سياسةمختارات

بالتي هي أحسن.. واشنطن تحقق عدالتها بتعويضات السودان

 

بات السودان على أعتاب مغادرة قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد إعلان الولايات المتحدة نيتها رفع اسم الخرطوم من القائمة، بمجرد أن تدفع تعويضات طلبتها واشنطن منذ 27 عامًا، على خلفية إدراجها ضمن القائمة خلال عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير.

ويتوقف قرار مغادرة قائمة الدول الإرهابية على دفع السودان 335 مليون دولار، تعويضًا عن الهجمات التي شنها تنظيم القاعدة، المدعوم من السودان وقتها، على سفارتي واشنطن في تنزانيا وكينيا عام 1998.

وحمّلت الولايات المتحدة مسؤولية هذه الهجمات، التي أسفرت عن مقتل 213 في نيروبي غالبيتهم كينيون، و11 في دار السلام، لـ22 شخصًا، على رأسهم “بن لادن”.

وترافق حادث السفارتين مع هجمة تفجيرية على المدمرة الأمريكية “يو إس إس كول” في أثناء وجودها في ميناء عدن للتزود بالوقود، وأسفرت عن مقتل 17 بحارًا أمريكيًّا وإصابة 39 آخرين، وأصدرت محكمة أمريكية على أثر هذا الحادث عام 2014 قرارها بدفع السودان تعويضات قدرها 35 مليون دولار.

مكاسب السودان

وبطبيعة الحال، سيحقق السودان، الذي تضرر من وجوده ضمن هذه القائمة طويلاً، مكاسب من وراء هذا القرار الذي اعتبره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة على تويتر مؤخرًا “خطوة كبيرة بالنسبة إلى الخرطوم” وأيضًا “خطوة في اتجاه تحقيق العدالة الأمريكية”، لكن هذا القرار مشروط بموافقة الكونجرس الأمريكي، الذي يملك حق الاعتراض عليه خلال 45 يومًا.

الشكرُ الجزيل للرئيس ترمب على تطلعه إلى إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب، وهو تصنيف كلف السودان وأضر به ضرراً بالغاً. إننا نتطلع كثيراً إلى إخطاره الرسمي للكونغرس بذلك. https://t.co/GeScTPfb0k

— Abdalla Hamdok (@SudanPMHamdok) October 19, 2020

خروج السودان من القائمة سيتيح إمكانية أفضل لإدارة الاقتصاد، ويفتح الباب لتعزيز عودة السودان إلى المجتمع الدولي، ويؤرخ للبداية الفعلية للتخلص من التركة الثقيلة لنظام البشير الذي سقط، بعد أن دفع العالم لحصار السودان، كما أن القرار يؤهله للإعفاء من ديون قدرها 60 مليار دولار، ويدفعه نحو الاستفادة من الاستثمارات الإقليمية والدولية، وفق كلمة متلفزة لرئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك قبل يومين.

وردًّا على سؤال حول المصدر الذي وفر منه السودان مبلغ التعويضات، أكد حمدوك أن المبلغ استُقطِع من الموارد الذاتية للسودان من تصدير الذهب.

أهنئ الشعب السوداني، بهذا الإنجاز العظيم، والمُستحق، شعبنا لم يكُن في يوم من الأيام راعياً أو داعياً للإرهاب.

أود أن أقول إن الطريق طويل أمامنا، ونحتاج للتخطيط الجاد، والعمل معاً للاستفادة القصوى من هذه الفرصة، وعدنا شعبنا وعملنا على انجاز ما وعدنا به. pic.twitter.com/i4KENk1U4X

— Abdalla Hamdok (@SudanPMHamdok) October 19, 2020

علاقات رسمية مع إسرائيل!

يتزامن الإعلان الأمريكي بشأن السودان، مع الحديث الدائر مؤخرًا عن سعي السودان لتوقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل، ورجحت وسائل إعلام إسرائيلية، في أعقاب تصريحات ترامب، أن يمهد خروج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب لتوقيع اتفاق تطبيع بين الخرطوم وتل أبيب.

صحيفة هآرتس الإسرائيلية قالت إن هذه الخطوة قد تدفع إلى إقامة علاقات رسمية بين السودان وإسرائيل وهو إنجاز يضعه ترامب ضمن اهتماماته قبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية المزمع إجراؤها في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ولكن القائمة بأعمال وزير المالية السوداني، هبة محمد علي، شددت خلال مؤتمر صحفي، الثلاثاء الماضي، على أنه لا علاقة بدفع السودان للتعويضات وملف التطبيع مع إسرائيل.

صورة صحيفة هآرتس

وعلى العكس، لم تستبعد الخبيرة في الشأن السوداني في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أماني الطويل، في حديثها إلى “ذات مصر” خطوة التطبيع السوداني الإسرائيلي، خصوصًا في ظل القرار المنتظر بخروج الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وترى أن الأمر رهن تنفيذ الوعد الأمريكي الذي يخضع في النهاية لموافقة الكونجرس.

وبموجب هذا القرار -وفق الطويل- سيتمكن السودان من الحصول على قروض لتحسين وضعه الاقتصادي السيئ، الذي انعكس على عُملته الوطنية، كما أنه سيؤسس لإدماج السودان مرة أخرى في النظام المصرفي العالمي، وستعمل موارد السودان المعدنية والزراعية على تدفق الاستثمارات من الشركات الأجنبية التي طالما كانت تخشى العقوبات الأمريكية إذا أقدمت على أمر مماثل. وعلى المستوى السياسي توقعت الخبيرة في الشأن السوداني أن يعطي القرار دعمًا للحكومة الانتقالية في السودان بالإضافة إلى دعم شخصي لرئيس الوزراء حمدوك، الذي واجه صعوبات على مستوى شعبيته خلال الفترة الأخيرة.

أماني الطويل

سيناريو لوكربي

يذكرنا الاتفاق الأمريكي السوداني المزمع ترتيبه بقضية عقوبات لوكربي، التي تتشابك مع أزمة تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزاينا عام 1998، والتي أُدرج إثرها السودان ضمن القائمة الإرهابية، فبعد إنكار ليبيا تورطها في تفجير الطائرة الأمريكية “بانام” فوق مدينة لوكربي الأسكتلندية غربي إنجلترا، خضعت “ليبيا القذافي” لسكين العقوبات الاقتصادية الأمريكية والبريطانية، واعترفت طرابلس بعدها رسميًّا بتورطها في تفجير الطائرة.

أول فصول قضية لوكربي الشهيرة بدأ في 21 ديسمبر/كانون الأول 1988، حين انفجرت طائرة الركاب المدنية الأمريكية “بانام” في الجو بعد 35 دقيقة من إقلاعها من بريطانيا إلى نيويورك، إذ سقطت وتناثرت أجزاؤها على بلدة لوكربي وكان على متنها 259 راكبًا لقوا حتفهم جميعًا، بالإضافة إلى 11 آخرين من سكان لوكربي، لتصير الحصلية الإجمالية للحادث 270 قتيلاً، غالبهم من الأمريكيين.

يأتي الفصل الثاني من القضية، والذي حمل عنوان “مَن الفاعل”.. دارت الشكوك الأمريكية أولاً نحو منظمة فلسطينية في سوريا، ثم انتقلت الشكوك إلى إيران، حتى رست الاتهامات على ليبيا.

التحريات الرسمية الأمريكية البريطانية، توصلت إلى اتهام ليبيا بالوقوف وراء حادثة تفجير الطائرة في أواخر 1990، إذ اتهمت الولايات المتحدة اثنين من مسؤولي الحكومة الليبية، وطالبت طرابلس بتسليمهما للمحاكمة خارج ليبيا، وهما خليفة فحيمة، موظف سابق في الخطوط الجوية الليبية، وعبد الباسط المقرحي، موظف أيضًا بالخطوط الجوية الليبية.

الموقف الليبي في بادئ الأمر كان رافضًا لتسليم موظفَيه للمحاكمة، إذ اعتبر الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي أن اتهام أمريكا وبريطانيا جاء من أجل تقويض الثورة الليبية ومحاربة طرابلس للرأسمالية ودعم حركات تحرير الشعوب، فما كان من مجلس الأمن الدولي وبضغط أمريكي بريطاني إلا أن أصدر قرارين رقم 731 و748 بمطالبة السلطات الليبية بالقبض على الشخصين المتورطين في الحادث وتسليمهما إلى المحاكمة ودفع تعويضات لأهالي الضحايا والتعاون في مكافحة الإرهاب، كل هذا وسط عناد كبير من قبل القذافي، الذي اعتبر أن المقصود من هذه القرارات هو استهداف النظام الليبي ورموزه.

تبع هذه القرارات الأمريكية البريطانية، فرض حظر طيران دولي وحصار اقتصادي على ليبيا أدى إلى عزلتها عن العالم، فتأثر الاقتصاد الليبي وارتفعت نسبة البطالة في البلاد، وبلغت الخسائر الاقتصادية من جراء هذا الحصار، بحسب تقديرات وزارة الخارجية الليبية، إلى 24 مليار دولار في الفترة بين 1992 و1998.

بعد عشر سنوات رضخت ليبيا وقررت تسليم مواطنيها الاثنين لـ”محاكمة عادلة في أرض محايدة” بوساطة سعودية جنوب إفريقية، مقابل تعليق العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وبالفعل سلّم القذافي الموظفين المطلوبين للمحاكمة التي أجريت في هولندا، وبُرئ فيها فحيمة وأدين المقرحي وعوقب بالسجن المؤبد، وأُفرِج عنه لاحقًا في 2009 لأسباب صحية، بعدها بأيام صدر قرار مجلس الأمن الدولي بتعليق العقوبات الاقتصادية على ليبيا.

صفقة التصالح.. المال ينفي “الإرهاب”

في 2003 أعلن النظام الليبي رسميًّا مسؤوليته عن إسقاط طائرة الركاب الأمريكية، وقبوله دفع تعويضات لأهالي الضحايا قُدرت بنحو 2.7 مليار دولار أمريكي، على أن يُقدم فورًا 4 ملايين دولار والبقية على دفعات متتالية؛ بعد رفع العقوبات عن ليبيا وشطب اسمها من قائمة الدول الداعمة للإرهاب.

طائرة أمريكا في قضية لوكربي

وقال مراقبون آنذاك إن لييبا تسرعت في الاعتراف بمسؤوليتها عن قضية لوكربي، رغم أنه لم يثبت عليها شيء، لكن السلطات الليبية كانت ترى في قرار الاعتراف ودفع التعويضات إنقاذًا لاقتصادها الذي عانى خلال فترة العقوبات، خاصة أن ليبيا كانت تخسر سنويًّا ما يزيد على المبلغ الإجمالي للتعويضات، وفق تصريح لوزير الخارجية الليبي آنذاك عبد الرحمن شلقم عام 2003.

التسرع الليبي في قرار الاعتراف بمسؤولية إسقاط الطائرة أكدته لجنة المرافعات القضائية الجنائية الأسكتلندية في 12 مارس/آذار 2020، بأن اتهام الولايات المتحدة للمقرحي بالضلوع في إسقاط الطائرة “ربما قد شابته عيوب”.

وأجازت اللجنة لأسرة المقرحي الاستئناف على قرار إدانته بالحبس المؤبد، خاصة بعدما أشارت صحف أمريكية إلى أن إيران ربما كانت هي المسؤولة عن إسقاط الطائرة.

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

عبد الله قدري

صحفي مصري

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى