"لنخنق المهاجرين بالغاز"

صحوة "نازية" في أوساط اليمين الأوروبي

“ما زال في وسعنا أن نرميهم بالرصاص، أو نخنقهم بالغاز إن أردت ذلك”.. مع أول قراءة لهذه الكلمات يخيّل إليك أنها عائدة إلى ثلاثينات أو أربعينات القرن الماضي، وأن قائلها ربما يكون أحد الضبّاط الكبار في جهاز الـ SS السري أو قيادي في الحزب النازي.

لم تبتعد قليلاً في التخمين، لكن الحقيقة الصادمة مرتبطة بزمن القول. كريستيان لويث، الناطق الرسمي للمجموعة البرلمانية لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، هو الذي أدلى بهه العبارة الخطيرة، وضحاياها المفترضون هم المهاجرون.

على اليسار- الناطق السابق لحزب البديل كريستيان لويث
عصران للخنق بالغاز

الحادثة كاملة تعود إلى فبراير/شباط الماضي، حين التُقِطت مقاطع مصورة، بكاميرا خفيّة، حديث الناطق الرسمي كريستيان لويث وهو يفسر إيجابية وجود المهاجرين بالنسبة إلى حزبه الذي يبني برنامجه على معاداتهم، وبالتالي فإن تكاثرهم –المهاجرين- يرفع من شعبية الحزب اليميني المتطرّف، ويدعم وصوله إلى السلطة الذي سيكون سابقًا على التخلص منهم رميًا بالرصاص أو خنقًا بالغاز، كما وردَ على لسان “لويث”.

وضع المهاجرين الذين -وليست هي المرة الأولى في ألمانيا- يُستهدفون علنًا بخطاب عنصريّ يَحرمهم من مقومات الحياة، يعيد للأذهان قصة الشاب المصري المقيم في ألمانيا،  ياسين جبر، الذي حرم من منصب شغل بشركة هندسة برلينية، وبأبشع الطرق، عبر رسالة من ثلاث كلمات: “لا نريد عربًا!”

تعضد ذلك، وبلغة الأرقام، تقارير الوكالة الفيدرالية الألمانية لمناهضة العنصرية، التي تشير إلى أن معدل حالات التمييز العنصري في سوق العمل الألمانية يفوق كل المعدلات الأوروبية، حيث يعاني 9% من ذوي البشرة السمراء من هذا النوع من التمييز في أوروبا مقابل 13% في ألمانيا وحدها. إضافة إلى  أن أصحاب الأسماء الأجنبية أقل حظًا بـ 25% في الحصول على عمل، من أولئك الذين يتوفرون على أسماء ألمانية، في حين أن 46% من العاطلين عن العمل في ألمانيا هم من الأقليات و23% منهم من المهاجرين.

مهاجرون في عرض المتوسط
عنصرية رائجة في أوروبا

المختلف في حالة الناطق الرسمي باسم “البديل من أجل ألمانيا”، كما هي الحالة عند الطيف اليميني المتطرف في أوروبا كلّها، هو منهجة هذه العنصرية في عمل سياسي، وتنصيبها برنامجًا لثالث قوة برلمانية بالبلاد، وأقوى فريق معارضة للحزب الحاكم.

صحيح أن “البديل من أجل ألمانيا” اتخذَ موقف الطرد العقابي في حق المسؤول الذي أراد أن “يخنق المهاجرين بالغاز”، نافيًا بشدة اختراق النازيين الجدد لصفوفه. لكن أليس هذا نفس الموقف الذي عمدت إلى اتخاذه أحزاب اليمين الشعبوي إزاء عمل “بريفيك” الإرهابي سنة 2011؟ الموقف كان مفاده: “ندين العمل الإجرامي لكن لا يجب علينا أن نتجاهل الحقيقة التي أشار إليها (الإرهابي بريفيك) بأن السياسة الشائعة تفشل في الإشارة إلى تآكل أوروبا بسبب الأسلمة وتعدد الثقافات” (سنة الأحلام الخطيرة، سلافوي جيجك).

برنامج انتخابي يعادي اللجوء

حزب البديل قدم حملته الترويجية للانتخابات الأوروبية سنة 2019، بالتركيز على “خطرَ الهجرة واللجوء”، وهي خطة تقوم على نقاط ثلاث؛ أولاً، أن تكون تصريحات اللجوء مؤقتة ومقرونة بعودة اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية حينما تتحسن الأوضاع فيها. ثانيًا، وقف إنزال المهاجرين غير النظاميين الذين تنتشلهم الوكالة الأوروبية لحماية الحدود (Frontex) بالسواحل الأوروبية. ثالثًا، التنصل من اتفاقية دبلن للهجرة واللجوء، ومعارضة مبدأ الكوتا لتوزيع اللاجئين على الدول الأوروبية وتشجيع تهجير اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية، أو مراكز إيواء خارج أوروبا في مناطق آمنة.

مهاجرون في ألمانيا
ميثاق أوروبي للهجرة!

في خضم الأسبوع الماضي، الأربعاء الموافق 23 سبتمبر/أيلول، كشفت المفوضية الأوروبية عن ميثاقها الجديد لتنظيم الهجرة واللجوء على أراضيها. ميثاق يأتي، بحسب الجهة المعنية، لـ”تكريس التضامن الإلزامي والمشترك داخل سياسات الهجرة واللجوء الأوروبية”. 

“ملف الهجرة معقّد، والنظام القديم لإدارته في أوروبا لم يعد مجديًا” هكذا وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لين، المسألة قبل أن تسترسل في إعلان دعوتها لـ “حزمة قوانين جديدة تطرحها المفوضية الأوروبية لتمكن الاتحاد من بداية جديدة في التعاطي مع الملف”. تمّ ذلك عبر تصريح صحفي نشرته، مشيرة إلى أن هذه القوانين الجديدة “تعكس توازنًا عادلاً ومعقولاً بين روح المسؤولية وواجب التضامن”. هذا إضافة إلى مراعاة الوضع الجغرافي والخيارات السياسية لكل دولة عضو.

أعلام المفوضية الأوروبية
تشديد الحدود

من هذه النقطة يبرز الجديد الذي يطرحه الميثاق، من جهة التضييق أكثر على المعابر الحدودية بالتركيز على توثيق اللاجئين، وأخذ بصماتهم وإخضاعهم لكشوفات طبية. كما تسريع عمليات قبول طلبات اللجوء، وموازنتها وفقًا لمبدأ الاستحقاق، ذلك بنص “آلية سريعة لاستبعاد المهاجرين الذين من غير المرجح أن يحصلوا على حماية دولية، أي القادمون من دول تسجّل معدل استجابة لطلبات اللجوء أقلّ من 20% مثل تونس والمغرب”.

ومن جهة أخرى يدفع الميثاق بآلية الترحيل كحل أمام الدول الأعضاء للتعامل مع المهاجرين، في إطار ما يسميه ” التضامن والإلزامية” مع إلغاء مبدأ الكوتا في استقبال المهاجرين. بمعنى أدق: “نحن لن نفرض كوتا استقبال مهاجرين، من لا يريد قبول المهاجرين على أرضه، يجب عليه تمويل ترحيلهم والتكفل بإيوائهم في مراكز لجوء خارج دول الاتحاد الأوروبي”. هذا ما تقترحه المفوضية الأوروبية.

لجوء لكن في الخارج!

“كارثة مخيم موريا أيقظت إحساسنا، لذلك نحن بحاجة إلى إيجاد حلول مستدامة بشأن الهجرة، وعلينا جميعًا أن نتقدم”، قبلَ أن تنطقَ رئيسة المفوضية الأوروبية بكلماتها هذه تبريرًا لـ”الميثاق الجديد”، كانت حكومة الدنمارك، الاشتراكية الديمقراطية، قد سبقتها في إعلان تعيين أول سفيرة لها للهجرة، مكلفة بإقامة مخيمات للاجئين خارج أوروبا.

مهاجرون أفارقة

بحسب كوبنهاجن، فإن “الهدف من ذلك هو إثناء المهاجرين عن التقدم بطلب للحصول على اللجوء في الدنمارك، وكذا تعزيز الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتحسين ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، وتعزيز سلطات اللجوء والهجرة في دول ثالثة على طول طرق الهجرة”.

 وليست هذه المنهجية بسابقة في التعامل مع الملف، لدينا مثال هو أستراليا التي تستغل جزيرتي ناورو وغينيا الجديدة لنفس الغرض، والنتيجة ظهرت في مراكز أقرب إلى مراكز تعذيب، تغيب فيها أدنى شروط العيش الآدمي، دون الحديث عن حقوق الإنسان المنتهكة.

وهي نفس الظروف التي يعيشها اللاجئون بالمخيمات الأوروبية، وعلى رأسها مخيمات الجزر اليونانية، حيث “التجويع، التعذيب، العنف، الإهانات، خطاب معاداة الغريب” بحسب ما كشف عنه تقرير منظمة أطباء بلا حدود.

تزيد هذه الوضعية سوءًا مع تفشي وباء كورونا المستجد، والكوارث كالحريق الذي أتى على مخيّم موريا الذي كان يضم أكثر من 15 ألف مهاجر ولاجئ (مع العلم أن طاقته الاستيعابية لا تتعدى 3 آلاف). جواب الاتحاد الأوروبي إزاء كل هذا هو أنه: “لن يكون مخيم موريا ثانيًا!”، في حين أن المنظمّات الإنسانية على الأرض تردد: “كفى استغلالاً لحياة اللاجئين كورقة ضغط سياسية!”

واقع كارثي سببه، كما يقول تحقيق منصة إنسان: “إجبار المهاجر على الانصياع إلى قرار الترحيل”، هذا “بعد أن يوضع في ظروف إنسانية صعبة ويحرم من كل حقوقه ومن أي شكل من أشكال الدعم، ويحاصر بضغوط نفسية وصحية صعبة”، وتغريره “بمساعدة مادية ومساعدته على إعادة الإدماج في المجتمع، ليعود محمّلاً بخيبات تضاف إليها خديعة العودة الطوعية”.

إخلاء مخيم لاجئين في فرنسا
فون دير لين ترضخ

بالعودة إلى النقاط الثلاث التي حددها حزب “البديل من أجل ألمانيا”، وبمقارنتها مع ميثاق المفوضية الأوروبية الجديد، نجد اتساقًا تامًّا بينهما في أكثر من نقطة. ويظهر هذا الاتساق في إلغاء مبدأ الكوتا في استقبال المهاجرين، أو إنشاء مخيمات لجوء خارج حدود الاتحاد، والتي سبق للحزب الألماني إدراجها في بيانه السياسي.

“المفوضية الأوروبية ترضخ للقوى المعادية للمهاجرين”! هكذا وصفت  منظمة أوكسفام الميثاق الجديد الذي طرحته المفوضية الأوروبية.

وقالت “أوكسفام” على لسان رئيسة فرعها الفرنسي، سيسيل ديفلو: “شهدنا على الوضعية الكارثية التي تكرّسها سياسة مراكز تجميع اللاجئين على الجزر اليونانية. اقتراح إعادة إنتاج نفس المأساة أمر حقير وغير مقبول”. مضيفة أنه “من المقلق أن يضع الاتحاد الأوروبي المساعدات التنموية التي يقدمها لدول الجنوب، مقابل السيطرة وإيقاف الهجرة”.

وأودعت المنظمة المذكورة شكاية إلى المفوضية الأوروبية، تطالبها بإجراء تحقيق للكشف عن العنف المنهجي الذي يستهدف المهاجرين واللاجئين في مخيمات الجزر اليونانية.

مع ذلك، لم تحظ المفوضية الأوروبية بقبول الحكومات اليمينية المتطرفة الأوروبية، حيث عبّرت كلّ من هنغاريا وبولونيا والتشيك عن رفضها القاطع للميثاق الجديد، معتبرة أن إلغاء الكوتا “أمر إيجابي” لكن يجب على المفوضية العمل أكثر على “إبقاء المهاجرين خارج حدودنا”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سفيان البالي

صحفي مغربي

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search