دراسات وتحليلات

انتخابات إيران 2021: هل ينجح التيار الأصولي في الوصول إلى كرسي الحكم؟

قدّم المرشحون لـ “انتخابات إيران الرئاسية”، المقررة في 18 يونيو 2021، أوراق ترشحهم خلال المهلة الرسمية ما بين 11 و15 مايو، وكان هناك نشاط أكبر لدى الأصوليين من التيار المتشدد عن الإصلاحيين، سواء من رجال الدين المحافظين، أو من العسكريين. وبعد انتهاء مهلة التسجيل راجع “مجلس صيانة الدستور” الطلبات المقدمة، وأقر في قائمته النهائية أهلية 7 فقط لخوض انتخابات الرئاسة، من بين 592 سجّلوا أسماؤهم للترشح.

وضمّت القائمة رئيس السلطة القضائية “إبراهيم رئيسي”، ومستشار وممثل خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي “سعيد جليلي”، ونائب رئيس البرلمان الحالي “أمير حسين قاضي زاده هاشمي”، إضافة إلى أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام والقيادي في الحرس الثوري “محسن رضائي”، والنائب المتشدد المعارض للاتفاق النووي “علي رضا زاكاني”، الذي اشتُهر بتسريب معلومات استخباراتية عن كبار المسئولين في حكومة حسن روحاني، وجميعهم من التيار المحافظ.

ووافق المجلس في المقابل على ترشح “محسن مهر علي زاده” نائب الرئيس الأسبق محمد خاتمي، ومحافظ البنك المركزي “عبد الناصر همّتي”، المقربين نوعاً من التيار الإصلاحي.

فيما ضمّت قائمة المرفوضين، مستشار قائد الحرس الثوري العميد “سعيد محمد”، والنائب الإصلاحي البارز الذي كان نائباً لرئيس البرلمان في دورته السابقة “مسعود بزشكيان”، ورئيس مجلس بلدية طهران “محسن هاشمي رفسنجاني”.

وكان الأمر الأكثر لفتاً للانتباه، هو استبعاد الرئيس السابق للبرلمان ما بين عام 2008 و2020 “علي لاريجاني”، إلى جانب استبعاد الرئيس السابق “محمود أحمدي نجاد”، الذي تولّى الرئاسة بين 2005 و2013، وهي المرة الثانية التي يُرفض طلبه لخوض الانتخابات بعد الانتخابات السابقة في 2017، كما رُفض طلب “إسحاق جهانغيري” نائب الرئيس الإيراني حسن روحاني.

الحكم في إيران
الرئيس الإيراني حسن روحاني

فرص الأصوليين في الوصول إلى الحكم

بدى واضحاً الحماس غير المسبوق للعناصر المنتمية للتيار المتشدد في إعلان خوضها الانتخابات، وقد مثّلوا جُلّ منْ تم اختيارهم من قِبل “مجلس صيانة الدستور”، باستثناء “عبد الناصر همّتي” نائب الرئيس الأسبق محمد خاتمي ومحافظ البنك المركزي، ولذلك يبدو ظاهرياً تعاظم فرص التيار الأصولي في إيصال مرشح تابع لهم إلى كرسي الرئاسة، وما يدعم هذه الحظوظ عدد من العوامل، أهمها:

  1. صعود المتشددين من المحافظين والعسكريين:

تأتي انتخابات الرئاسة الإيرانية في أجواء تشهد موجة صعود للمحافظين والمتشددين في البلاد بشكل عام، إذ يُحكِم المحافظون قبضتهم على الوضع في إيران خصوصاً بعد اكتساحهم الانتخابات البرلمانية عام 2020. وبعد وصول قائد سلاح الجو السابق في الحرس الثوري “محمد باقر قاليباف” إلى رئاسة البرلمان، وتعيين الأصولي البارز “إبراهيم رئيسي” رئيساً للسلطة القضائية في البلاد، لم يتبق أمام الأصوليين إلا السيطرة على السلطة التنفيذية.

وكذلك فإن قانون الانتخابات الذي تم إصداره أواخر العام 2020، وحدد هوية المرشحين المحتملين، منح الفرصة أمام ممثلي المؤسسة العسكرية (وخاصةً الحرس الثوري) للولوج إلى المؤسسات المدنية، ورفض البرلمان الإيراني -الذي يسيطر عليها المحافظون- أي مقترح يسد الطريق في وجه ترشح كبار الضباط في القوات المسلحة الإيرانية، ابتداءً من رتبة عميد وأعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام.

وفي حال فوز مرشح من الحرس الثوري أو موالي له، فإن من شأن ذلك أن يساعد مؤسسة الحرس على فرض نفوذها على مؤسسة الرئاسة، لتستكمل بذلك حلقات سيطرتها على جميع شئون الدولة، وضعاً في الاعتبار أن الحرس غير متحمس للعودة إلى الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة الأمريكية لخشيته أن يكون في هذه العودة تقييد وتحديد لمسائل أمنية عسكرية، مثل تعطيل برنامج الصواريخ الباليستية أو تقييد لنفوذ إيران في الخارج. الأمر الذي يُضاعف من رغبته في إيصال عنصر موالي له إلى كرسي الحكم.

  1. دور “مجلس صيانة الدستور”:

في تكرار لسيناريو قائم في إيران، نجح المتشددون من خلال استغلال صلاحيات “مجلس صيانة الدستور” في إزاحة جُلّ الإصلاحيين من طريقهم نحو الرئاسة؛ فقد استبعد المجلس الذي يشرف عليه رجل الدين المتشدد، “أحمد جنتي”، مرشحي التيار الإصلاحي وحلفاؤهم من المعتدلين، ولم يصادق إلا على ترشح “عبد الناصر همّتي”، في تكرار لسيناريو الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 21 من فبراير 2020.

وكان قد بدأ الجدل مبكراً حول القائمة النهائية المسموح لها بخوض الانتخابات، وذلك عندما أصدر “مجلس صيانة الدستور”، الذي يعتبر أعلى هيئة رقابية في إيران، ويشرف على قبول الترشيحات والبت في أهلية المرشحين، قراراً مثيراً للجدل في الأسبوع الأول من مايو 2021، دون مراجعة وموافقة البرلمان الإيراني، تضمن أربعة شروط جديدة للمرشحين، وبموجب هذه القواعد اقتصر المقبولين المسموح لهم بخوض الانتخابات على من تتراوح أعمارهم بين 40 و75 عاماً، على أن يكونوا حاصلين على درجة الماجستير على الأقل أو ما يعادلها، والشرط الأصعب هو تمتع المرشح بخبرة إدارية لا تقل عن أربع سنوات من “سجل الخدمات للبلاد والثورة” في الحكومة أو القضاء أو السلطة التشريع والقوات المسلحة، والشرط الرابع هو “عدم وجود سجل جنائي”.

رفض الرئيس حسن روحاني هذه الشروط، فاقم بتوجيه وزير الداخلية “عبد الرضا رحماني فضلي”، بأن يكون معيار قبول طلب تسجيل المرشحين وفق القانون الحالي، مؤكداً أن أي تغيير في القوانين ينبغي أن يصدر عن البرلمان. ولكن في المقابل، فقد دافع “مجلس صيانة الدستور” عن إعلانه الشروط الجديدة للمرشحين، حيث قال نائب أمين المجلس، “سيامك ره بيك”، إن الشروط الجديدة تأتي ضمن توصيات المرشد علي خامنئي التي تعود إلى عام 2016، حيث طلب من “مجلس صيانة الدستور” تحديد الشروط الواجب توافرها للترشح في الانتخابات الرئاسية، وفقاً لقانون الانتخابات والدستور. فيما أشاد المتحدث باسم المجلس “عباس علي كدخدائي”، بقرار المجلس الأخير وتأثيره في تقليص عدد المرشحين من 1630 في الدورة السابقة إلى 592 في الفترة الحالية.

ويبدو أن هذه القواعد الجديدة التي وضعها المجلس على نحو خاص، جاءت لتزيد من فرص العسكريين وعناصر التيار المتشدد القريب من المرشد. وفي المقابل، فمن هؤلاء الإصلاحيين الذين قذفت بهم التعديلات الأخيرة خارج حلبة المنافسة، “مصطفى تاج زادة”، نائب وزير الخارجية الإيراني السابق، لوجود حكم قضائي صادر بحقه، و”محمد جواد آدري هرمي”، وزير الاتصالات في حكومة حسن روحاني بسبب شرط السن.

  1. التراجع في شعبية التيار الإصلاحي:

في مقابل ما سبق، تُجرَى انتخابات الرئاسة الإيرانية مع تراجع واضح في شعبية التيار الإصلاحي المعتدل، وهو ما تبدّى في نتائج الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في فبراير 2020، والتي أسفرت عن سيطرة الأصوليين على معظم مقاعد البرلمان. وفيما تشير نتائج استطلاعات الرأي أن نسبة تأييد الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني، وصلت الآن إلى 25٪ وفقاً لاستطلاع أجرته وكالة Stasis، وهو انخفاض كبير عن 67٪ كان يتمتع بها في فبراير 2016 بعد فترة وجيزة من التوصل إلى الاتفاق النووي.

ذلك أن الاتفاق النووي كان هو السياسة الرئيسية لروحاني الذي سبق وحقق فوزاً ساحقاً مرتين متتاليتين في انتخابات الرئاسة منتصراً على معارضين متشددين، وذلك بعد وعوده بفتح الاقتصاد الإيراني على العالم الخارجي.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وتراجع شعبية التيار الإصلاحي بسبب العقوبات الأمريكية أساساً، فمن غير الواضح الآن مدى تأثر شعبية هذا التيار بتعقد المفاوضات النووية الجارية مع القوى الدولية في فيينا. ذلك أن انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي وعودة العقوبات وجّهت ضربة كبيرة لهذا التيار وطروحاته فيما يتعلق بالعلاقة مع واشنطن.

اقتصاد إيران
الاقتصاد الإيراني في مواجهة الانسحاب من الاتفاق النووي
  1. تراجع شخصيات بارزة عن الترشح:

مع القواعد المُقيِّدة لفرص التنافس، فإن عدد من الشخصيات العامة التي كان من المُرجّح ترشحهم للانتخابات لم يقدموا أوراقهم، تأثراً على الأغلب بشروط “مجلس صيانة الدستور”، وترجيح استبعادهم من القائمة الرئيسية لمن سيسمح لهم بخوض الانتخابات، ومن أبرز هؤلاء وزير الخارجية الإيراني الحالي “محمد جواد ظريف”، الذي كان المرشح المفضل للتيار الإصلاحي، ولكنه جدّد –خلال مهلة تقديم الأوراق- رفضه الترشح للانتخابات الرئاسية، مُقدماً الشكر للذين دعوه إلى الترشح خلال الفترة الأخيرة.

وكانت وكالات الأنباء الإيرانية قد أفادت، بأن الرئيس الإيراني الإصلاحي الأسبق، محمد خاتمي، وحفيد مؤسس الثورة الإسلامية، حسن الخميني، أجريا لقاءً مع ظريف، لحثه على الترشح للانتخابات، لكنه رفض.

وبعد إعلان حسن الخميني، عدم ترشحه للانتخابات امتثالاً لنصيحة تلقاها من خامنئي، حسب قوله، ذهبت التوقعات باتجاه وزير الخارجية الإيراني ليكون هو المرشح الرئيسي للإصلاحيين، لكنه يواجه داخلياً تداعيات زلزال “التسجيل المسرب” الذي انتقد فيه دور قائد “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني، وسط رفضه المستمر لترشيح نفسه، سواء قبل التسريبات أو بعدها.

وقد تعرّض ظريف لهجمات شرسة من المحافظين واتهامات ثقيلة له بـ “إهانة” قائد “فيلق القدس” السابق، الذي اُغتيل بضربة أمريكية في العراق مطلع العام 2020، من خلال إطلاق تصريحات عن السياسة الخارجية الإيرانية ودور سليماني فيها، عبر التسجيل الذي تم تسريبه.

