انسحاب أمريكي مرتقب:

مستقبل حركة شباب المجاهدين في القرن الإفريقي

يبدو أن الصومال مقبل على مرحلة حرجة للغاية على الصعيدين السياسي والأمني خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع قرب موعد انعقاد الانتخابات العامة المقرر عقدها في ديسمبر/ كانون الأول 2020 وفبراير/ شباط 2021، والتي تتزامن مع موعد انسحاب القوات الإفريقية المقرر له فبراير/ شباط 2021، وإعلان البنتاجون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمر بسحب القوات الأمريكية من الصومال في يناير/ كانون الثاني 2021 قبل مغادرته البيت الأبيض، وهو ما يمثل تحديًا أمنيًّا للدولة الصومالية المثقلة بالعديد من الإشكاليات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لعل في مقدمتها تهديدات حركة الشباب المجاهدين داخليًّا وإقليميًّا، وتطلعها إلى تعزيز سيطرتها على مناطق جديدة في الصومال خلال الفترة المقبلة.

حركة شباب المجاهدين
أولاً: مؤشرات الاستمرارية بالنسبة لحركة الشباب

تُشكِّل حركة شباب المجاهدين أحد أبرز التحديات لأمن الصومال منذ بدء نشاطها عام 2004، حيث تنشط بشكل أساسي في وسط وجنوب البلاد وتسيطر على نحو 30% من الأراضي الصومالية، واستطاعت خلال تلك الفترة زعزعة الاستقرار الداخلي في الصومال، الذي يعاني من اختلالات خاصة بضعف قدرات الجهاز الأمني والقوات المسلحة منذ الإطاحة بحكم محمد سياد بري في أوائل تسعينات القرن الماضي، إذ تورطت في العديد من الهجمات الإرهابية التي طالت معظم المؤسسات الوطنية الصومالية وبعض المقار التابعة لمنظمات دولية، والتي أسفرت عن قتل أكثر من 22 ألف شخص خلال العقد الماضي.

ولم يقتصر نشاط الحركة في الداخل الصومالي، بل تمدد نشاطها وتهديداتها الإرهابية إلى بعض دول المنطقة مثل كينيا وأوغندا، الأمر الذي يشكل تهديدًا واضحًا للأمن الإقليمي في منطقة شرق إفريقيا وفي القلب منها القرن الإفريقي.

ورغم تعهد الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو عند توليه السلطة في 2017 بالقضاء على الحركة كأولوية على رأس أجندته، فإنه واجه العديد من التحديات التي حالت دون تنفيذ تعهده، خاصة مع تصاعد نشاط الحركة خلال السنوات الثلاث الماضية، واستمرار ضعف القوات الأمنية الصومالية في التصدي لعناصر الحركة في العديد من المناطق الصومالية، وهو ما جعلها ورقة ضغط بيد المعارضة السياسية الصومالية ضد فرماجو في المعركة الانتخابية المقبلة بهدف إقصائه من خلال تأليب الرأي العام الداخلي ضده، وإن كانت تمثل تحديًا وجوديًّا لل المرشحين المحتملين للرئاسة الصومالية في الانتخابات المزمع عقدها في فبراير/ شباط 2021.

وتجدر الإشارة إلى أن الجيش الصومالي لا يواجه حركة الشباب بمفرده، فهناك العديد من القوات العسكرية التي تسهم في مكافحة الحركة مثل قوات بعثة الاتحاد الإفريقي “أميصوم” التي تتمركز في البلاد منذ عام 2007 ويصل عددها حاليًّا إلى 18 ألف جندي تقريبًا من دول أوغندا وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا وبوروندي ونيجيريا وسيراليون وغانا، كما تشارك القيادة الأمريكية الجديدة في إفريقيا “أفريكوم” في تلك المواجهة حيث تنشر الولايات المتحدة الأمريكية 700 جندي في الصومال للقيام بمهام متعددة مثل تدريب القوات الصومالية، وتنفيذ غارات جوية بالطائرات بدون طيار التي تنطلق من بعض القواعد في كينيا وجيبوتي وإثيوبيا -قبل إغلاقها- ضد معاقل حركة الشباب المجاهدين التي صنفتها كتنظيم إرهابي عام 2008، والتي يتراوح عدد عناصرها ما بين 5000 عنصر و9000 عنصر. علاوة على إسهام بعض القوات البريطانية والتركية في تدريب القوات الصومالية لتعزيز قدراتها القتالية لدحر الإرهاب في الصومال.

خريطة للموقف السياسي في الصومال

وفي ضوء السياق الحالي على الساحتين الصومالية والإقليمية، تبرز أزمة أمنية ثلاثية الأبعاد قد تُسهِم في استمرار نشاط حركة الشباب وتصاعد نشاطها وإعادة تمركزها وتوسعة نطاق سيطرتها على مساحة جغرافية أكبر في الصومال، وربما التمدد إلى دول الجوار الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي، الأمر الذي يهدد استقرار وأمن الصومال والمنطقة في المرحلة المقبلة.

فمن ناحية، تلعب حالة الصراع السياسي وعدم الاستقرار في إثيوبيا دورًا في الإضرار بأمن الصومال نتيجة التأثير الجيو-أمني وبحكم الجوار الجغرافي المباشر بين البلدين، فضلاً عن كون أديس أبابا تشارك بقوات عسكرية ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لحفظ السلام إضافة إلى قوات أخرى خاصة غير منخرطة في البعثة.

ومن ناحية أخرى، يأتي قرب موعد انعقاد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في الصومال والمقرر إجراؤها في ديسمبر/ كانون الأول 2020 وفبراير/ شباط 2020 والخلافات حولها بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وبعض الولايات الإقليمية عبئًا أمنيًا واضحًا على القوات الصومالية التي تتسم بضعف قدراتها وكفاءتها، وهو ما يعني فرصة مواتية لحركة الشباب لتعطيل الانتخابات في بعض المناطق التي تسيطر عليها، خاصة إذا انسحبت القوات الإفريقية من الصومال كما هو مخطط لها في فبراير/ شباط 2021.

ومن ناحية ثالثة، جاء قرار ترامب بسحب غالبية قوات العمليات الخاصة الأمريكية من الصومال بحلول منتصف يناير/ كانون الثاني 2021 صادمًا للأوساط الرسمية والشعبية الصومالية، ما ينطوي على المزيد من التأزم في الأوضاع الأمنية الصومالية خلال المرحلة المقبلة، فضلاً عن احتمال تأزم القوات المناهضة لحركة الشباب المجاهدين في الصومال والقرن الإفريقي.

عناصر من شباب المجاهدين

ومن ثَمَّ، قد يمثل ذلك دافعًا نحو استمرار نشاط حركة الشباب المجاهدين في البلاد وتوسع نطاق سيطرتها على أكبر مساحة جغرافية في البلاد، كما تبرز أيضًا عدد من المؤشرات التي تعزز هذا الطرح خلال المرحلة المقبلة، يتمثل أبرزها في:

1- تدفق التمويل:

في مؤشر إلى تورط بعض الأطراف الخارجية في التعاون مع حركة الشباب المجاهدين، أشار تقرير للأمم المتحدة صدر في سبتمبر/ أيلول 2020 أن حركة الشباب تستخدم أسلحة مصنوعة في كوريا الشمالية في هجماتها ضد المؤسسات الصومالية والدولية على مدار العام الحالي، وذلك على الرغم من نفي كوريا الشمالية الرسمي والتأكيد على موقفها الثابت من التصدي للإرهاب بكل أشكاله ومظاهره.

ووفقًا لتقرير صدر عن مجلس الأمن الدولي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فقد تنوعت موارد تمويل حركة الشباب المجاهدين لتصل إلى ملايين الدولارات من الرسوم الجمركية التي تفرضها الحركة على المركبات التي تنقل البضائع، كما تُطالب الشركات بدفع رسوم شهرية وتحصيل الزكاة بالقوة، كما أنه يوجد توسع في المعاملات النقدية من خلال البنوك الصومالية لا سيما بنك سلام الصومالي واستخدام الحسابات المصرفية وخدمات الهاتف الإلكترونية، وتستثمر الحركة أيضًا في قطاع العقارات والشركات. كما أن للحركة توغلاً في ميناء مقديشو حيث تقوم بعمليات ابتزاز للمستوردين لدفع ضريبة على البضائع.

وقد حققت حركة الشباب إيرادات في الفترة ما بين ديسمبر/ كانون الأول 2019 وأغسطس/ آب 2020 تبلغ 13 مليون دولار؛ بواقع 2.4 مليون دولار من نقاط التفتيش في منطقة جوبا السفلى في جنوب الصومال، و5.8 ملايين دولار من شركات الشحن في مدينة كسمايو الساحلية الجنوبية. فضلاً عن رصد حسابات بنكية تابعة للحركة تمتلك 4.7 ملايين من التجار ووكالات الشحن ووكلاء السيارات. وقد جمعت حركة الشباب المجاهدين خلال عام 2019 أكثر من 21 مليون دولار، أنفقتها على المقاتلين والأسلحة والاستخبارات، ما يشير إلى تعزيز القدرات المالية للحركة، والتي تسمح لها بتمويل عملياتها الإرهابية وشراء السلاح وتجنيد المزيد من العناصر الصومالية والأجنبية أيضًا خلال الفترة المقبلة.

2- انسحاب أمريكي محتمل:

في إطار عملية انسحاب عالمية للقوات الأمريكية قبل مغادرته البيت الأبيض، يعتزم الرئيس ترامب سحب معظم قوات بلاده من الصومال، وفق ما أعلن البنتاجون في 5 ديسمبر: كانون الأول 2020، وهو ما يتنافى مع الخطوات الأمريكية خلال الفترة السابقة في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب في الصومال، ففي مارس/ آذار 2017 وافق الرئيس الأمريكي ترامب على اقتراح البنتاجون بتوسيع نطاق الضربات الجوية الأمريكية ضد حركة الشباب في وسط وجنوب الصومال.

وفي عام 2019، نفذت واشنطن نحو 63 غارة جوية على أهداف لحركة الشباب المجاهدين، وخلال الفترة بين يناير/ كانون الثاني 2020 ومايو/ أيار 2020 أجرت نحو 40 غارة جوية، وهي زيادة كبيرة مقارنة بعدد الضربات الجوية التي أطلقتها واشنطن في 2016 تحت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، وهي 14 غارة.

وقد لاقى قرار ترامب استياء المسؤولين الصوماليين والكينيين، حتى أن الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو قد دعا واشنطن إلى التراجع، وأكد الدور المحوري الذي تلعبه الشراكة الأمريكية الصومالية في تحقيق الاستقرار في البلاد، ومن المُرجّح أن يفاقم انسحاب القوات الأمريكية المحتمل من الوضع الأمني الهش في الصومال التي تعاني من الهشاشة الأمنية منذ 3 عقود.

3- فشل التفاوض مع حركة الشباب:

أشارت تقارير إلى محاولة واشنطن الدخول في مرحلة تفاوض مع حركة الشباب خلال الفترة الأخيرة، إلا أن تلك المفاوضات قد فشلت، وهي التي يرى مراقبون أنها ضرورية لحماية المصالح الأمريكية في شرق إفريقيا.

وتعددت المحاولات الأمريكية في تفكيك حركة الشباب، حيث تمثلت إحدى خططها في القضاء على 12 من قيادات الحركة الذين تربطهم علاقة قوية بتنظيم القاعدة للحد من تهديد الحركة لواشنطن.

4- نية بعض القوات الإفريقية مواصلة البقاء في الصومال:

صرحت وزيرة الدفاع الكينية، Monica Juma، بأن القوات الكينية ستظل في الصومال لحين إعادة الاستقرار في البلاد، والقضاء على حركة الشباب المجاهدين، وهو ما قاله الرئيس الكيني، أوهورو كينياتا، بأن بلاده ستظل جزءًا من القوات الإفريقية لحين استقرار الأوضاع في الصومال، ما سينعكس على إصرار حركة الشباب على المزيد من تنفيذ عمليات إرهابية ضد القوات الكينية في الداخل الصومالي، واستمرار الهجمات الإرهابية في إقليم شمال شرق كينيا وفي مناطق أخرى من الداخل الكيني وتجنيد المزيد من العناصر وخلق بؤر وخلايا تابعة للحركة هناك.

5- تمدد نشاط الحركة إقليميًّا:

تعد الحركة مصدر تهديد لأمن بعض دول المنطقة مثل أوغندا وتنزانيا، حيث يتورط بعض عناصر الحركة في تدريب عدد من مقاتلي تنظيم أنصار السنة في شمال موزمبيق، للدرجة التي دفعت التنظيم إلى تسمية نفسه بحركة الشباب، كما تتورط الحركة في العديد من الهجمات الإرهابية في كينيا، فضلاً عن تهديدها المحتمل لإثيوبيا في ضوء الصراعات الدائرة في الداخل الإثيوبي التي تمثل بيئة ملائمة لها بالتغلغل المحتمل داخل الأراضي الإثيوبية، وتظل رغبة حركة الشباب قائمة في تزعم الإرهاب في منطقة شرق إفريقيا على حساب تنظيم “داعش”، الذي تنشط بعض عناصره، ويبلغ عددهم نحو 250 فردًا بقيادة عبد القادر مؤمن -وهو قيادي منشق من حركة الشباب- في جبال “جلا-جلا” في ولاية بونت لاند شمالي شرق الصومال.

عناصر شباب المجاهدين مدججين بالسلاح
ثانيًا: تداعيات بقاء حركة الشباب

ثمة عدد من التداعيات المحتملة لاستمرار حركة الشباب المجاهدين وتصاعد نشاطها في الصومال والقرن الإفريقي خلال المرحلة المقبلة داخليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، فانسحاب القوات الأمريكية الوشيك في يناير/ كانون الثاني 2021 يمثل مأزقًا خطيرًا للحكومة الصومالية، خاصةً أنها مقبلة على الاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر/ كانون الأول 2020 وفبراير/ شباط 2021، كما أنه ضربة للجيش الصومالي، كون تلك القوات تدعم العمليات العسكرية واللوجيستيات للقوات الصومالية.

1- المزيد من التهديدات لدول المنطقة

من شأن الانسحاب الأمريكي تشجيع حركة الشباب وبعض التنظيمات النشطة على التورط في المزيد من التهديد لدول المنطقة والمصالح الإستراتيجية هناك، لكونه سيعطي مساحة حركة كبيرة لتنظيم الشباب في التوسع الإقليمي في الصومال، وامتدادها عبر الحدود إلى جواره الإقليمي واضطلاعه بتنفيذ هجمات حرب العصابات والتورط في المزيد من التفجيرات والاغتيالات، والمزيد من السيطرة على الأرض وتوسيع الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها حركة الشباب، وما يترتب عليها من زيادة موارد التمويل للحركة من خلال إيرادات الزكاة التي تُحصِّلها الحركة من مناطق سيطرتها، وزيادة عمليات اختطاف الأجانب مقابل فدية.

2- زيادة تماسك وحدة حركة الشباب

ومن المحتمل أن يزداد تماسك وحدة حركة الشباب، وبالتالي صعوبة حدوث حالات انشقاق داخل الحركة، خاصة عقب حادثة المتحدث السابق باسم الحركة، مختار روبو، الذي انشق عن الحركة واستسلم للحكومة الفيدرالية التي أساءت معاملته وقُبِض عليه لمحاولته المشاركة في الانتخابات الإقليمية، ما أدى إلى ضعف الحافز لدى أعضاء الحركة ليحذوا حذوه مستقبلاً.

وهو ما يعزز قدرات الحركة في الداخل الصومالي، الأمر الذي قد يمكنها من استرداد الأراضي التي فقدتها خلال السنوات الخمس الماضية، فضلاً عن قدرتها على إعادة إحياء التجارة والتهريب بين الصومال واليمن من خلال سيطرتها على عمليات التهريب في الجنوب من خلال ميناءي مقديشو وكسمايو.

3- توسيع نطاق تحالفاتها

وفي ضوء تطلعها الدائم للتمدد إقليميًّا، فهناك مؤشرات قوية لتوسيع نطاق العلاقة بين حركة الشباب المجاهدين مع بعض التنظيمات الإرهابية في المنطقة مثل حركة جماعة الحوثي في اليمن المدعوم من إيران، التي تتحالف بنحو خفي مع حركة الشباب بهدف خلق بؤرة استخباراتية وشبكة سرية تابعة لها لتنفيذ وتحقيق أهدافها ودعم مصالحها في الشرق الأوسط وإفريقيا، وهو ما يمثل تهديدًا واضحًا لأمن القرن الإفريقي، خاصة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عند مضيق باب المندب.

4- استمرار غلق الحدود بين الصومال وكينيا

وقد يؤدي نشاط الحركة إلى استمرار غلق الحدود بين الصومال وكينيا للحد من الاتجار بالبشر وتهريب السلع المهربة والإرهاب العابر للحدود، وهو ما يؤثر سلبيًّا في حركة التجارة بين البلدين، رغم أن ذلك لم يمنع تسلل عناصر حركة الشباب إلى الداخل الكيني، وكذلك الاستمرار في تجنيد المزيد من الصوماليين في كينيا لصالح الحركة.

5- فقدان المنجزات الأمنية الأخيرة

انتشار حركة الشباب عبر الحدود الوطنية الصومالية والإقليمية قد يترتب عليه فقدان أي مكاسب أمنية أنجزت خلال السنوات الأخيرة، وآثار سلبية تخص الأمن الجماعي لمنطقة شرق إفريقيا بنطاق أوسع، خاصة أن الخطط الأمريكية والإقليمية التي تشير إلى الانسحاب من الصومال تتزامن مع اندلاع الصراع الإثيوبي ما يهدد بتمدده إلى دول الجوار الإقليمي، بما ينطوي عليه من تحول منطقة القرن الإفريقي إلى ساحة حرب إقليمية أوسع نطاقًا، تؤدي إلى زعزعة الاستقرار والأمن الإقليمي في المنطقة، كما أن سحب إثيوبيا، التي تتمتع بنفوذ واسع على التطورات الأمنية الصومالية، عدة آلاف من قواتها المتمركزة في الصومال من شأنه خلق فراغ أمني يُمكِّن التنظيمات الإرهابية، خاصة حركة الشباب وتنظيم داعش، من تعزيز دورها واتساع نطاق سيطرتها الجغرافية في الصومال، وتمدد تهديداتها إلى دول الجوار.

6- زيادة نفوذ بعض القوى الكبرى

ومن شأن الفراغ الأمني الذي قد يواجهه الصومال خلال الفترة المقبلة أن يؤدي إلى زيادة نفوذ بعض القوى الكبرى الأخرى مثل روسيا والصين على حساب النفوذ الأمريكي، فمن المؤكد أن انسحاب واشنطن ستترتب عليه آثار جيوسياسية بعيدة المدى على الصعيد الداخلي الصومالي والصعيد الإقليمي في نطاق منطقة القرن الإفريقي، فمن الراجح أن تستفيد روسيا والصين وبعض القوى الإقليمية من انسحاب القوات الأمريكية. فالصين لديها علاقات وثيقة مع الصومال، وتشعر بالقلق إزاء تزايد عدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي. ففي فبراير/ شباط 2020 هاجمت حركة الشباب طاقم بناء صيني على طريق لامو-جارسن الكيني، وقد يؤدي الانسحاب إلى تزايد مثل تلك الهجمات.

ومع وجود بعض القوى الدولية التي تنخرط في الحرب ضد الإرهاب في إفريقيا مثل بريطانيا وفرنسا، فإنها لن تعوّض شريكًا قويًّا مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فعلى الرغم من أن فرنسا قد دعمت الجهود الكينية لمكافحة حركة الشباب المجاهدين في الصومال عام 2011، فإنها تُركِّز خلال الفترة الحالية على وقف موجة الإرهاب والتوترات المتصاعدة في منطقة الساحل والصحراء، كما أن بريطانيا تدرب بعض عناصر الجيش الصومالي في مدينة بيدوا جنوب غرب الصومال، إلا أنها تفتقر إلى الخبرة الكافية في تنفيذ هجمات بطائرات دون طيار على النموذج الأمريكي ضد معاقل حركة الشباب الصومالية.

7- تواضع دور الاتحاد الإفريقي والاستعانة بشركات أمن خاصة

وفي ضوء هذا الوضع، قد يشهد الأمر مطالبة الحكومة الصومالية للاتحاد الإفريقي بزيادة الدعم، رغم أن تدخل الاتحاد العسكري غير مطروح على الأرجح، فمنذ عام 2017 دعا الاتحاد إلى تسليم المسؤوليات عن مكافحة الإرهاب إلى الجيش الصومالي، وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2020 كرر الاتحاد خطته للانسحاب من الصومال عسكريًّا في أوائل 2021، ما يعني احتمال مواجهة الصومال لصدمة ثنائية من انسحاب محتمل للقوات الأمريكية وكذا انسحاب قوات الاتحاد الإفريقي “أميصوم” من الصومال.

هذا الأمر قد يدفع نحو الاستعانة بشركات الأمن الخاصة لبعض القوى المنخرطة في منطقة القرن الإفريقي، مثل الصين، للدفاع عن الاستثمارات التي تمتلكها في دول المنطقة مثل إثيوبيا وجيبوتي، ما يعزز النفوذ الصيني في البحر الأحمر على حساب الولايات المتحدة، كما يمكن لروسيا توسعة نفوذها في المنطقة على حساب انسحاب الولايات المتحدة، فقد طلب الصومال من روسيا عام 2016 المساعدة لمكافحة الإرهاب ضد حركة الشباب المجاهدين.

ومن المرجح أن تتجدد تلك المطالبات حال انسحاب واشنطن من الصومال، ما يعزز المساعي الروسية لإنشاء قاعدة بحرية في القرن الإفريقي، خاصة أن وزارة الدفاع الأمريكية قد ذكرت في يناير/ كانون الثاني 2020 أن روسيا اعتبرت ميناء بربرة في أرض الصومال “الموقع المثالي” للقاعدة البحرية الروسية المحتملة، بعدما أحبطت واشنطن مساعيها لتأسيسها في جيبوتي.

نفس الأمر يتعلق باحتمالية تدافع العديد من القوى الدولية والإقليمية نحو استغلال الظرف الأمني الصعب التي يمر به الصومال لإقامة قواعد عسكرية في الصومال بحجة حفظ الأمن ومحاربة الإرهاب وتدريب القوات الصومالية، وهو ما نجحت فيه تركيا التي أقامت قاعدة عسكرية في الصومال وافتتحتها في أكتوبر/ تشرين الأول 2017 لتدريب الجيش الصومالي.

مؤتمر لحركة شباب المجاهدين
ثالثًا: مستقبل الحركة في القرن الإفريقي

يظل احتواء حركة الشباب المجاهدين في الصومال أو القضاء عليها مرهونًا بوجود إرادة دولية قوية في تعزيز قدرات الجيش الصومالي لمواجهة تهديدات الحركة في الداخل، ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية الصومالية لإنهاء حالة الاستقطاب السياسي التي تعاني منها البلاد خلال السنوات الماضية، لتكثيف الجهود وتوحيدها لمواجهة خطر الإرهاب وحركة الشباب.

ينطبق ذلك أيضًا في نطاق القرن الإفريقي الأوسع بالحيلولة دون انخرط المنطقة في حالة فوضى أمنية في ضوء ما قد يترتب على الصراع الإثيوبي من تداعيات سلبية على الأمن الإقليمي، فمن المحتمل أن يؤدي استمرار الحركة في الصومال والمنطقة إلى مزيد من عسكرة القرن الإفريقي الذي يوشك أن يتحول إلى معسكر كبير للقواعد العسكرية للعديد من القوى الدولية والإقليمية، ليطوي صفحة من صفحات الاستقرار النسبي خلال الفترة المقبلة وما تستتبعها من مآلات سلبية على المستويات كافة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد عسكر

باحث مختص في الشأن الإفريقي بمركز الأهرام

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram