زوايا

انقلاب في “وول ستريت”.. هل يحقق “روبن هود” ديمقراطية التدوال؟

ربما سمعت عن ملحمة أسهم الميم خلال الأسابيع القليلة الماضية، عندما تمكن مجموعة من المستثمرين الأفراد من تحقيق أرباح بمليارات الدولارات على حساب المؤسسات المالية الكبرى في “وول ستريت” فيما شبهه البعض بمواجهة “النبي داوود” مع الملك العملاق “جالوت”.

ضربة مباغتة للكبار

روبن هود
روبن هود

تعود القصة إلى يناير الماضي، عندما تمكنت مجموعة كبيرة من صغار المتداولين الأفراد، الذين ينسقون قرارات استثماراتهم عبر عدد من منتديات الإنترنت مثل منتدى r/WallStreetBets على موقع Reddit الذي يضم وحده أكثر من مليوني عضو، من التحول إلى قوة دافعة للصعود الصاروخي لعدد قليل من الأسهم التي لم تكن تحظى بشعبية في السابق.

لم تقتصر أهمية الحدث على تحقيق بعض الأفراد كمّا من الأرباح من عملية تداول عادية، فقد ركزوا على عدد من أسهم الشركات المتعثرة مثل GameStop وAMC Entertainment وBlackberry، فأُطلق عليها مصطلح “أسهم الميم” (Meme Stock)، كتعبير عن طريقة انتشارها نسبه إلى كلمة ميم (meme) التي تعرف على أنها فكرة ما أو ميزة ثقافية أو سلوك أو نمط ينتشر عن طريق التقليد من شخص لآخر داخل ثقافة ما، وغالبًا ما يحمل معنى رمزيًا، وقد يشمل فكرة أو صورة أو فيديو، وما إلى ذلك، والتي تنتشر بسرعة كبيرة عبر الإنترنت.

وكانت المؤسسات المالية الكبرى راهنت ضد هذه الأسهم من خلال عمليات كثيفة من البيع على المكشوف، وهو ما يعرف اختصارًا ببيع ورقة مالية قبل تملكها بهدف شرائها لاحقًا بقيمة أقل، وبالتالي تحقيق ربح مساو للفرق بين سعر البيع المكشوف وسعر الشراء ناقصًا الفائدة التي يدفعها المستثمر نظير اقتراض الورقة المالية في الفترة ما بين البيع والشراء.

وهو ما تمكَّن متداولو موقع Reddit من رصده بعد أن خفَّضت الصناديق المالية الكبرى أسعار تلك الأسهم بقوة، لتُفاجَأ بصعودها الصاروخي، مما أضطر تلك الصناديق لإعادة شراء نفس الأسهم بأسعار مرتفعة لتسوية عملية البيع على المكشوف، متكبدةً خسائر بلغت على أقل تقدير 20 مليار دولار خلال أيام معدودة، والتي ذهبت إلى جيوب مئات الآلاف من صغار المستثمرين.

تسبب متداولو موقع Reddit في زلزال بـ”وول ستريت” لم يتبين مداه بعد، وطرحوا أسئلة كبرى حول مدى التغيير الذي نحن بصدده، خصوصاً بعد أن كرروا نجاحهم مع أسهم الميم في المضاربة على معدن الفضة ثم بعض العملات الرقمية المشفرة، ليصلوا بها إلى مستويات قياسية متحدين السوق الأوسع.

ديمقراطية من أسفل؟

أوباما على تويتر
أوباما على تويتر

شهد العقدان الماضيان ثورة اتصالات أطلقتها منصات وسائل التواصل الاجتماعي، مثل “فيسبوك” و”تويتر” وغيرها، والتي نجحت في تغيير طريقة تواصلنا وتفاعلنا بشكل جذري.

وكانت انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2008 أول اختبار حقيقي لقوة التقنية الجديدة، حيث نجحت حملة المرشح الديمقراطي في ذلك الوقت، باراك أوباما، في استغلال قوة المنصات الجديدة إلى أقصى درجة، لم تقتصر على تسهيل علميات جمع التبرعات، بل امتدت إلى حشد المتطوعين وتنظيم الفعاليات، لتشمل جوانب الحملة كافة.

وتطور الأمر مع ثورات الربيع العربي التي أعقبت ذلك، لتلعب وسائل التواصل دورًا محوريًا في الحياة السياسية والاجتماعية.

ما حدث مع منصة Robinhood يأتي ضمن سياق هذا التطور الجارف الذي مكّن المستخدمين العاديين من أدوات القوة التي كانت من قبل حكراً على المؤسسات الكبرى، كما قالت النائبة الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، ذات التوجهات التقدمية، عبر تطبيق Twitch: “ما حدث في حالة منصة Robinhood وخلال عمليات التداول تلك، هو أن الأشخاص العاديين بدأوا في التعرف على نقاط الضعف في نظام كان منيعاً تقليدياً، واستغلوها”.

أوكاسيو- كورتيز شبهت الجهود التي يقودها متداولو موقع Reddit وأمثالهم بما حدث مع الحركة السياسية الشعبية التي ساعدتها في الفوز بمقعدها في الكونجرس في عام 2018، معتبرة أن كليهما يمثل محاولة للقضاء على “استغلال مماثل” من قبل الأثرياء، وهي وجهة نظر لا يبدو أنها تجمع دعماً كبيراً من الحزبين في واشنطن.

وجهة نظر أوكاسيو- كورتيز تتركز على أن المنصات “ذات الطابع الديمقراطي” التي ظهرت في كلٍ من مجال جمع التبرعات السياسية وتداول الأسهم، بدأت في نقل السلطة بعيداً عن الأغنياء، مستشهدةً بوجود تشابه بين عدد من أعضاء مجلس النواب خلال عامها الأول كنائبة في عام 2019، ممن ينتمون إلى كلا الحزبين، والذين استفادوا من تبرعات صغيرة من أشخاص متعددين بدلاً من الاعتماد على التبرعات الكبيرة من الأثرياء. لقد سمح التقدم التقني بمزيد من الوصول إلى التبرعات السياسية الصغيرة، بطريقة مماثلة لسماح تطبيقات مثل Robinhood للمستثمرين الأفراد بتحدي النظام الحالي.. تشير أوكاسيو- كورتيز.

لكن السؤال الرئيسي الذي تطرحه التقنيات الجديدة، هو مدى قدرتها على تمكين الفئات المهمشة تاريخياً، والتي تفتقد القدرة على التعبير الفعّال عن مصالحها. فسرعان ما أثبتت منصات مثل “فيسبوك” محدوديتها كوسيلة للتمكين السياسي مع انتشار استخدامها وخفوت الزخم الذي ولدته في البداية، وتحولها إلى وسيلة تواصل يومية تقليدية، وربما كانت المبالغة في الرهان على تلك المنصات كأداة تمكين هو المشكلة.

مثلما كان الرهان داخل النظام المالي على التقنيات المرتبطة بالعملات الرقمية المشفرة على سبيل المثال، وخاصة تقنية “بلوك تشين”، والتي تستخدم في حفظ السجلات، والتي قدمت في البداية باعتبارها أداة بديلة عن الاعتماد على المؤسسات المالية التقليدية مثل البنوك ومكاتب المحاسبة، بهدف منح النظم المالية مزيداً من الطابع الديمقراطي (Democratization)، قبل أن تتبناها البنوك الكبرى وتحولها إلى أداة جديدة ترسخ هيمنة المؤسسات المالية الكبرى على النظام المالي العالمي.

فيالق “روبن هود” الغامضة

فلاديمير تينيف وبايجو بهات مؤسسا روبن هود
فلاديمير تينيف وبايجو بهات مؤسسا روبن هود

لكن الموجة الجديدة التي يقودها فيلق من المتداولين الأفراد الهواة، قد تكون مختلفة. لطالما كان الثراء السريع حلماً يطارد الملايين، ولا يدركه سوى حفنة من المحظوظين، والآن نرى ملايين من الهواة ينتزعون المليارات من براثن الأسد.

لقد وجهت الموجة الجديدة ضربتها إلى قلب النظام العالمي، إلى المنظومة المالية بالتحديد، مسلحة بترسانة من التقنيات الرقمية الحديثة، أهمها تطبيقات التداول عبر الإنترنت، مثل منصة Robinhood التي تحاول إضفاء الطابع الديمقراطي على تداول الأسهم، والتي توفر إمكانية التداول اللحظي بدون دفع أي رسوم أو عمولات، كما تتيح القدرة على شراء جزء من سهم ما، مما يسهل الاستثمار على صغار المتداولين، ويفتح الباب أمام شرائح واسعة من الراغبين في الاستثمار.

وتواجه المنصة الرقمية الجديدة نفس الاتهامات الموجهة إلى “فيسبوك” بالتربح عبر بيع بيانات عملائها إلى من يرغب، لكن فيما يقر عملاق التواصل الاجتماعي علانيةً ببيعه بيانات عن مستخدميه، يصر تطبيق Robinhood على أنه لا يستغل بيانات العملاء بأي شكل من الأشكال رغم تزايد الادعاءات بأنه يبيع بيانات تداولات العملاء إلى الصناديق المالية الكبرى.

بالتزامن مع التطور الجاري، كان وباء كورونا عاملاً آخر مهماً ساعد في نجاح الموجة الجديدة، فقد لعب الإغلاق العام وبقاء الأشخاص في المنزل حول العالم دوراً في تسريع التحول الرقمي حول العالم، ففي عالم اليوم الرقمي، لم تعد التقنية تقتصر على تسهيل التواصل، بل امتدت إلى تسهيل الفعل، لتترك ضغطة أصبعك تأثيرها اللحظي في الحياة الواقعية.

فبالإضافة إلى حِزم التحفيز التي ضختها بعض الحكومات لمواجهة الأزمة الاقتصادية، دفعت الصناديق المالية الكبرى سوق الأسهم الأمريكي إلى ارتفاعات قياسية، حيث سجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (500 S&P) الأمريكي 3913.10 نقطة في 19 مارس 2021 بارتفاع 169.77% من 2304.92 نقطة في 20 مارس 2020، وسجل مؤشر ناسداك التقني (NASDAQ) 13215.24 نقطة في 19 مارس 2021 بارتفاع 192.10% من 6879.2 نقطة، مما وفر المال ووقت الفراغ والسوق الصاعد للمستثمرين الأفراد.

ولا يقتصر الوضع على الولايات المتحدة فقط، فقد شهدت كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، موجة مماثلة. فقد شهدت اتجاه المستثمرين الأفراد الهواة إلى “استثمار القيمة” في الأسهم القيادية معتمدين على استثماراتهم الصغيرة، وأدى دخولهم السوق بقوة خلال العام الماضي إلى ارتفاع هائل في تداول المستثمرين الأفراد وسط جائحة كورونا.

ويعد أغلب المستثمرين الأفراد في البلد الآسيوي من المراهقين أو حتى الأطفال الأصغر سنًا، والذين يشكلون أكثر من ثلثي إجمالي القيمة المتداولة في سوق الأسهم الكوري الجنوبي، مقابل نسبة تقل عن 50% في عام 2019.

حيث اتجه العديد من الآباء المصابين بخيبة الأمل من نظام التعليم، بالإضافة إلى اتجاه جيل الألفية للعمل من المنزل، إلى دعم دخول أبنائهم إلى مجال الاستثمار في الأسواق المالية، فعلى سبيل المثال، تم إنشاء حوالي 70% من حسابات الاستثمار في الأسهم للقصر، فبلغ عددها 214800 حساب في شركة Kiwoom Securities، التي تعد شركة الوساطة الأكثر ملاءمةً للمستثمرين الأفراد في كوريا الجنوبية، خلال يناير 2020 أو بعد ذلك، وفقًا لبيانات الشركة.

هل التغيير قادم؟

روبن هود
روبن هود

يبقى السؤال الرئيسي، هل نحن بصدد تغيير حقيقي يوشك أن يمنح الفئات المهمشة دوراً أكبر اعتماداً على التقنية ودورها في تسهيل التواصل والتنظيم، هذه المرة في قلب النظام المالي العالمي؟ أم ستتحول إلى مجرد موجة محدودة ستتمكن المنظومة العالمية من الصمود أمامها وامتصاصها وربما الاستفادة منها كما حدث من قبل؟!

ليس واضحاً أن الأمر سيكون بتلك البساطة، فالمتغيرات التي شهدها العالم خلال الوباء أكبر من مجرد اتجاه محدود سيخفت مع الوقت، ولكن الأمر يحتاج بالطبع إلى درجة أكبر من وعي الجيل الجديد بالإمكانيات التي أتاحتها التقنية الجديدة أمامهم، والتحول الرقمي الذي تسارع خلال العام الماضي بمعدلات غير مسبوقة، ليصبح العالم الفعلي على بُعد ضغطة زر.

زياد فرج

كاتب اقتصادي ومترجم مصري‎

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى