وجهات نظر

الوجه الأفريقي لـ«طالبان»

في أول ظهور منظم لجماعة «بوكو حرام» عام 2002، أطلقت على نفسها اسم «طالبان النيجيرية»، ورددت شعارها، للإشارة عن قصد إلى وجود تواصل أخلاقي عميق الجذور، وإلى أنها امتداد للأفكار الدينية الراديكالية التي تتبناها الحركة الأفغانية.

وعلى الرغم من وجود مشكلات كبرى عانى منها المجتمع النيجيري، مثل تفشي الفقر واللصوصية والبطالة والمخاطر البيئية، فقد ذُهل سكان المنطقة الشمالية الشرقية؛ بل ونيجيريا بأكملها في ذلك الوقت، من ظهور شكل جديد من التمرد المدني من قبل مجموعة من الشباب النيجيري على غرار «طالبان».

وسوف تحاول هذه المادة إبراز الوجه الأفريقي لحركة «طالبان» من خلال بيان تأثير النموذج الأفغاني على الجماعات الجهادية العنيفة في أفريقيا.

البدايات: طالبان وحلم الإمارة في نيجيريا

حاول هؤلاء الشباب -الذين عُرفوا لاحقًا باسم «بوكو حرام»- استلهام النموذج «الطالباني» وإقامة دولة إسلامية مستقلة بالقرب من الحدود النيجيرية مع جمهورية النيجر، وهو ما يعني دخول نيجيريا حقبة جديدة من التمرد الديني والاجتماعي. فالمجتمع -بالنسبة لـ«طالبان نيجيريا»- غارق في الفساد الأخلاقي والسياسي، لدرجة تجعل خيار الهجرة بالنسبة للمسلم الورع هو الخيار الأفضل للنجاة من الذنوب والمعاصي، والانتقال إلى رحابة مجتمع الفضيلة؛ حيث العدالة الإسلامية، ووسائل العيش المشروعة. ومن هنا جاء من بين تسميات الحركة، في بداياتها الأولى، اسم «جماعة الهجرة».

لم يهتم كثير من الناس، للوهلة الأولى، بأعضاء هذه المجموعة، عندما «هاجروا» من مايدوجوري إلى منطقة الأدغال حول كاناما بولاية يوبي، للعيش في سلام، والانخراط في الدراسات والزراعة، وتحرير أنفسهم من «عبء» التفاعل مع المجتمع «الخاطئ»، بحسب فهمهم.

وفي عالمهم الجديد في غابات كاناما، أقام أعضاء «جماعة الهجرة» مع زوجاتهم وأطفالهم -وفقًا للمصادر- قاعدة لولاية إسلامية؛ حيث شاركوا في الدراسات الدينية فيما بينهم، دون أن يزعجهم الناس الذين يمرون بهم بين حين وآخر. ومع ذلك حاول هؤلاء التوسع لإخراج مزيد من المناطق حول كاناما من قبضة سلطة الدولة، وإخضاعها لسيطرة دولة إسلامية جديدة، تحت زعامة الملا عمر، الزعيم السابق لحركة «طالبان» في أفغانستان.

«طالبان» مصدر إلهام

مثلما كانت إمارة «طالبان» الأولى مصدر إلهام للحركات الإسلامية الراديكالية العنيفة في أفريقيا، كما كان الحال بالنسبة لـ«بوكو حرام»، فإن سقوط أفغانستان في أيدي «طالبان» مرة أخرى بعد الانسحاب الأميركي، سوف يغير يقينًا من خريطة الحركات الإرهابية العنيفة في أفريقيا. لقد أشاد أحد كبار القادة الجهاديين المتطرفين في غرب أفريقيا بانتصار «طالبان»، وما وصفه باستراتيجيتهم الناجحة. تحدث إياد أغ غالي، زعيم تنظيم «نُصرة الإسلام والمسلمين»، التابع لـ«القاعدة»، في الساحل الأفريقي، عن «عقدين من الصبر» تحملتها «طالبان».

وأوضح البيان العلني النادر كيف أسهم انتصار «طالبان» في أفغانستان في رفع الروح المعنوية، وأنه قدم حافزًا جديدًا للجماعات المتشددة التي تقود حركات التمرد المتزايدة بسرعة عبر إقليم الساحل وغرب أفريقيا. لم يقتصر الأمر على منطقة الساحل فقط؛ حيث احتفل المقاتلون في جميع أنحاء القارة -وكثير منهم أعلنوا الولاء لـ«القاعدة» و«داعش»- علنًا باستيلاء «طالبان» على السلطة، كنتيجة للمثابرة ضد الولايات المتحدة والقوات الغربية الأخرى المتحالفة معها.

وربما تكتمل معالم الصورة من حيث تكرار المشهد الأفغاني مرة أخرى في السياق الأفريقي، بعد أن أعلنت فرنسا عن خطط لبدء تقليص وجودها العسكري في غرب أفريقيا بمقدار النصف تقريبًا خلال العام المقبل. لا شك أن أوجه التشابه مخيفة بين الحالتين.

هل تتعلم فرنسا الدرس؟

لقد أدى استيلاء «طالبان» السريع على السلطة بعد رحيل الولايات المتحدة من أفغانستان، إلى زيادة الضغط على فرنسا التي تحتفظ بنحو 5100 جندي في الساحل وغرب أفريقيا، بما يجعل وجودها العسكري هو الأكبر على الإطلاق؛ مقارنة بالدول الأجنبية الأخرى. وبالفعل أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يوليو (تموز) الماضي، إنهاء «عملية برخان» العسكرية في الساحل التي أطلقتها باريس في عام 2014، وإغلاق 3 قواعد عسكرية في شمال مالي قلب الأزمة، بحلول مطلع العام المقبل.

وعلى الرغم من المقاربة الأمنية والعسكرية التي تبنتها فرنسا وحلفاؤها في محاربة الإرهاب، فقد تمدد المتطرفون وانتشروا، واكتسبوا مزيدًا من القوة منذ بداية التدخل الفرنسي والدولي، مما أشعل فتيل حركات تمرد جديدة في بوركينا فاسو والنيجر المجاورة، بينما انزلقت مالي في فوضى سياسية. خلال العام الماضي، تعرضت مالي لانقلابين خلال 9 أشهر فقط. كما لقي ما لا يقل عن 1852 شخصًا مصرعهم في مالي، في أعمال العنف منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، وفقًا لمشروع بيانات الأحداث وموقع النزاع المسلح. ويبدو أن الصراع لا يُظهر أي بوادر للتراجع.

في السياق نفسه، تعاني الجيوش الوطنية من نقص الموارد والقوى البشرية، بما يجعلها غير قادرة على مواجهة التهديد الإرهابي في المنطقة وحدها. ومما يعقِّد الأزمة أن تشاد قررت مؤخرًا سحب 600 عسكري من قواتها المشاركة في قوات مجموعة «دول الساحل الخمس» لمكافحة التنظيمات الإرهابية. وفي المقابل يوجد في الساحل نحو 4 آلاف متطرف يقومون بأعمال إرهابية بشكل منتظم، ويستولون على العتاد والسلاح من القوات الحكومية. ومن المرجح إذا انسحبت فرنسا بطريقة شاملة كما فعلت الولايات المتحدة، فإن ميزان القوى يمكن أن يتحول لصالح الجهاديين.

الغرب لا يحمل عصًا سحرية

ظلت الولايات المتحدة في أفغانستان على مدى عقدين كاملين، وأنفقت تريليوني دولار، بَيْد أنها في نهاية المطاف تركت البلاد في أيدي الحركة الإرهابية نفسها، المسكونة بأفكار ماضوية عقيمة، بعد أن كانت أميركا قد جاءت ومعها حلم الخلاص البديل لملايين الأفغان البسطاء.

وعليه، فإن الأساس المنطقي لاستمرار وجود قوات أميركية في أفريقيا، سوف يكون مثيرًا للجدل في أحسن الأحوال. ابتداءً من حقبة الحرب الباردة إلى ظهور الحرب العالمية على الإرهاب، تم تجميل كل تدخل أميركي، سواء كان أحاديًّا أو متعدد الأطراف، وفقًا لشعارات حماية قيم الديمقراطية الليبرالية. تبقى الحقيقة الواضحة الماثلة للعيان أن تدخلات الولايات المتحدة والقوى الاستعمارية السابقة في صراعات لا حصر لها في أفريقيا، أدت إلى نتيجة واحدة، مفادها: انهيار الدولة.

ولعل الأمثلة العديدة في أفريقيا تقدم أدلة دامغة، من شأنها أن تخفف من المفاجأة التي أعرب عنها كثيرون بشأن أفغانستان. معظم التدخلات والمقاربات العسكرية الخارجية، ساعدت فقط في تفاقم النزاعات الأفريقية؛ بدلًا من توفير أساس لحل سلمي. كما أن الحكومات القمعية في أفريقيا يلقى بعضها بدهاء -مثل «طالبان»- دعمًا عسكريًا كبيرًا من الخارج. إن صعود أمراء الحرب والديكتاتوريين الجدد والحركات المنشقة الذين يقاتلون من أجل السيطرة على الموارد، على حساب مصالح الأفارقة البسطاء، كان مدفوعًا إلى حد كبير بالأسلحة والذخيرة المستوردة.

درس لأفريقيا

كتب جورج دبليو بوش بعد هزيمة «طالبان» الأولى قائلًا: «لقد حررنا البلاد من ديكتاتورية بدائية، وكان علينا التزام أخلاقي بترك ما هو أفضل. كما كانت لدينا مصلحة استراتيجية في مساعدة الشعب الأفغاني على بناء مجتمع حر… لأن أفغانستان ديمقراطية ستكون بديلًا مأمولًا لرؤية المتطرفين»؛ بيد أن هذا البديل المأمول انتهى به المطاف للعودة إلى المربع الأول.

هناك شيء واحد واضح في المقاربتين الأفغانية والأفريقية: تمامًا كما هو الحال في أفغانستان، فشلت الولايات المتحدة في الاستثمار في البنية التحتية الأساسية، أو خدمات الحد من الفقر، أو البرامج التي يمكن أن تساعد الدول الأفريقية في الخروج من حالة الحرمان الاقتصادي. لقد نجحت المصالح الخارجية فقط في تغيير ديناميكيات الصراعات الداخلية، مما أدى إلى تصعيد الصراعات المحلية ذات الآثار المدمرة لعديد من الأفارقة. علينا في أفريقيا أن ننظر إلى الأحداث المأساوية في أفغانستان، وألا نرتكب الخطأ نفسه في الاعتقاد بأن أكبر قوة عسكرية في العالم يمكنها حل مشكلاتها باستخدام وسائل الصراع والمقاربات الأمنية العنيفة.

خاتمة

في مقال كتبه في صحيفة «فايننشيال تايمز» اللندنية، وصف الرئيس محمد بخاري أفريقيا بأنها جبهة جديدة للتطرف العالمي، وهو ما يعني أن أفريقيا بحاجة إلى أكثر من المساعدات العسكرية الأميركية. وافترض أن بناء البنية التحتية، وربط المناطق النائية، وتوفير الوظائف، سيعزز من خطوط دفاعات القارة. يقول بخاري: «في نهاية المطاف، لا يحتاج الأفارقة إلى السيوف؛ بل إلى المحاريث لدحر الإرهاب. نعم، نحن نطلب الدعم التكنولوجي والاستخباراتي الذي لا تمتلكه جيوشنا. ومع ذلك، فإن الأحذية التي نحتاجها على الأرض هي تلك التي يلبسها الصناع وليس العسكريون».

وعلى أي حال، إذا علَّمتنا أفغانستان درسًا، فهو أنه على الرغم من أن مقاربة القوة المطلقة يمكن أن تخفف من حدة الإرهاب، فإن التراجع عن استخدام هذه القوة يمكن أن يتسبب في عودة الإرهاب لحالته الأولى، وربما أشد وطأة. يجب ألا نفترض أن الوسائل العسكرية وحدها يمكنها هزيمة الإرهابيين.

اقرأ أيضا: الشوبكي لـ”ذات مصر” : طالبان ستلجأ للمواءمات السياسية دون التخلي عن أفكارها المتشددة

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى