وجهات نظر

انشغالات حول “أُمِّيًّة النبي”.. هل كانت معجزة؟

محمد-حمدي

من الشائع لدى أوساط من المسلمين أن النبي كان أُمِّيًّا، بمعنى أنه غير متعلم، ومن هذه المفردة اعتدنا أن نطلق وصف “الأُمِّيّ” على الجاهل بالقراءة والكتابة.. لكن هل الجهل -كمصطلح- مقصور على وصف من لا يعرف القراءة والكتابة؟ وهل كل من لا يعرف القراءة والكتابة هو بالضرورة جاهل بكل شيء؟ وهل كانت “أُمِّيًّة النبي” معجزة فعلا؟

لا يدرك كثيرون أن العرب وقت النبي لم يكونوا أهل تدوين بالأساس، وبالتالي لا يمكن أن يوصف النبي وحده دون معظم العرب بالجهل (أو الأُمِّيًّة التي تعني الجهل). كذلك، وبينما يصر دعاة الإعجاز العلمي وغيره في القرآن على أمية النبي بمعنى أنه جاهل بالقراءة والكتابة، لا نجد أحدهم يأتي على ذِكر ثقافة وعلوم كثير من الحضارات المعاصرة لحياة النبي والمجاورة لشبه الجزيرة العربية، الرسول نفسه انطلق وهو صغير في رحلات الشتاء والصيف إلى اليمن والشام، واشتغل بالتجارة سنوات طويلة قبل بعثته، والتقى واحتك بكثير من أصحاب المعارف هنا وهناك.

أُمِّيًّة النبي هل هي معجزة؟

تبدو أُمِّيًّة النبي للوهلة الأولى فكرة براقة تفتح مساحة للقول بأن ما كان يأتي به من فعل أو قول يخص أمور الدنيا إنما هو إعجاز في حد ذاته، إذ كيف لرجل “أُمِّي” أن يعطي نصائح طبية مثلاً، كالحجامة وشرب العسل، إلا إذا كانت نصيحته وحيًا من الله، وبالتالي يكون اتِّباعُها اتباعًا لسنة النبي وتقربًا إلى الله باتباع نصيحة النبي في ذاتها دون سواها؟

يبدو الأمر هكذا كأنه إمعان في التأكيد على جهل النبي في العموم لا جهله بالقراءة والكتابة، وإمعان في إخفاء ما هو معلوم من تاريخ الحضارات بالضرورة، أن الحضارات المزامنة والمتاخمة لدولة النبي كانت على قدر من المعرفة العلمية، وأن العرب، ولا سيما عرب مكة، كانوا -على الأقل- عرضة لشيء من هذه المعارف والعلوم، بما يجعل من “جهل” النبي فكرة هزيلة لا تستقيم.

قد يجد الكلام في هذا السياق صدى لدى العروبيين مثلاً، لكن الكثير من الشعبويين لن يُقرّوا به لأنهم سيفقدون بهذا أريحيتهم، وهم يحوِّلون أي معلومة يتضمنها كلام النبي -في السنة والكتاب على السواء- إلى معجزة غير مسبوقة، كأنّ حديث النبي عن الاحتجام كان بدعًا من القول حين قال به ولم يسبق للعرب أن مارسوه، وكأن الإنسان لم يكن يعرف بالتجربة أنه عندما يصعد جبلاً عاليًا سيشعر بضيق في التنفس، حتى نزلت آية “ومَن يُرِدْ أن يُضِلَّه يَجعلْ صَدرَه ضيِّقًا حَرَجًا كأنما يَصَّعَّدُ في السماء” (الأنعام 125) الآية التي يعدونها إعجازًا علميًّا في القرآن، أو كأن العرب في كل تاريخهم قبل الإسلام لم يروا أطوار الجنين في أية حوادث إجهاض أو بَقْر لبطن امرأة حبلى، ليتفاخروا بالإعجاز العلمي في آية “ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنا العِظَامَ لَحمًا، ثم أنشأناه خَلقًا آخر” (المؤمنون 14) الآية التي يرفعونها في وجه من يُنكرون الإعجاز العلمي في القرآن، فأنكروا معلومًا من العِلم الحديث بالتجربة، وأعطوا فرصة لمن يعادون الإسلام نفسه كي يستخدموا الآية نفسها في تسفيه القرآن، وإظهاره ككتاب علوم فاشل، رغم أن القرآن ليس بكتاب علوم، وليس من مهامه أن يكون كتاب علوم أصلاً، فهو الذي يضم آية تقول “ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين” (البقرة 2) ولم تقل “فيه علوم للمتقين”.

إقرأ أيضا: كيف تضخمت معجزات الرسول في المدونات الإسلامية عبر الأجيال؟

العرب كانوا أهل علم

يشير المفكر والأديب والسياسي السوري محمد أسعد طلس (1913 – 1959) في كتابه “التربية والتعليم في الإسلام” إلى أن “النهضة التي ظهرت يوم قيام الرسول الكريم كانت نتيجة طبيعية لحركات حضارية سابقة، ونتيجة لمقدمات حضارية متسقة تعتمد على التربية والأسس العلمية التي تدرج عليها العرب في دولهم قبل الإسلام. فلما جاء الإسلام اشتد ساعدها، واكتملت مقوماتها فوزعوها على العالم”.

ويذكر أسعد طلس أيضًا أن العرب كانت لديهم “كتاتيب” يتعلمون فيها أخبار العرب الأوائل وحروبهم وقصصهم، وعلم الأنساب، والمعلومات الجغرافية عن الكون والبلدان المحيطة بهم، ومعلومات فلكية وطبيعية يعضدها ما جاء في أشعارهم، إلى جانب معرفة جيدة بالطب والبيطرة والصيدلة، سواء أكان من خلال تجاربهم أم ما نقلوه من خبرة جيرانهم الكلدانيين. وفي مجال الطب بالتحديد نجد أسماء لامعة مثل حكيم العرب لقمان، وابن حزيم، والحارث بن كلدة الثقفي، والعاص بن وائل السهمي الذي كان بارعًا أيضًا في علم الحيوان.

كل هذا يدل دلالة قاطعة، في رأي طلس، على أن العرب قبل ظهور الإسلام كانوا أمة مثقفة لها علم ولها اطلاع على كثير من مقومات الحضارة، كما كانت لهم معرفة بقواعد التربية والتعليم ومؤسسات خاصة بالتربية والتعليم.

لقد عمم القرآن صفة الأمية على العرب، فالآية تقول “هُو الذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنهُم” (الجمعة 2) وهو ما يأخذنا إلى استنتاج من اثنين، الأول أن النبي وقومه جميعًا أميون، بمعنى أنهم جاهلون بكل شيء، وهو ما لا يستقيم إذا أخذنا في الاعتبار علوم العرب وثقافتهم وأدبهم من قبل أن يولد النبي أصلاً، والثاني أن الأمية هنا لا تعني الجهل في عمومه، وإنما تعني شيئًا آخر.

لكن يشيع في التفاسير أن المراد بالأميين في الآية هم العرب. يقول السعدي في تفسيره إن الأميين هم بالتحديد مَن لم يَنزِل فيهم كتاب من الله ولا رسالة، وهذا يضم العرب وغيرهم. ويزيد ابن كثير في تفسيره أن تخصيص الأميين بالذكر لا ينفي مَن عداهم. أما القرطبي فيقول “قال ابن عباس: الأميون العرب كلهم، مَن كَتَب منهم ومَن لم يَكتُب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب. وقيل: الأميون الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش”.

الأُمِّيًّة والأمة والنبي

المفكر السوري الراحل الدكتور محمد شحرور، يرى من خلال تأملاته في القرآن أن لفظة “الأمي” أو “الأمييين” إنما هي صيغة نسب إلى كلمة “أمة” التي وصف القرن بها النبي إبراهيم في آية “إن إبراهيم كان أمة” (النحل 120) ويقصد أن العرب هم من نسل إبراهيم، وقد جاء في تفسير ابن كثير أن “الأمة” هو الإمام الذي يُقتدَى به، وأورد ما نقله سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت، فقال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله. كما أورد قول قتادة إن “أمة” تعني أن إبراهيم كان كأنه أمة وحده، أي شعب أو قوم.

إذًا لا علاقة للأمية هنا بالجهل، وإن كانت لها علاقة فهي ليست أكثر من أنه جهل بالقراءة والكتابة فقط، باعتبار أن التدوين لم يكن من الأمور الشائعة عند العرب، ولم تصل إلينا مخطوطات أو شواهد أركيولوجية على ذلك، بل كل ما وصل إلينا أنهم كانوا يستخدمون الكتابة بالفعل ولكن في نطاق محدود، وإن كان العرب في معظمهم أميين جهلاً بالقراءة والكتابة بالفعل، فهم معروفون بأنهم أهل الفصاحة والبلاغة، وأن الشعر هو ديوانهم. ولعلنا إذا أخذنا في الاعتبار أن النبي اتخذ بعضًا من أصحابه كتبة للوحي، ولم يكتب هو بنفسه، ندرك أن النبي لم يكن يقرأ ولا يكتب، وكذلك كثير من أصحابه، لكن مَن ملكوا الدنيا وأسسوا واحدة من أعظم إمبراطوريات التاريخ ليسوا بجاهلين جهلاً تنعدم به المعرفة.

أُمِّيَّة النبي لا تعني الجهل

لا مفر من الإقرار بأن جهل غالبية العرب بالقراءة والكتابة لم يكن يعني أنهم غير مثقفين ولا يحوزون أية معارف، بل كانوا يتلقون المعرفة شفاهة وبالخبرة العملية، كالأعمى الذي وُلِدَ محرومًا من حاسة البصر، وتلقى المعارف سماعًا حتى نال الماجستير والدكتوراه، بل وصار يلقي معارفه على الناس عِميانًا ومبصرين. كذلك كانت حال العرب حتى اكتسبوا خبرة في “صناعة التدوين”، ووجدوا حاجة إلى النسخ مع توسعاتهم الجغرافية كي يتواصلوا مع غير العرب، وبدؤوا من القرن الثاني الهجري عصرًا ذهبيًّا، دونوا فيه من المعارف ما وجد المغول كفايتهم منه في مكتبة بغداد وحدها، ليصنعوا جسرًا من الكتب فوق نهر الفرات كي يعبوه بخيولهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى