سياسةمختارات

باشاغا في القاهرة.. ماذا وراء الزيارة؟

 

زيارة هي الأولى من نوعها لمسؤول كبير في حكومة الوفاق إلى مصر منذ نحو عامين، فقد استقبلت القاهرة وزير الداخلية في الغرب الليبي، فتحي باشاغا، ظهر الأربعاء 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، وأحيطت زيارة رجل مصراتة القوي بالسرية، لكن مصادر مقربة من حكومة “الوفاق” كشفت لـ”ذات مصر” أن “مباحثات باشاغا مع المسؤولين المصريين تناولت مجالات التعاون المشتركة، ومنها التنسيق بشأن عودة العمالة المصرية إلى ليبيا خلال الفترة المقبلة مع استقرار الأوضاع هناك، إضافة إلى سبل تأمينهم، خصوصًا أن الفترة الماضية شهدت نشاطًا لمجموعات خارجة على القانون ارتكبت جرائم اختطاف بحق العمالة المصريين، كان آخرها في مدينة بني وليد”.

تناولت الزيارة ما يتعلق بمعبري السلوم ومساعد، بحسب المصادر، حيث تخضع الحدود في الجانب الليبي إلى سيطرة القوات الأمنية التابعة للحكومة الموقتة، وإن كانت المناقشات تتعلق بسبل تسهيل المرور خلال المعبرين في ظل غياب التنسيق بين شرق وغرب ليبيا، ما يمثل مشكلة حقيقية للمسافرين.

أهم ما في الزيارة، وفق المصادر، ما يتعلق بالملف السياسي، وتحديدًا مسألة إعادة تشكيل السلطة الجديدة في ليبيا عقب التوصل إلى توافق بين جميع الأطراف خلال ملتقى الحوار الليبي، المقرر أن يبدأ في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي بتونس، إضافة إلى التفاهمات التي ما زالت على طاولة المناقشات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

فتحي باشاغا

خليفة السراج

ويبرز اسم باشاغا كمرشح لخلافة رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الذي سبق أن أعلن نيته الاستقالة بحلول نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قبل أن يتراجع عنها، مفسحًا المجال أمام استمرار التشاور للتوصل إلى أسماء مقبولة للجميع في الغرب والشرق والجنوب.

وما يرجح كفة وزير داخلية “الوفاق”، بحسب المصادر، أن الأخير أعلن صراحة، خلال لقاء مع إحدى القنوات التليفزيونية، إنه مستعد للتعامل مع رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، والقائد العام للجيش الليبي، المشير خليفة حفتر، ما داما هما اختيار المنطقة الشرقية، ولذا يمكن أن يتولى باشاغا قيادة “الرئاسي”، في حين تبقى حقيبة الدفاع مع حفتر، ما يعد تغيرًا في مواقفه، فقد كان يرفض هذا الأمر طوال الشهور الماضية.

السراج وفتحي باشاغا

هذه الأطروحة تُغضب الكثير من الأصوات في الغرب، التي تتحكم فيها أنقرة، فقد كرر وزير الدفاع في حكومة الوفاق، صلاح الدين النمروش، إشاراته إلى رفض المشاورات الجارية، متحججًا بأنه لا يريد مكانًا للمشير خليفة حفتر، الذي أطلق عملية تحرير طرابلس من الميليشيات في إبريل/ نيسان الماضي، كما حذر عدد من المجموعات المسلحة في الغرب من أنها لن تلتزم بأي من التوافقات التي سيُتَوَصَّل إليها “ما لم تناسبها”.

فوضى الميليشيات

ولا يزعج مصر في ملف الأزمة الليبية أكثر من فوضى الميليشيات المسلحة في الغرب، والتي تمثل تهديدًا حقيقيًّا تتلاعب به قوى إقليمية داعمة للإرهاب، في محاولة لجعلها ورقة تؤرق القاهرة، التي لا تفوت الفرصة في أي مناسبة، سواء على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أو وزير خارجيته، للحديث عن أهمية تطبيق القرارات الدولية بشأن تفكيكها.

هنا لمع اسم باشاغا، إذ تحدث في عدة بيانات رسمية سابقة عن “عمله من أجل هيكلة الأجهزة الأمنية”، وقد حازت تلك المسألة مساحة واسعة من المحادثات خلال زيارته إلى مصر، وفق المصادر، فالجانب المصري يؤكد ضرورة حل المجموعات الموقعة عليها عقوبات دولية، والمدرجة في قائمة الإرهاب.

الوزير الليبي أصدر في 14 سبتمبر/ أيلول الماضي قرارًا برقم 1508 لعام 2020، نص على “تشكيل لجنة تتولى وضع آلية وبرنامج لدمج وتأهيل المجموعات المسلحة والمقاتلين في وزارة الداخلية بحكومة الوفاق”.

الحرب في ليبيا

وبحسب القرار “ستضع اللجنة قاعدة بيانات لتصنيف المستهدفين بالدمج من خلالها إلى 3 فئات بألوان الأخضر والأصفر والأحمر، على أن تدمج وتؤهل فئتا الأخضر والأصفر، وتُفكك الفئة ذات اللون الأحمر”.

باشاغا أجرى العديد من اللقاءات خلال الفترة الماضية مع ضباط القيادة الأمريكية في إفريقيا، أفريكوم، والسفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، تناول معهم ملف المجموعات التي سيجري إدماجها والأخرى التي يجب حلها.

ويرتبط هذا الملف أيضًا بالوجود التركي، الذي يزداد يومًا بعد آخر في الغرب، واستمرار برامج تدريبية لتلك المجموعات المسلحة. وأوضحت المصادر أن هذا الأمر لم يغب عن المناقشات التي دارت بين باشاغا والمسؤولين المصريين.

يقول الباحث السياسي محمد فتحي إن جميع الأطراف في ليبيا أدركت أن حل الأزمة الليبية يأتي من القاهرة، التي فتحت ذراعيها للسلام ولكل من يريد الاستقرار في ليبيا، مشيرًا إلى أن باشاغا اعتاد زيارة الدوحة وأنقرة خلال الشهور الماضية، لكنه اليوم يأتي إلى القاهرة للتشاور مع مسؤوليها، لعلمه بأهمية الحضور إلى مصر خلال المرحلة الحالية.

في هذا الإطار، يرجح فتحي أن ملتقى تونس سيأتي به على رأس الحكومة المقبلة، وأنه جاء إلى مصر من أجل “تسويق” اسمه، وليطمئن بعدم وجود اعتراضات مصرية حال ترشيحه لهذا المنصب.

وأوضح فتحي أن الليبيين يسعون لاختيار أكثر الأشخاص بعدًا عن الميليشيات والمجموعات المسلحة، ومن تورطوا في ارتكاب جرائم بحق الشعب والدولة، وبالتالي يسعى باشاغا للظهور بشكل “المسؤول القادر على مواجهة الميليشيات وإنهاء خطرها”، وهو الأمر الذي فشل فيه الجميع طوال الأعوام التسعة الماضية.

حلم الوصول إلى ليبيا مستقرة وموحدة

باشاغا ضد معيتيق

ويذهب عبد الستار حتيتة، الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الليبي، إلى نفس الأمر قائلاً إن “باشاغا يطمح إلى أن يكون رئيسًا للحكومة خلال الترتيبات الليبية الجارية”، موضحًا أن تلك الترتيبات قائمة على توزيع المناصب السيادية بين الأقاليم الثلاثة، برقة وفزان وطرابلس، فإذا كان رئيس الحكومة من إقليم معين، يجب أن يكون رئيس المجلس الرئاسي من إقليم آخر، وبالمثل بالنسبة إلى رئيس مجلس النواب.

المشكلة التي يواجهها باشاغا، بحسب حتيتة، هي أنه يواجه منافسًا قويًّا من مدينة مصراتة، المحسوبة على إقليم طرابلس، وهو نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق، الذي تمكن خلال الشهر الماضي من التوصل إلى اتفاق مع القيادة العامة بالجيش الليبي، بمقتضاه استؤنف إنتاج وتصدير النفط في البلاد بعد توقف دام 9 أشهر، ولذا أصبح اسمه مطروحًا بقوة لقيادة الحكومة الجديدة.

الباحث السياسي عبد الستار حتيتة

باشاغا يمكن أن يقدم تنازلات، بحسب حتيتة، وهو ما تعلمه القاهرة، وإذا ما تلاقت المصالح يمكن البحث عما إذا كان يستطيع أن يتولى رئاسة الحكومة بترتيبات معينة، ويوضح حتيتة أن الأمر يصب في مصلحة تكسير اللوبي في منطقة الغرب وفرض الحل السياسي والأمني للأزمة الليبية، كما تتصوره بعثة الأمم المتحدة للدعم لدى ليبيا، وكما تدفع باتجاهه مصر.

واعتقد حتيتة أن تفتيت هذه الكتلة (يقصد اللوبي في منقطة الغرب المعارض للاتفاق مع مصر) يعتبر أولوية، وقال: “سنرى ميليشيات تناصر باشاغا يمكن أن تغير مواقفها، خاصة من التحالف مع قطر وتركيا، بعد الزيارة إلى القاهرة والتوصل إلى تفاهم مع المسؤولين بها”.

السيد نجم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى