسمين:

  1. من يُروّج لكون الجنس (البيولوجي) معطى هامًّا للبناء الاجتماعي والثقافي لدى الفرد، ووفق ذلك يتحول الاختلاف البيولوجي إلى تراتبية لصالح الرجل تدعمها التنشئة الاجتماعية. وتصبح الرجولة بناءً أيديولوجيًّا قائمًا على التمايز البيولوجي، وتمسي التربية الاجتماعية مُبررِّة للسلطة الذكورية.
  2. يفترض الرأي الآخر أن “الذكورة/الأنوثة” يجري تشكيلها اجتماعيًّا بعيدًا عن المُعطى البيولوجي بدرجة كبيرة، حيث يُبنى جسد المرأة ككينونة ناقصة، قياسًا على جسد الذكر، على اعتبار أن المرأة تفتقد العديد من السمات الذكورية، على رأسها القضيب.
عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو"

في مقابل تلك الرؤية، هناك من ذهب إلى كون الحقيقة العلمية تقول بأن بناء الذكورة أصعب وأكثر تعقيدًا، حيث تبدأ أولى مهام الذكر في مرحلة النطفة مع مقاومة الخصية الجنينية لتحقُّق البنية الأنثوية الأصلية، في محاولة لبناء الذكورة، ثم على الذكر بعدها بناء ذكوريته اجتماعيًّا. فخلافًا للأنثى ينبغي للذكر الانفصال عن الأم، وكبح تماهيه معها، لهذا كله عدَّ البعض الذكورة رد فعل ضد الأنوثة، فأول واجبات الذكر وأهمها هو ألا يصبح امرأة.

وللمرور الآمن من الأنوثة الأصلية إلى الذكورة، يضع عالم الاجتماع “بيير بورديو” ثلاثة اختبارات لا بد للذكر من اجتيازها، ويسميها الأنثروبولوجيون “طقوس المرور”:

الاختبار الأول: الفصل بين الطفل والأم. الثاني: الختان. الثالث: الدفع بالطفل إلى عالم مجهول (مدرسة، عمل، خدمة عسكرية..) وترتبط هذه الطقوس بمعنى يفيد احتقار الأنوثة وكراهيتها.

لكن متى يبدأ “الجندر” في التشكُّل؟ أغلب الآراء استقرت على سن الثالثة، حيث يلعب الأهل دورًا رئيسيًّا في تكوين الهوية الجنسية من خلال طريقة التعامل، واختيار الملابس، ونوع اللعب، أو هذا ما ذهب إليه قطاع كبير من الباحثين في المجالين الاجتماعي والأنثروبولوجي.

لكن هناك حالة طبية معروفة، عظّمت دور العامل البيولوجي على حساب الدور الاجتماعي، هي حالة “دافيد رايمر”، الذي تعرّض في صغره أثناء إجراء عملية ختان له إلى بتر عضوه الذكري، لينصح الأخصائي النفسي المعالج والدي الطفل بعدها أنه ربما يكون من الأفضل لو عاملا “ريمر” كفتاة.

بالفعل تربى الابن كما نصح الأخصائي، فأُلبس الفساتين وأُهدي ألعاب البنات، ودفعه الوالدان لمصادقة الفتيات؛ إلا أن “ريمر” لم يشعر يومًا أنه فتاة، ونتيجة لذلك مر بأزمات نفسية دفعته إلى محاولة الانتحار في سن الثالثة عشرة، إلى أن حُلت مشكلته بإجراء عملية جراحية أعادت له عضوه الذكري، لتدلل تلك الحالة على أن العامل البيولوجي لا يمكن تجاوزه أو التقليل من أثره في تشكيل الهوية الجنسية.

دراسة تكشف أن المثلية الجنسية مزيج من التأثيرات البيئية والوراثية

يمتد التفاوت في الرأي إلى المثلية، حيث رجحت بعض الدراسات وجود جينات محددة مسئولة عن السلوك الجنسي المثلي، لكن دراسة ضخمة في عينتها (ما يزيد على 470 ألف شخص) نشرتها مجلة “science” أثبتت أن المحددات الوراثية لا تتنبأ على نحو جازم باحتمالية ممارسة السلوك المثلي، بعدما فحص باحثو الدراسة المتطوعين المبلغين عن سلوكهم المثلي فلم يعثروا على أي متغيرات جينية يمكن أن تحرض على المثلية، وإن أثبت الباحثون في نتائج الدراسة 5 أنماط جينية فقط داخل الحمض النووي، تتصل بالسلوك المثلي، لكنها مع ذلك لا تمنحنا تنبؤًا موثوقًا.

وبيَّن أصحاب الدراسة العلمية أن السلوكيات الجنسية المثلية تتجاوب مع مزيج معقد من التأثيرات البيئية والوراثية، لكن لا يوجد “جين” مثلي يمكنه الجزم بما إذا كان الفرد لديه استعداد وراثي للمثلية أم لا. في المقابل، هناك آلاف التأثيرات الوراثية المرتبطة بالمثلية، لكن لكل منها تأثير محدود للغاية.

رغم ذلك كان للأنثروبولوجية الأمريكية المعروفة في مجال السياسات الجنسانية “غايل روبين” رأي مغاير ومتطرف وطريف في الوقت ذاته، إذ قدّمت فرضية تقول إن الهوية الجنسية للفرد، ذكرًا كان أم أنثى، لا تُعبّر عن الفروق الطبيعية بين الجنسين بقدر ما تُفصح عن قمع أوجه الشبه الطبيعية بينهما، فما جرى هو كبت السمات الأنثوية في الرجل، وكبت السمات الذكورية في الأنثى.

وذهبت “روبين” إلى أبعد من ذلك، فقالت إن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست من الفطرة، مستندة في فرضيتها لعالم الاجتماع والأنثروبولوجي الشهير “ليفي شتراوس” القائل بأن ممارسة الجنس بين جنسين متغايرين عملية استحدثتها المجتمعات، ليقرر أن قمع الجانب المثلي في الإنسان، وكذلك قمع ذوي الجنسية المثلية، ناتج عن ذات النسق الاجتماعي الذي يقهر النساء.

وربما استوحى “شتراوس” أطروحته من أسطورة جاءت في محاورة “المأدبة” لأفلاطون، حيث ذكر الفيلسوف اليوناني أن في الزمان الأول كان يوجد ثلاثة أجناس: ذكر، أنثى، خنثى أو الجنس الثالث، لكن هذا الجنس تمايز بصورة كبيرة عن الجنسين الأولين، وإن اندثر ولم يبقَ منه غير الاسم.

كان الجنس الثالث وحدة كاملة، تجمع خصائص الذكر والأنثى، في تكوين جسدي له وجهان متشابهان في رقبة مستديرة، وللوجهان رأس واحدة تدور في جميع الجهات، وله ثمانية أطراف إذا استعملها جميعًا تدحرج على الأرض مثل كرة أو بهلوان يقلد سير العربة، وإن شاء هذ المخلوق مشى منتصبًا للأمام أو للخلف.

وبلغت قوة الجنس الثالث وجبروته أن حاولت جموعه بلوغ السماء ومهاجمة الآلهة، فألحق “زيوس” بهم عقابًا رآه مناسبًا، حيث شطر كل واحد منهم شطرين، عندها اندفع كل شطر يبحث عن شطره الآخر، ولدى عثوره عليه يتعانق الشطران بقوة رغبة في العودة إلى ما كانا عليه، ويظلان على تعانقهما حتى يهلكا من الجوع، وإذا مات شطر قبل الآخر بحث عن شطر ثالث، سواء أكان ذكرًا أم أنثى ليلتصق به حتى الموت.

كاد الإنسان الأول بذلك أن يفنى، فاهتدى “زيوس” إلى فكرة تحفظ البشرية بأن جعل الاتصال بين الشطرين يكون عبر الأعضاء التناسلية، بعدما كان التناسل قبلها يتم من خلال القذف على الأرض، والمعنى الذي أراد أفلاطون إيصاله أن محبة الآخر عنت -في الوقت ذاته- حب الشخص لنفسه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

Mohamed.altanawy1@gmail.com

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search