  1. التأثير السلبي لاستبعاد لاريجاني:

حتى مع الجدل المصاحب لقائمة المرشحين، فإن استبعاد عدد من الأسماء منها كان أمراً متوقعاً، كإقصاء الإصلاحي “مصطفى تاج زاده”، الذي ينتقد بين الحين والآخر الوضع الراهن ولا يستثني حتى المرشد علي خامنئي من انتقاداته، أو الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي يتصرف كالمنشقين عن النظام، لكن أن يعلن “مجلس صيانة الدستور” عدم تأهيل الرئيس السابق للبرلمان علي لاريجاني، الذي سبق له خوض الانتخابات الرئاسية عام 2005، فإن ذلك لم يكن أمراً متوقعاً من جانب معظم المتابعين.

وقد تكون حظوظ فوزه الكبيرة عبر حصوله على أصوات الإصلاحيين والأصوليين المعتدلين، قد دفعت النظام لإبعاده عن طريق مرشحيه المتشددين، ولاسيما بعد استبعاد نائب الرئيس روحاني “إسحاق جهانغيري”، هو الآخر، على نحو غير متوقع من جانب البعض.

وكانت وسائل الإعلام الإيرانية قد رجّحت أن يكون السباق الرئاسي ثنائياً بين المحافظ المتشدد “إبراهيم رئيسي”، والمحافظ التقليدي “علي لاريجاني”. وكان يُتوقَع أن يتمحور تباين الرؤى بين رئيسي ولاريجاني بشكل أكبر على الاقتصاد وموقع إيران في العالم، مع ميل الأول إلى نظام اقتصادي مركزي والتوجس من الغرب، في مقابل جنوح الثاني نحو الانفتاح ونظام اقتصادي أكثر حرية.

هذا، ومع ترشح “رئيسي” للانتخابات الرئاسية، فقد حمل ذلك أهمية خاصة، ليس فقط لأنه من المرشحين الأوفر حظاً ليصبح الرئيس الثامن لإيران، بل لأنه أيضاً من المرشحين المحتملين لخلافة المرشد خامنئي، الذي تجاوز عتبة 82 عاماً في العمر. وسبق أن ترشّح رئيسي في عام 2017 للانتخابات الرئاسية ونال أكثر من 38% من الأصوات لم تكفِ للحيلولة دون إعادة انتخاب روحاني لولاية ثانية، وهو يُعدّ من المقربين للمرشد خامنئي، وبحسب رؤى كثيرين، فقد بات الطريق مُمهداً أمام رجل الدين المحافظ في الانتخابات المقبلة بعد استبعاد أبرز المرشحين الإصلاحيين، حيث تربطه بقيادة “الحرس الثوري” علاقات قوية، ويُنظَر إليه على أنه المرشح المفضل للتيار المتشدد.

وكما هو متوقع، بدأت الانسحابات في صفوف المرشحين من التيار المتشدد لصالح رئيسي، ومن أبرز المنسحبين حتى الآن العميد “حسين دهقان”، مستشار الشئون العسكرية للمرشد الإيراني علي خامنئي وزير الدفاع الإيراني الأسبق، الذي برّر انسحابه بـ “حضور شخصيات من تيارات سياسية ومستقلين”؛ حيث لا يرى ضرورة في الاستمرار، مُعلناً وضع كل إمكانياته في خدمة “النظام ومرشح جبهة الثورة السيد رئيسي”.

كما أعلن المرشح “أمير حسين قاضي زاده هاشم”؛ نائب رئيس البرلمان الإيراني عن التيار الأصولي المتشدد، والجنرال “رستم قاسمي” مساعد قائد “فيلق القدس” للشئون الاقتصادية، انسحابهما من سباق الانتخابات الرئاسية الإيرانية. وبحسب بيان لهما، يوم 25 مايو 2021، جاء هذا الانسحاب أيضاً لصالح رئيسي.

الملاحظات حول فرص نجاح مرشح من التيار الأصولي

على الرغم من الفرص العالية لنجاح مرشح أصولي أو عسكري من التيار المتشدد في الفوز بمنصب رئيس الجمهورية، فإنه يجب الوضع في الاعتبار عدداً من الملاحظات:

  1. عدم وصول أي عسكري إلى الرئاسة من قبل:

للمفارقة، فإن أي قائد عسكري لم يستطع الوصول لمنصب الرئاسة في إيران منذ ثورة الخميني عام 1979، مما يُعيِد إلى الواجهة رئيس السلطة القضائية الحالية، “إبراهيم رئيسي”، والذي هُزم أمام الرئيس الحالي حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية لعام 2017.

الخميني
الخميني

وكان رئيسي أحد الأعضاء الأربعة فيما سمي “لجنة الموت” في إيران، والتي تم إنشاؤها بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988)، بأمر من المرشد الأعلى السابق روح الله الخميني، حيث نفّذت إعدامات جماعية بحق آلاف المعارضين في السجون الإيرانية بفتوى من الخميني آنذاك.

ومن هنا، يرى البعض أن السباق نحو إعلان ترشيح عسكريين أو متشددين كمرشحين محتملين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، قد يأتي في سياق المناورة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية حول البرنامج النووي الإيراني، حيث تُجرى المفاوضات في فيينا في محاولة إعادة إحياء الاتفاق النووي؛ فالتلويح بالمرشحين المتشددين أسلوب إيراني أصيل لكسب تنازلات من الغرب في لحظات الأزمات.

  1. عدم الترحيب بدخول العسكريين معترك السياسية:

ففي بيان بمناسبة “يوم الجيش”، أعاد الرئيس حسن روحاني، التذكير بموقف المرشد الإيراني الأول، الخميني، من دخول العسكريين إلى السياسة، في موقف مماثل له ضد ترشح “محمد باقر قاليباف” في الانتخابات السابقة. وحثّ روحاني الجنرالات على الابتعاد عن العمل السياسي، وقال: “واجب قواتنا المسلحة ليس فقط ذا طبيعة عسكرية، ولكن أيضاً عدم الدخول في السياسة”، مشيراً إلى أن مهمة الجيش هي حماية سيادة الأمة والحكومة المنتخبة من قبل الشعب.

وعلى نحو عام، ترى أصواتاً أن رئيساً بخلفية عسكرية ليس هو الحل المناسب لإيران، وأن ذلك من شأنه أن يمس بمكانة الجيش والحرس داخل المجتمع. واستعادت صحيفة “جمهوري إسلامي” في افتتاحيتها تصريحات للإمام الخميني، في التاسع من أغسطس 1984، بشأن إبعاد الجيش والحرس عن السياسة، وهي موثقة في المجلد 19 من صحيفة الإمام، حيث قال مُخاطباً عدداً من المسئولين:

“نريد أن يكون الحرس الثوري الإيراني والجيش جند الله، وألّا يكون لهم تصنيفات سياسية، وأن يجتنبوا السياسة، لأنه إذا دخلت السياسة والصراعات السياسية إلى الحرس الثوري والجيش، فعلينا أن نقرأ الفاتحة عليهما”.

  1. بروز خلافات داخل التيار الأصولي نفسه:

بدأ الخلاف مبكراً يدبّ بين عدد من المرشحين المتشددين في إيران، بعدما خلت لهم تقريباً ساحة التنافس على الانتخابات الرئاسية، وذلك بين “إبراهيم رئيسي” من جهة، ومستشار المرشد “سعيد جليلي” من جهة أخرى، ببث شائعات الانسحاب.

وبدا أن رئيسي عوّل مبكراً على انسحاب منافسه الأبرز لصالحه، وتحدّثت تقارير صحفية إيرانية عن دعوات أطلقتها قوى متشددة موالية لجليلي بضرورة الانسحاب من سباق الانتخابات الرئاسية لصالح رئيسي، ولكن جاء الرد “كيدياً” من جناح جليلي؛ حيث نشر موقع “الانتخابات” الإيرانية عبر تطبيق “تليجرام”، نقلاً عن مصدر مطلع مقرب من “جبهة ثبات الثورة الإسلامية” المتشددة، أن رئيسي سيعلن في الأيام المقبلة تركه المنافسة الانتخابية لصالح جليلي، مشيرة إلى أن الأول سيعود إلى منصبه على رأس السلطة القضائية.

الرد لم يتأخر من حملة رئيسي التي نفت هذه المعلومات، مشيرة إلى أن ما تناقلته بعض المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي عن عزم مرشحها الانسحاب لصالح مرشح آخر غير صحيح. ولم تكتفِ حملة رئيسي بذلك، بل أعلنت إنه “وفقاً للاتفاق والمحادثات السابقة، الشخص الذي يتعين عليه التنحي ليس رئيسي”، في إشارة إلى ضرورة انسحاب جليلي.

وكان جليلي قد ترشّح في انتخابات 2013 الرئاسية وفاز بالمركز الثالث بأكثر من 4 مليون صوت، أمّا في انتخابات 2017 فقد حلّ في المرتبة الثانية بعد الرئيس روحاني بحصوله على 15 مليون و835 ألف صوت.

  1. المخاوف من فتور المشاركة في الانتخابات:

رغم محاولتها السيطرة على مسار العملية الانتخابية، فإن السلطات في إيران تسعى إلى تسجيل نسبة مشاركة عالية في الانتخابات، بعد تسجيل أدنى نسبة اقتراع في تاريخ الجمهورية الإسلامية في الانتخابات البرلمانية عام 2020، وهو ما نُسِب إلى جائحة كورونا وتدهور الوضع الاقتصادي في البلاد.

ولم تتخطَ نسبة المشاركة في هذه الانتخابات -التي فاز فيها المحافظون بأغلبية مقاعد البرلمان- 25% في العاصمة طهران، و43% بعموم البلاد، بحسب الإحصاء الرسمي، وجاءت المشاركة في غالبيتها من الناخبين المؤيدين للتيار الأصولي، وسط عزوف واضح من قبل مناصري التيار الإصلاحي وتيار الاعتدال.

وقد تطرق إلى هذه المخاوف الخاصة بفتور المشاركة في الانتخابات وزير الداخلية الإيراني “عبد الرضا رحماني فضلي”، والذي أعرب عن تحسبه ممّا وصفها بـ “الأجواء الباردة والصامتة” لانتخابات الرئاسة ببلاده، داعياً لتنشيط هذه الأجواء. ذلك أن النظام في إيران يعتبر نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات بأنها جزء من شرعيته، ويعتقد البعض أن كبار مسئولي النظام الإيراني سيحاولون بطرق مختلفة تشجيع المواطنين المتعبين والمستائين من الأوضاع الحالية في البلاد، على المشاركة فيها، وقد يتم خلال ذلك دعم مرشح توافقي للفوز في الانتخابات، بما يعيد إلى الأذهان السيناريو الذي فاز خلاله الرئيس حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية لعام 2013.

اقرأ أيضًا: شبكة التهديد الإيراني ITN.. أربعة نماذج من شراكات إيران الإقليمية

ولذلك ما يمكن قوله في الختام، أن السيناريو الأرجح هو نجاح مرشح من التيار الأصولي في الانتخابات، في ظل المؤشرات المتعددة التي تدعم ذلك، وتنامي فرص “ابراهيم رئيسي” على نحو خاص، في ظل وجود ما يشبه الإجماع على انتخابه من التيارات الأصولية المختلفة، ولكن ذلك ليس ضماناً لنجاحه في ظل الخلافات التي برزت مع التيار الداعم لـ “سعيد جليلي”، ومع المخاوف من تدني نسب المشاركة الجماهيرية في الانتخابات الرئاسية، بما قد يُضعِف مصداقيتها داخلياً وخارجياً، فإن ذلك قد يدفع بالنظام إلى تأهيل شخصية توافقية تحظى بقبول من التيار الإصلاحي المعتدل، حتى إن لم يكن هذا المرشح منتمياً إلى هذا التيار.

د. إيمان أحمد عبد الحليم

محرر سياسي بالمركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة – 2016.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى