اليمين الغربي والأصولية.. صحوة مضطربة للأخوة الأعداء

ملاك عبدالله

كاتبة لبنانية

فجَّر اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن، الأربعاء الماضي، من الجماعات اليمينية المناصرة للرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، مخاوف على مستوى عالمي من تهديد الديمقراطية الأمريكية بـ”موجة فاشية”، ووصف جو بايدن، الرئيس الأمريكي المنتخب، الهجوم بأنَّه “غير مسبوق، [و] لا يشبه أي شيءٍ رأيناه في العصر الحديث”.

واستطاع “ترامب”، خلال فترة رئاسته اليتيمة، بناء قاعدة شعبية متوازنة، بفضل النمو الاقتصادي، إلا أن هذه القاعدة تقلصت إلى المكوّن اليميني حصرًا بعد رفضه نتائج الانتخابات التي أدت إلى خسارته. ورغم خسارة ترامب الانتخابات، فإن اليمين لن يختفي من المسرح السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية، حسب استطلاع حديث، فقد أيّد 45% من الناخبين الجمهوريين “اقتحام الكابيتول”. 

الطريق إلى الترامبية

يشي تتبع المسار، الذي تشكل العالم على أساسه منذ ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وجدار برلين وصولاً إلى اليوم، وما أفرزته “الداعشية” و”الترامبية” السياسية على وجه الخصوص، بأننا نعيش عالميًّا مرحلة انتقالية، يصل فيها استخدام المسألة الدينية إلى ذورة موصوفة، وتهتز فيها التوازنات السابقة ما بين اليمين واليسار، والتي كانت في إطار التوازن الديمقراطي الليبرالي الضامن لكيانات الدول، وهذه المرحلة الانتقالية تهيئ لانجذاب عالمي نحو فضاء اليمين على وجه الخصوص.

الوصول إلى هذه المرحلة الانتقالية، والتي برزت أوضح تجلياتها على الساحة الأمريكية مؤخرًا، وعلى الساحة الفرنسية قبلها، كان بالإمكان استشرافُه عبر تتبع منطلقاتها ومساراتها، التي بدأت منذ بدء الانقلاب على ما أرسته النهضة الأوروبية من أسس إنسانية عالمية، والذي تجلى منذ ما بعد الحربين العالميتين نسبيًّا، واتضح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبدأت تتلاشى معه تدريجيًّا عديد من الطروحات النهضوية (العلمانية والنزعة الإنسانية) في الشرق والغرب. 

فبعد ما خلفته الحروب آنذاك من تيهٍ حقيقي في العالم، استثمرت الخيبة العميقة تجاه الأفكار التقدمية تياراتٌ فلسفية وسياسية عدة، أعادت بعد حين الحياة للأفكار السلفية، كما جرى استثمار ذلك أيضًا في المقابل بفكر غربي يسعى لإعادة إنتاج المقولات الدينية بالطريقة التي تسمح له باستغلال الدين في السياسة الخارجية والداخلية على حدٍّ سواء. 

منذ ذلك الوقت برزت الادعاءات الغربية بالتركيز على تظهير التعصب الإسلامي كعامل أساسي في توسع حالات التوتر والحروب، أما في الواقع فللدول الغربية تقاليد واضحة في توظيف الدين سياسيًّا وإلباس مطامعها الاستعمارية الدنيوية رداء من الأيديولوجيا الدينية الحادة. 

تبلور ذلك بوضوح بعد أطروحات فوكوياما عن نهاية التاريخ، ثم أطروحة صموئيل هنتجتون عن صدام الحضارات، التي تعني بالأساس “صدام الأديان”.

ومنذ ثمانينات القرن المنصرم، وجدت مقولة “صدام الحضارات” طريقًا لها على أرض الواقع، بتمهيد من السياسات الغربية نفسها التي كانت هي الأخرى تسهم بطريقة ما في تعزيز الانقلاب على الأطروحات النهضوية في الشرق، وتمكين “الدين التقليدي” من التغلغل، لجعله أداة مستغلة في إطار مصالحها الاستعمارية. 

بهذا المعنى لم يكن الغرب يمانع بروز مقاومات إسلامية الطابع، وتستند إلى الدين بالأساس، بل كان ذلك هدفًا من أهدافه: أن تتحول المقاومات الدينية إلى عنصر أساسي يؤكد فكرة صدام الحضارات/ الأديان.

يمين يدعم الأصولية.. والعكس 

منذ نجاح الثورة في إيران وبروز دولة ثيوقراطية في الشرق، وانطلاق الزخْم الديني كعامل مكون للهويات العربية، وصولاً فيما بعد إلى ما عُرف بثورات الربيع العربي التي عززت مكانة الإسلام السياسي، ثمَّ ما آلت إليه الأمور من ظهور الداعشية المتوحشة، وصلت المسألة الدينية إلى ذورة تُحاك على أساسها سياسات الإمبريالية، وهي ذورة أنتجت أيضًا الانقسام الثقافي المرير بين الشرق والغرب، كشرخ يزيد باطِّراد.

في نهاية المطاف، تَعزَّز هذا الشرخ مع بروز نماذج فاشية عن الديمقراطيات كان أكثر تجلياتها وضوحًا هو وصول ترامب نفسه إلى الحكم، والذي معه بدأ يتمظهر الشعار القومي من جديد، وقد اقتبس ترامب ومستشاروه من الفيلسوف الإسرائيلي الأمريكي هازوني، الذي ألف كتابًا شهيرًا في عام 2018 عن “فضيلة القومية”، دعا فيه لاستعادة القومية من سمعتها السيئة الى رحاب عالم من القوميات المستقلة في نظام دول “نقية قوميًّا”، هو أفضل الممكن بنظره. 

من هذا المنطلق استهزأ ترامب بالاتحاد الأوروبي، وشجّع على خروج بريطانيا من ذلك الاتحاد “غير المنسجم قوميًّا”، مع أخذنا في عين الاعتبار أن للشعار القومي هدفًا اقتصاديًّا في مواجهة العولمة التي استفاد منها الآخرون على حساب الأمريكيين، حسب المُنظّرين الجدد للحزب الجمهوري.

وعلى مدار ولايته المنقضية، حرص دونالد ترامب على دعم جماعات اليمين المتطرفة، ومنحها المساحة اللازمة كي تحتشد وتنتظم لتصير مكونًا أساسيًّا للتيار الرئيس للحزب الجمهوري، إلا أن الروابط التي نسجها اليمين المتشدد مع القاعدة الرئيسية للجمهوريين قد تأثرت بشدة بعد مشاهد الفوضى التي سادت محيط الكابيتول الأسبوع الماضي، ودفعت الكتلة الرئيسة في الحزب الجمهوري للتخلي عن الترامبية السياسية التي طالما أيدوها.

هذه الردة عن العولمة والأفكار الكونية التي أظهرها ترامب لصالح اليمين، بَدَتْ كذلك في أوروبا، سواء أكان بعد جائحة كورونا، أم بعدما تبين أن المتطرفين دينيًّا استغلوا العولمة نفسها لضرب “الغرب الكافر” في عقر دياره. 

من هنا بدأ الخطاب القومي، وخطاب التركيز على هوية الدولة الأساسية يأخذ حيزًا آخر، وأخذت الخطابات تتلاقى شيئًا فشيئًا مع خطابات اليمين، في عصر أُعيد فيه إنتاج الهويات على أسس دينية وإثنية، وأعادت فيه السياسات النيوليبرالية إنتاج عوالم مقاومة لما خلفته هذه السياسات، وهي عوالم استندت إلى الدين مباشرة، ويزيد إفراطها في استخدامه كلما أفرطت ديمقراطيات ما بعد الحداثة في السياسات النيوليبرالية.

عودٌ على بدء، فإن صحوة اليمين، وما سمعناه من خطابات وتعليقات تعيد إنتاج خطاب اليمين وتتماهى معه، وبصرف النظر عن الأسباب الأخرى الداخلية والسياسية لذلك، له أسباب كلية أيضًا، تتعلق بعالم حديث ينجذب نحو فضاء اليمين، على أثر “التشابك الديني-السياسي” من جهة، كما هو على أثر مآلات السياسات النيوليبرالية، من جهة أخرى. 

ويمكن القول إذًا إننا بِتْنا في مرحلة إنتاج المقولات والتوجهات اليمينة، وهو ما يمهد لفوضى عالمية قد نصير معها إلى إعادة التفكير في أطر وسياقات جديدة لعالم ما بعد الأحادية الأمريكية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram