:اليوجا في عقيدة النازيين

!اقتل في الصباح.. ولا تبالِ في المساء

احتوت الأيديولوجيا النازية على عناصر فكرية منتقاة من مصادر متعددة، ومتباينة، وأحيانًا متناقضة. ترى عالمة الأنثروبولوجيا والمُؤرِّخة كارلا بوي في كتابها “النازيون والديانات الجديدة”، أن هذه الانتقائية هي إحدى الخصائص الجوهرية لـ”الدين السياسي”، الذي مثّلت النازية أبرز نماذجه. فالمُنظّرون النازيون انتقوا عناصر من التقاليد الجرمانية والهندية والإبراهيمية، خالطين إياها (بطريقة سطحية) ببعض المفاهيم والتصورات العلمية وشبه العلمية كالتطور، والعِرق، وعِلم تحسين النسل.  

ومَثلَ هؤلاء المُنظّرون امتدادًا لحركة “الفولكيش” Völkische الألمانية الصاعدة منذ نهايات القرن التاسع عشر، والتي روّجت لعقيدة “الدم والتربة”، والتي تشكّلت بدورها من مزيج من الأفكار العرقية والقومية والوثنية والرومانسية، المُعادية للحداثة، والمؤيدة لشكل من الاستبداد السياسي لإرادة الفرد الواحد.

هتلر في فترة الحكم النازي
الإيمان الجديد

تحوّلت مشاعر الإذلال لدى كثير من الشباب الألمان، على أثر معاهدة فيرساي (عقب نهاية الحرب العالمية الأولى) إلى مشاعر سخط على الادعاءات الكونية لـ”الليبرالية الحداثية”، مُمثَّلة في الحلفاء الذين اتفقوا على تجريد ألمانيا من أراضيها ومواردها،[i] خاصة وأن جمهورية فايمار الديمقراطية التي تأسست في ألمانيا عقب الحرب، لم تَدْفع عن نفسها تهمة الخيانة، التي ألحقها بها اليمين الألماني، إثر الهدنة التي أنهت الحرب، رغم أن قرار الهدنة لم يُتَّخَذ إلَا بعد إصرار قادة الجيش الإمبراطوري أنفسهم على استحالة القتال.

وقد تعَززت قناعات كثيرين، من بينهم يعقوب هاور، مؤسس حركة الإيمان الألماني، وماتيلد لودندورف، إحدى قادة حركة الفولكيش، بأن ألمانيا قد وقعت في شراك “اليهودية-المسيحية”، وأنه لا سبيل أمامها لاسترداد ما سُلِب منها، إلا بالرجوع إلى تقاليد ألمانية خالصة، وتجاوُز “الانحطاط” الليبرالي لأوروبا، عبر إحياء التقاليد السياسية الإمبراطورية، والدينية الوثنية.

يعقوب هاور في الهند

انتمى يعقوب هاور إلى طيف واسع من المُنظِّرين النازيين، الذين أولوا اهتمامًا خاصًّا بالتقاليد الهندو – جرمانية المستقاة من 3 مصادر: الهندوسية، البوذية، الوثنية الجرمانية السابقة على المسيحية.[i] كان هاور قد سافر إلى الهند بصفته مُبشِّرًا مسيحيًّا، وهنالك تخلّى عن إيمانه المسيحي، ثم تَخصص في الدراسات الهندية، مُتنقلاً بين جامعتي أوكسفورد وتوبنجن، التي عمل أستاذًا بها، ولاحقًا أسس حركة الإيمان الألماني، التي سعت لتحويل ألمانيا من المسيحية إلى الوثنية.

يعقوب هاور- مؤسس حركة الإيمان الألماني

تأثر هاور أولاً بالأنثروبوصوفيا التي ابتكرها رودلف شتاينر، والذي اعتقد بإمكانية اكتشاف وإدراك عالم روحاني موضوعي. وقد عُدَّت الأنثروبوصوفيا امتدادًا للثيوصوفيا، التي مزجت بدورها تقاليد الهرمسية المصرية والكابالا (الصوفية) اليهودية، والشَعوذات السحرية من العصور الوسطى. [i]

كما تأثر الرجل بأفكار نيتشه حول المسيحية، بوصف الأخيرة عاملاً مُثبّطًا للإرادة والحيوية الكامنة في الإنسان. ويتحدث إيان ألموند في كتابه “تاريخ الإسلام في الفكر الألماني”، عن أن الدور الذي لعبه الإسلام في نقد نيتشه للمسيحية، على اعتبارها دينًا انهزاميًا وضعيفًا، قد لعبته البهاجافادجيتا (المصدر الأساسي لتعاليم اليوجا) بالنسبة إلى هاور في نقده للمسيحية كذلك، وذلك لإعجاب كليهما (أي نيتشه وهاور) بنموذج “النخبة الدينية المُحاربة”، في حين ساهمت الأزمة الاقتصادية الطاحنة خلال عقدي العشرينات والثلاثينات، في انتشار واسع لممارسة اليوجا داخل ألمانيا، كوسيلة للهروب من ضغوط وتهديدات البطالة والفقر.

وبحسب الباحث الألماني وخبير اليوجا ماتياس تيتك، نُشِر نحو 50 كتابًا يتناول اليوجا في عام 1920 في برلين وحدها، كما افتتِح أول مركز لممارسة اليوجا عام 1937 ببرلين أيضًا.

عقيدة اللا مبالاة

هذه الأفكار، لاقت فيما بعد رواجًا ودعمًا كبيرين بين صفوف قوات الـ SS، التي كان زعيمها هاينريش هملر، مهندس عمليات الإبادة في معسكرات الاعتقال، والذي حمل نسخة ألمانية من البهاجافادجيتا في جيبه دائمًا. كان مفتونًا منذ شبابه بطبقة الكشاتريا العسكرية، وهي طبقة المُحاربين في التقسيم الطبقي الهندي القديم، فكان يصفها بـ”الطبقة النبيلة من المحاربين الآريين التي غزت آسيا قبل ميلاد المسيح بـ1700 عام”، مُتخذًا إياها مثلاً أعلى للنخبة النازية. [i] هذا التقسيم الطبقي كان يعني لهملر تقسيمًا صارمًا للواجبات والامتيازات، محسومًا مُسبقًا. وقد اعتنق كل من هاور وهملر فكرة أن على المرء الخضوع لقدره، والقيام بواجبات طبقته/عرقه، بصرف النظر عما قد تتضمنه من قذارات أو أفعال شريرة، ويصف هاور ذلك بـ”الواجب الوراثي أو الغريزي”، والذي علّمه الإله كريشنا للمُحارب أرجونا في ملحمة البهاجافادجيتا الهندية.

هتلر وهملر يحضران مناورة حربية
انهض يا محطم الأعداء!

تشكلت الملحمة من حوار يدور في ساحة الحرب، بين الإله كريشنا، وأرجونا أمير الباندافا المُترِدد في خوض الحرب ضد أقربائه من نفس القبيلة. فبعد أن “استولت عليه شفقة شديدة وتَغلّب عليه اﻹحباط”، يتدخل كريشنا ليحثه على خوض لمعركة قائلاً: “أَبْعِد هذا الضعف الحقير عن قلبك، وانهض يا مُحطم الأعداء”. ثم يبدأ تلقينه تعاليم اليوجا، التي تُنكِر التقسيم التقليدي للأفعال بين خير وشر. فكل الأشياء تصدر عن البراهمان (المصدر الكلي للوجود) وتحل فيه، وعلى المرء، إذا أراد أن يعيش حياة مُطمئنة، ألّا يعبأ بثمار (نتائج) الأفعال، ولا بالتمييز التقليدي بين الخير والشر، بل ينبغي عليه أن يتخلص من ارتباطاته الشعورية، سواء أبالأشياء المادية أم الأشخاص أم نتائج أفعاله، بهدف الوصول إلى حالة شاملة من تعطيل الأحكام. فلا يُقابِل العالم الخارجي بحب أو كراهية، بشفقة أو ضغينة، وإنما بحياد شعوري تام. كما تُنكِر نفس التعاليم، ثبات الهوية الشخصية (وحدة الذات)، فترى أن هوية المرء لا تتحدد بأفعاله، وإنما بتصوراته المُتوهَّمَة عن تلك الأفعال، فإذا استطاع قهر المشاعر التي تُصاحب تلك الأفعال، والتي تُلازمها عادةً أحكام أخلاقية وعاطفية، استطاع المرء قهر الهوية الشخصية، أو الذات، بما تحمله من أوصاف ومسميات، وتمييزات بين الخير والشر.

وبذلك يمكن أن تنتفي مسؤوليته الأخلاقية، لأنه لم تعد تُوجَد ذات تتحمل تلك المسؤولية من الأصل. وقد تبنّى هملر ذلك التأويل وافتُتِن به. وبحسب ماتياس تيتك، وجّه هملر جنود معسكرات الاعتقال إلى ممارسة اليوجا للتخلص من مشاعر القلق أو الذنب التي قد تُصيبهم. ويُضيف تيتك بناء على الوثائق التي دَرَسها في كتابه “اليوجا في ظل الاشتراكية القومية”، أن هملر كان ينوي تعميم نظام غذائي نباتي على حامية المعسكرات، بجانب دراسة البهاجافادجيتا بصفتها مُرشدًا روحانيًّا-سلوكيًّا لأفراد الـ SS .

متأثرًا بتأويلات هاور للغيتا، نَظر هملر إلى المحرقة، على أنها “كارما” اليهود[i]، أي قدرهم المحتوم بناء على ثمار أعمالهم. مثلما نظر إلى التوسع النازي بوصفه كارما الجرمان، أو إعادة تجسّد لغزوات الآريين ما قبل الميلاد. كان هملر قد أسس في عام 1935 مركز Ahnenerbe للأبحاث، والذي أطلق رحلات استكشافية إلى مناطق مختلفة من العالم لإجراء دراسات “عِرقية”، تُعزِّز المزاعم النازية عن التفوق الآري،   مأخوذًا بطرح عالم تحسين النسل، الألماني هانس غونثر، عن أن الآريين الأوائل غَزوا معظم آسيا، وأن سيدارتا جوتاما (بوذا) انحدر من سلالة آرية، مثلما كان عالم الهنديات ورئيس جامعة ميونيخ والتر فوست (على غرار هملر) مأخوذًا بالأخلاقيات الهندو – بوذية، المنبثقة من تعاليم اليوجا.

السواستيكا بأحد المعابد الهندوسية

هكذا، ساهم الانجذاب إلى تعاليم اليوجا، بدرجة أو بأخرى، في تكوين “لا مبالاة” أخلاقية طبعت الأيديولوجيا النازية، أو على أقل تقدير، فقد طبعت بعض أبرز روادها، بمن فيهم الرجل الثاني بعد هتلر، والأب الروحي للمحرقة أو “الحل الأخير” للمسألة اليهودية كما كان يصفها النازيون، وصفًا تقنيًّا خالصًا.

يتحدث المؤرخ البريطاني بيتر بادفيلد عن أن أداء الواجب المنفصل عن العاطفة، هو في الواقع ما رَغب هملر فيه باستمرار من موظفيه في معسكرات الموت. لقد أراد ألّا يشعروا بأي مشاعر أو مسؤولية تجاه أفعالهم، وتجاه الضحايا الذين تقع عليهم تلك الأفعال. لقد تمثّل الكمال (بوصفه هوسًا نازيًّا) بالنسبة إلى هملر، في صورة الرجل الذي يؤدي واجبه الطبقي بتكرّس يُوجي “لا مبالٍ، وخالٍ من العواطف”. أي في صورة بيروقراطي، أو تكنوقراطي مُحترف، يجلس في المساء في هدوء مُغلقًا عينيه، ليطرد من عقله أثقال المآسي التي خلقها للآخرين نهارًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أمين حمزاوي

كاتب مصري، مهتم بالفلسفة والأدب

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram