امرأة 1980: لماذا أحب المصريون “هياتم”؟

مصطفى علي

كاتب مصري

يقولون إن اليابانيين يفضلون المرأة ناعمة الملامح، هادئة الصوت، صغيرة القدمين، متخايلة المشية، أما شعوب الإسكيمو في الشمال الأوروبي والهنود الحُمر فيعتبرون المرأة جميلة من رائحتها، فإن فاحت روائح عطرية من شعرها وفمها كان ذلك لديهم معيار جمال حقيقيًّا، أما في إفريقيا فالمرأة الجميلة هي الأكثر سوادًا في بشرتها، وكلما كانت بدينة زاد مهرها. والمصري القديم اعتبر جمال العينين أكثر ما يثير في المرأة، لذلك راجت لديهم صناعة الكُحل.

أما المصري الجديد، حفيد مَن عاشوا في وادي النيل وارتزقوا من الزراعة، وهو موضوعنا، فقد علقت صورة الفلاحة بضّة الجسد في مخيلته الجنسية، فقد رآها تغسل أوانيها وفرش بيتها في الترع وتكشف عن ساق بللتها المياه، فابتلت معها شهوته وعرف معنى الغريزة، وصارت هي المثال المتوارث لرائحة الجنس والخصوبة، إنها أيضا رائحة الأرض الواسعة التي يتمرغ فيها الفلاح المصري تحت شمس الظهيرة ويرتاح تحت شجرتها وارفة الظلال. فالجسد الغني هو ذلك الجسد الذي يشبه قرص الشمس، عريض الوجه ممتلئ الخدين، وهذا تمامًا ما تعارف عليه العرب في شبه الجزيرة، حيث كان من معايير جمال المرأة لديهم أن تكون ممتلئة ضيقة المنكبين وكثيفة الفخذين، ولقبوها حينئذ بـ”خرساء الأساور”، لأن بدانتها عندما تصل إلى الرسغ تمنع ارتطام الأساور الذهبية فلا تصدر صوتًا.

وقد توارث مزاج الرجل الشعبي في مصر هذه الصورة النمطية للمرأة الممتلئة صدرًا ووسطًا وذراعين وفخذين، فهي أمّه التي تحتضنه لأنه سيظل في داخل جسدها طفلاً، ومعها يأكل بنَهَم، لأنها لن تخاف على رشاقتها، كما أن جسدها يمكنه أن يتحمل أطول فترة ممكنة في العلاقة الحميمية، كمرادف جسدي لتحمل ظروف الحياة وضآلة المعيشة والأجر، كما أن نضارة وجهها الممتلئ بالدهون تشعره بالخير في زمنه الذي ضاق عليه في كل شيء، فالأمر هنا متعلق أيضا بالنواحي الاقتصادية. فهذا الرجل يعيش بالكاد رغم انفتاح السبعينات في القرن العشرين. ولذا كانت ترضيه الكثرة المجانية في امرأته، التي اعتبرها مُلكه الوحيد في هذا العالم. وهناك ظهرت “هياتم” عنوانًا لفلاحة ألبسوها فساتين ووضعوا لها الماكياج المناسب لطزاجة أنوثتها.

هي امرأة تجسدت في مخيلة المصريين مثالا للإثارة. فهي مَن أغرت لاعب الكرة الشهير “شحاتة أبو كف” في فيلم “غريب في بيتي” ليفسد أخلاقيا ومن ثم رياضيا. هي الشهوة الطاغية التي تمكنت من ابن الريف القادم إلى العاصمة ليلعب إلى أحد الأندية الشهيرة، ممثلاً الفطرة وقوة الطبيعة، والذي وقع في أذرع شيطانة الجسد الوفير وتلاعب به قوامها السميك ووجهها الجريء الذي اخترق غشاء سجيته، فصارت بحرًا يغرق فيه خيال الرجال ويستعيذون منه في أحلامهم خشية مزيد من الغرق.

إن المتأمل لجسد الراقصة والممثلة المصرية، هياتم، التي ظهرت في أواخر سبعينات القرن العشرين، ولمعت في عقد الثمانينات منه، سيرى فيه سمة البدانة وضخامة الهيكل في كل تفاصيله. حتى بعدما وصلت لسنٍّ متقدمة بقيت تلعب دور المرأة اللعوب، ويبدو أن مخرجي السينما والتليفزيون أيضا لم يصنفوا هياتم إلا في باب الإثارة، وذلك ربما لأنهم درسوا نفسية المصريين جيدًا.

والبدينة تعني للرجل الكثير، تعني مشاعر الدفء مثلاً، كما أن ملامسة اللحم لديه أكثر لذة من مصافحة العظام، لكن عن أي رجل نتكلم؟ علينا إذًا تحديد نوع مَن تستقطبه المرأة الممتلئة الضخمة، وفي هذا قد نطرق باب المجتمع الذي نشأ رجلنا هذا فيه وربما ظروفه السياسية والمعيشية.

الثمانينات عقد الجسد

اغتِيل السادات، الرئيس الثالث لجمهورية مصر، على يد الإسلاميين في بداية ثمانينات القرن العشرين. تولى مبارك الحكم، كوجه جديد لجسد قديم لم يخرج عن المألوف الساداتي، فقط ارتدى بدلة جديدة زادته بدانة عن السادات النحيف المشدود. إنها وسيلة حكم جديدة سيكون الجسد فيها مرجعية ومعيارًا يُغري الشعب بتحمل الاستمرار في حياة ملؤها المتاعب عبر الجنس.. الجنس كثيرًا. بشرط أن تكون المرأة كافية و”تسد عين الشمس”.

راجع صور مبارك وتقاسيم وجهه العريض الممتلئ ولاحظ الشبه بينه والنسخة المعممة للجمال، ثم عُدْ لمتابعة المقال.

كانت سبعينات القرن الماضي قد شهدت “مصر المتحررة”، التي تلبس فيها الفتيات “التنورة القصيرة”، وجرت فيها الأفلام التجارية كالنار. وانتهت لتبدأ حروب المنطقة، حيث انطلقت الحرب بين العراق وإيران في 1980 واستمرت 10 سنوات، وخرج منها صدام حسين ليدخل في دوامة غزو الكويت لتضيع العراق بغزو أمريكي ومن ثم انسحاب للقوات الغازية لتحل محلها الطائفية بين أهل البلاد.

وفي الثمانينات رُصد أول ظهور للكتابة على الجدران، الجرافيتي، رسوم تملأ الحوائط ليرى الأعمى كمّ الضجر وما تكتمه الشعوب داخل صدورها. وشهدت الثمانينات ظهور مايكل جاكسون في أمريكا وظهر عمرو دياب بقوة في مصر كنموذج لمطرب العضلات والتقسيم الهضبيّ. تُوفيت النحيلة داليدا وفاز “كبير الرأس” نجيب محفوظ، ابن الحارة، بجائزة نوبل للآداب، وظهر الشحات مبروك، بطل كمال الأجسام، كبطل سينمائي.

يبدو أنه عقد الجسد في مصر. وله ستكون الكلمة العليا لحسم المعارك المادية في زمن لا يتكلم إلا بالقوة ولا مجال فيه لقيمة جمالية “رفيعة”.

نعود إلى سهير حسن أحمد، الشهيرة بـ”هياتم”، المولودة في 22 يوليو/ تموز 1949، وبدأت ممارسة الرقص الشرقي في الأفراح وحفلات الزفاف الشعبية في الإسكندرية وهي لم تتجاوز العشرين عامًا. انتقلت إلى كازينوهات الليل بالقاهرة، ومن هناك راجت بضاعتها فنالت شهرة جذبت إليها صناع سينما الجسد في الثمانينات، فتركت الرقص وركزت على أفلام المناظر التي تستقطب زبائنها النهمين، مراهقين وأشباه مراهقين من رواد سينمات الدرجة الثالثة. أمام كل منهم ساعتان من اللذة في متناول أيديهم وجيوبهم وعليهم أن يشبعوا منها لينسوا همومهم. تزوجت بلاعب نادي الزمالك ومنتخب مصر، محمود الخواجة، ولم تستمر علاقتهما الزوجية طويلاً.

معدلات سعادة أكثر

يفضل كثير من الرجال المرأة ذات الجسد المليء بالمنحنيات في إشباعهن الجنسي، فالبحث الذي أجرته جامعة المكسيك يثبت أن الرجال الذين على علاقة بالنساء الممتلئات أكثر سعادة 10 مرات ممن أولئك المرتبطين بالنحيلات.

أعتقد أن المصريين، حتى أولئك المحبين للنحيلات، لم يكونوا بحاجة إلى هذه الدراسة ليقتنعوا بهياتم امتدادًا لهند رستم في الإغراء، ولكن بتعديلات تناسب زمنها، ويبدو أن لعبة الزمن نفسها تدور دورتها لتخدم “هياتم”، النموذج الأنثوي، فهي تعيدنا إلى عصر المرأة الأولى الملائمة والممثلة لكل ثقافة، فشهرتها قد اتسعت لتتجاوز حدود مصر وزاد الطلب عليها حتى وصلت للمستوى العربي، فقد قالت في حوار لها إنها رفضت الزواج بثري عربي، لم تكشف اسمه، وأضافت أن هذا لم يكن العرض الوحيد الذي جاءها من “حُكام عرب”.

إنّ سلطة جسدها وحّدت الأثرياء والفلاحين معًا في كتاب الغريزة، فقد تحكمت أيضًا في أهل المُلك من أبناء الصحراء، أولئك الذين لم ينسوا بعدُ ماضيَهم الباحث عن الشهوات في امرأة عربية أصيلة تجمع تحت جلدها ما هو أهم من العروش، فلا يزال البدوي والبدائي مهمومين بخيمة فطرية لا بناطحة سحاب مصنوعة من البلاستيك حسب الأطر العصرية، كما لا تزال في خيال المصري المعاصر امرأته إلهة الخصب الوفير والرضا بالقضاء والقدر بشرط توافر اللذة، التي يختصرها في جسد سخي، كجسد هياتم، بعدها لن يلتفت إلى شيء في الحياة سوى أكل عيش، غارقًا في اللحظة الراهنة غير عابئ بأي قلق حول مستقبله الغامض في عالم ثالث.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram