اليمن الحائر

صراع داعش والقاعدة.. لا أحد يفرض السيطرة

يمكن أن يعبر “التشظي” عن الوضعية العامة للحركات الجهادية السنية في اليمن، فقد شهد كل من تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية “داعش” تحولاً عميقًا أدى إلى تضاؤل دور الحركتين في موازين الصراعات الدائرة في اليمن، بين الحكومة اليمينة الموجودة في المنفى السعودي، والحوثيين المسيطرين على غالبية شمال اليمن، وبين الحكومة اليمنية والمجلس الانفصالي الجنوبي المدعوم من الإمارات.. ارتبط هذا التراجع في دور الجماعات الجهادية اليمنية بعوامل عديدة يأتي على رأسها انحسار دور التنظيم في المشرق العربي عمومًا بعد هزيمة التنظيم وتصفية وجوده السياسـي في العراق ثم سوريا (2017-2018)، وهو ما اقترن أيضًا بضعف الشبكة التنظيمية للقاعدة. 

فضلاً عن هذه العوامل “الدولية” التـي أدت إلى فصم التنظيمين عن الشبكات الأم، انخرط القاعدة وداعش في اليمن في حالة تنافس، بعد مهادنة طويلة استمرت 4 سنوات منذ إعلان جهاديين باليمن ولاءهم لتنظيم الدولة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، حتى اندلع القتال بين الطرفين في يونيو/ حزيران 2018، واستعرت الحملات الإعلامية بينهما وصولاً إلى العام الحالي. 

كان هذا في الوقت الذي تلقى فيها التنظيمان ضربات موجعة من عدة أطراف، الحوثيين، القوات التابعة للمجلس الانفصالي الجنوبي، القوات الخاصة الإماراتية وقوات الحكومة التـي صفت وجود القاعدة في حضرموت- المكلا في 2016، فضلاً عن الضربات الأمريكية التـي صفت قيادات التنظيمين دوريًّا، بالإضافة إلى ضعف القيادة والبنية التنظيمية، وانحسار الدعم القبلي.. 

نحاول هنا تحليل الوضع الميداني للتنظيمين، واستقراء دلالات وضعية التشظي على دورهما المستقبلي في الصراع اليمني. 

القاعدة في اليمن
القاعدة: من خسارة السيطرة على الأراضـي إلى فقدان القيادات

أُعلِن تأسيس تنظيم القاعدة في اليمن، تحت اسم القاعدة في جزيرة العرب، في 2009 من نواة السلفية الجهادية التي رعاها نظام صالح، والعناصر السعودية التـي وجدت في اليمن ملجأ لها بعد الضربات المتكررة من الحكومة السعودية، وكان على رأس هذه العناصر إبراهيم العسيري، المتهم باغتيال الأمير محمد بن نايف في العام السابق. التف التنظيم حول ناصر الوحيشـي، السكرتير السابق لأسامة بن لادن، وصاحب السجل الطويل في العمل الجهادي.. استغل التنظيم حالة الفوضـى التـي عانى منها اليمن واستطاع، تحت اسم أنصار الشريعة، السيطرة لفترة وجيزة على منطقة أبين في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012.

في ظل الحرب السعودية على اليمن، والانهيار الفعلي للوحدة اليمنية، وصلت عمليات التنظيم إلى ذروتها في 2015-2016 بالسيطرة على مدينة المكلا التجارية في محافظة حضرموت. خلال تلك الفترة، اتخذ التنظيم اسم “أبناء حضر موت” في محاولة منه للتقارب مع الزعامات القبلية في المنطقة، الذين أظهروا تفاهمًا مع التنظيم المسلح. من ناحية أخرى، حاول التنظيم بناء نمط للحكم، كنموذج مغاير لداعش الذي بدا منافسًا على تمثيل السلفية الجهادية في اليمن منذ 2014، كما استفاد إلى أبعد الحدود من تجارة التهريب من خلال ميناء المكلا وساحل حضر موت الأقل تعرضًا لآثار الحصار المفروض على غرب اليمن. 

أسهمت هذه الفترة في زيادة أعداد المجندين من أبناء القبائل، كما حاولت آلته الإعلامية الممثلة في مجلات (الملاحم ومداد والمجاهد والبدر) إظهار التنظيم على اعتباره أقل وحشية ودموية من تنظيم داعش، واعتذر عن عمليات قتل علنـي سابقة لأبرياء وجنود من الجيش اليمني، إلا أن التنظيم تعرض لضربة قاصمة مع نجاح أحد الهجمات الأمريكية في اغتيال ناصر الوحيشـي في يونيو/ حزيران 2015، وتسلم القياد لقاسم الريمي، ثم كان إخراج التنظيم من المكلا من خلال عملية قامت بها القوات اليمنية بقيادة على محسن الأحمر، نائب الرئيس هادي الحالي وحليف الجهاديين من أنصار الشريعة سابقًا في ظل نظام صالح، وقوات النخبة الحضرمية من أبناء القبائل المناوئة للقاعدة، وبإشراف مباشر من القوات الإماراتية الخاصة. 

استمر التنظيم، الذي عاد لاسمه القديم، أنصار الشريعة، في عملياته الهجومية على القوات اليمنية وقوات المعارضة الانفصالية الجنوبية والحوثيين، وإن تراجعت وتيرة العمليات ونطاقها، وارتكزت في إيب والضالع والبيضاء، نقطة التماس مع داعش، وعدن وحضر موت. 

مقاتلو تنظيم القاعدة

تشير التقارير أن المعارضة الجنوبية كان لها نصيب كبير من هجمات التنظيم، على نحو جعل بعض المراقبين عن عودة الدفء في العلاقات مرة أخرى بين الأحمر وقيادة التنظيم، والعدد الأقل من العمليات كان موجهًا ضد الحوثيين. 

وعمومًا، صار التنظيم يعاني أزمات عميقة، على رأسها تراجع التأييد أو التساهل القبلي معه، نتيجة الحملة التـي قادها التنظيم ضد القيادات القبلية في حضرموت واتهامها بالعمالة للإمارت، وضعف قيادة التنظيم المتمثلة في الريمي الذي لم يكن إلا ظلاً للوحيشـي، مع وجود قيادات منافسة له تمثلت في خالد سعيد باطرفي أو أبو البراء، وتراجع قدرة الجهاز الدعائي للتنظيم على الحشد، فضلاً عن المنافسة الداعشية التـي ركزت على إحداث انشقاقات داخل القاعدة، واعتراف قيادة القاعدة بوجود عملاء اخترقوا التنظيم لمصالح مناوئة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والإمارات وداعش.. كل هذه العوامل أدت إلى تشظي التنظيم وتزايد حالة الانقسام وظهور جماعات قاعدية منافسة، وزاد من تعقد الأمور، نجاح هجمة أمريكية أخرى في اغتيال الريمي في يناير/ كانون الثاني الماضـي.      

سرعان ما تولى باطرفي، وهو سعودي الجنسية، قيادة التنظيم. إلا أن قيادته لم تزد القاعدة إلا انقسامًا، بعد أن شن حملة لتصفية العملاء داخل التنظيم، الذين اتهموا بالوقوف وراء اغتيال الريمي وإفشاء المعلومات عن تحركاته للولايات المتحدة. 

انضم من هؤلاء نحو 500 عنصر إلى داعش، في حين التفت مجموعة أخرى وراء أبي عمر النهدي وشكلت مجموعة جديدة هدفها إسقاط قيادة باطرفي. إلا أن هذا الضغط على القاعدة لم يكن من جانب الجماعات المنشقة أيضًا من جانب داعش ولاية اليمن، التـي تستهدف آلتها الإعلامية التشكيك في أهلية القاعدة لقيادة السلفية الجهادية في اليمن.    

داعش ولاية اليمن: التوسع على حساب القاعدة

أعلن جهاديون يمنيون منشقون عن القاعدة ولاءهم لخلافة أبي بكر البغدادي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014. كان هذا بداية تنظيم الدولة الإسلامية ولاية اليمن، على أن التنظيم صغير العدد (نحو 250 مقاتلاً في 2018) لم يتمكن من الاستيلاء على أي مساحة من الأراضـي اليمنية أو حكمها على غرار التنظيم الأم في سوريا والعراق، أو كحال القاعدة في اليمن. 

وأدت وحشية التنظيم، بسبب إفراطه في عمليات الإعدام بقطع الرؤوس واستهداف المدنيين على أساس “التترس” بل واستهداف المساجد، إلى عدم تمكنه من عقد أية تحالفات قبلية، أو أن يتغلغل في المجتمع اليمنـي. أدى هذا إلى ارتكاز عمل التنظيم في قيفة بمحافظة البيضاء في الفترة من 2014 حتـى 2017، وهي منطقة تماس مع الحوثيين والقاعدة، حيث بنى معسكرين للتدريب “أبو محمد العدناني” و”أبو محمد الفرقان” لتفريخ الانتحاريين والانغماسيين. 

شعار تنظيم داعش

ظل التنظيم محدودًا في نطاق وحجم عملياته، وقدراته الاقتصادية، مقارنة بالقاعدة، إلا أنه بدأ في التحول النوعي في العامين الأخيرين.. بدأ هذا التحول مع دخول التنظيمين في حالة تنافس على المجندين وعلى مصادر التمويل والسلاح، وفي ما عدا الملاسنات الإعلامية بين التنظيمين، كانت هناك حالة من التعايش. إلا أن هذا الوضع تغير مع دخولهما في صراع مباشر في يونيو/ حزيران 2018 نتيجة الاحتكاك بين مقاتلي التنظيمين على أحد نقاط التفتيش في البيضاء.

 لكن تشير مصادر محلية إلى أن سبب الصراع هو حصول الجانب القبلي الموالي للقاعدة على تمويل أكثر، ما هدد بالقضاء النهائي على داعش الذي يحاول إثبات قوته.. 

كانت حاويات تنقل السلاح بقدر كبير إلى القاعدة في مأرب، ما أدى إلى شعور داعش باختلال التوازن مع القاعدة.. هجم داعش على القاعدة من خلال عمليات انتحارية، وتبادل الطرفان عمليات القتل الجماعي. 

بحساب الأرقام، في 2018/ 2019، كان ثلثا عمليات داعش اليمن موجهًا ضد القاعدة،  في حين أن أقل من الربع كان موجهًا ضد الإمارات، و15% ضد الحوثيين.  

ومن الواضح أن داعش صار أكثر قدرة على التخطيط لإحداث انشقاقات داخل القاعدة، واستغلال حالة التغير في قيادات داعش مع مقتل الريمي في يناير/ كانون الثاني الماضـي، وكذلك استغلال انسحاب القاعدة من بعض مناطق البيضاء نحو ملاجئ آمنة في مأرب ومناطق الجنوب، حيث تستعر الحرب بين مؤيدي الحكومة والانفصاليين. 

وعمومًا أدت هذه الإستراتيجية إلى مضاعفة حجم داعش، وتزايد قوته في البيضاء، حيث صار يقيم محاكمه الشرعية علنًا، ومد عملياته جنوبًا نحو عدن.  

من ناحية أخرى، نجح تنظيم داعش في كسر عزلته السابقة بمد خطوط للتواصل مع الحوثيين في الشمال، ورغم تأكيد التنظيم أن “الرافضة” و”عملاء إيران” هم هدفه الأساسـي، فإن تقريرًا صادرًا عن الأمم المتحدة مطلع يناير/ كانون الثاني الماضـي يشير إلى تردد الحركة في استهداف الحوثيين الذين قاموا بدورهم. 

ويبدو أن استمرار التراشق الإعلامي، دون الانجرار إلى قتال فعلي، بين الحوثيين والدواعش، يتسق مع سردية داعش الإعلامية بشأن الصراع الطائفي، ويخدم ادعاءات الحوثيين بأنهم يقاتلون جماعات جهادية إرهابية، وبالتالي يبرر محاولتهم السيطرة على البيضاء.  

داعش
نهاية السلفية الجهادية في اليمن؟

لا يبدو في الأمد القريب أن داعش سيحل محل القاعدة، فالتنظيم ما زال محدودًا، وشهد العام الحالي تراجعًا واضحًا في معدل عملياته، فضلاً عن أن كثافة الهجمات الأمريكية على كلا التنظيمين قد قلل من إمكانية تعافيهما القريب، لكن من الواضح أن المرحلة الحالية تشهد تحول التنظيمين اللذين يعبران عن امتدادات عابرة للحدود إلى مجرد تنظميات محلية خاضعة لآليات التصارع والتحالف الداخلية.. يعنـي هذا أن أيديولوجيا السلفية الجهادية التي ينتميان إليها لن تقدر على دفعهما نحو التقارب أو العمل معًا حتـى مع تشابه خصومهما، لكنهما سيتجهان نحو مزيد من الاستيعاب في الصراع المحلي متعدد الأوجه، ما سيفرز مزيدًا من الانقسامات والتشظي والتيه. 

تقول مؤشرات إن قوى التحالف العربي، وخاصة الإمارات، قد نجحت في اختراق كلا التنظمين، ودفعهما نحو التصارع على مصادر التمويل والسلاح. 

وفي الوقت الذي تتجه فيه نواة القاعدة نحو التقارب مع الحكومة اليمنية، خاصة علي محسن الأحمر، المدعوم سعوديًّا، ما زال داعش يبحث عن راعٍ إقليمي، وقد يضطر إلى الدخول في هدنة علنية مع الحوثيين. هذا في الوقت الذي يجمع فيه المجلس الانفصالي الجنوبي مزيدًا من موارد القوة في مواجهة الحكومة والجهاديين، ويدفع اقتصاد الحرب الجميع نحو المزيد من تأبيد الصراع. 

لا يعنـي هذا أن السلفية الجهادية في مرحلة الفناء في اليمن، بل على النقيض من هذا، فالبلد بطبيعته الجغرافية، ومع استمرار الصراع، سيظل جاذبًا لمزيد من العناصر المتطرفة، لكن تأثير الأفكار الجهادية وتأثير الشبكات الدولية سيكون أقل في المرحلة المقبلة، وما سيبقى هو التهالك على تحقيق مكاسب تكتيكية لا متناهية الصغر لن ترقى إلى تشكيل أي تهديد حقيقي على أًصحاب المصالح والقوة الحقيقية في اليمن، وهم خارج حدودها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد العربي

باحث في الشؤون الدولية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram