ثقافة وفن

باولو سورنتينو.. بعيدًا عن مثالية الجسد: الجماليّ هو ما أبدو عليه

لأكون صريحا، أعتقد أنني كاتب أكثر من مخرج.. أشعر براحة أكبر في الكتابة، لأنني من سن 20 إلى 30 عامًا كتبت سيناريوهات فقط.. أحب أن أصنع السينما، إنه نشاط رائع، لكن كلما كان لدي بعض الوقت، أكتب الكتب أيضًا”.. المخرج والروائي باولو سورنتينو

تتطلّب المقدمات عادة تصدير صورة أولية عن شخصية الموضوع، طبيعة فنّه وإمكانية إدراجه ضمن اتجاه فنّي معين، ربما لأن الوجود بين “اتجاه” يعطي انطباعا مبدئيّا بالقُرب والألفة، لكن باولو سورنتينو لا يشبه شيئا، كذلك أفلامه لا تطمح لأن تندرج ضمن موجةٍ ما، حتى هو نفسه لا يستقر على اسم إبداعي بعينه يمكن أن ننطلق إلى مسيرته من خلاله.

يُفضّل سورنتينو أن يُسمّى نفسه كاتبا أكثر من مخرج.. لديه سبعة أفلام سينمائية طويلة، حصد غالبيتها جوائز عالمية، ومسلسل تليفزيوني ناجح، ولم يكتب سوى رواية واحدة.

وعلى الرغم من ذلك يضع سورنتينو طموح كتابة وإخراج فيلم جديد في مقدمة تطلعاته دائما.. يُعبّر عن هذه التطلعات الطموحة في معظم حواراته، منذ ظهور فيلمه “عواقب الحب-the consequences of love”.

لدي نفس الحياة التي عشتها قبل 20 عامًا، وهذه طريقة جيدة جدًا لوضع حدود للإغراءات.. لم أغيّر حياتي ، وما زلت أحلم بنفس الحلم الذي حلمت به عندما كنت مراهقًا: “أن أصنع فيلمًا”.. عندما كنت شابًا كنت أخشى ألا يتحقق حلمي.. أعلم الآن أنني أستطيع إدراك ذلك، وهذا يمنحني الصفاء اللازم لكتابة رواية أو صنع فيلم.. باولو سورنتينو

من مراوغات سورنتينو بين التسميات والتصنيفات، تنبُع ميزته الكبرى كصانع أفلام، كمخرج يجيد أن ينطلق من ذاته لصناعة فيلم، مستخدما أدوات مغايرة، لا تنتمي لطبيعة الأفلام التي يعاصر إنتاجها، لكنها لا تنزوي في مساحة اغتراب عن عين الجمهور أيضا.. يلتقط لفتة جمالية صغيرة، تتحول بسلاسة إلى منبع يتدفق الفيلم من خلاله:

صور مكثفة.. أماكن.. نماذج إنسانية متفردة، ليس لأنها تحمل بداخلها حيوات بعيدة عن الطبيعة البشرية، بل لأنها تحمل حيوات تشتبك مع الضعف الإنساني الذي نخافه، وتراوغ مجريات الحياة بأشكال نتمنّى لو نستطيع تجريبها.. تجارب إنسانية، معززة بتأمل جماليّ خالص، يبتدئه سورنتينو من مساحة حقيقية بداخله ومن خلالها يحقق أصالة تعنيه بصورة ذاتية، لتمر إلينا الأفلام التي لا تنتهي عند انتهاء مدة عرضها، بل تصبح تجربة حياتية ممتدة في دواخلنا.

عواقب الحب

عواقب لا تُمحى للحب

العلاقات الإنسانية على اختلاف تسمياتها وطبيعتها.. الضعف البشريّ.. استجداء الماضي.. الشعور بالاقتراب من الموت.. أفكار كبرى تشغل سورنتينو في معظم أفلامه، تنطلق شخصياته الأساسية عادة من خلالها، تبدو هاربة أغلب الوقت من ماض شكّله الضعف، أصبح موغلاً في موقع عتيق من الذاكرة، سردية معقّدة تعني شخصا بعينه، تشكل وجوده الحقيقي، أو وجودنا جميعا على مستوى أكثر عمومية، لكن الحياة لا يمكن أن تمضى إلا بإنكار ذلك المستقر، البعيد، المستكين بثقل مخيف في أعماقنا.. ضعف يشكّل مسيرة البشر، ضروري أن ننكره، ضروري أن نتوقّع عواقب إنكاره، وأنه لا بد سيصطدم بنا فجأة ذات يوم.

في فيلم “عواقب الحب” يقدم سورنتينو شخصيته الرئيسية، “تيتا دي جيرولمو”، شخصية مبنية على الصمت والإنكار، اعترافاته القليلة مفاتيح لقراءته ولو بصورة جزئية، يقول في مقدمة الفيلم: “الحياة تبدو مملة دون خيال”.. ثم يمضي في حياته الساكنة المفتقرة إلى الخيال، فتمر بهدوء مبطّن بحزن كتوم، وتبثّ الملل خاصة في النصف الأول من الفيلم.

يقرأ “تيتا” تحركات البشر وطبائع الناس ويتأمل جمال النسوة حوله من وراء ستارة هدوئه الدائم، لا يخرج منه أي انفعال تلقائي.. لم يصدر “تيتا” انفعالات عاطفية، أو لهفة تلقائية، تثبت شعوره تجاه نفسه أو تعطي للمشاهد انطباعا بوجوده، إلا في الوقت الذي يقابل فيه أحد إخوته ويحدّثه الأخير عن صديق كان مقّربا لدى “تيتا” خلال طفولتهما، ينتبه “تيتا” وتنتبه معه موسيقى الفيلم، كأنها تحمل نبوءة الوجود الأولى للشخصية منذ بداية الفيلم.

يعرف “تيتا” من أخيه أن صديق الطفولة يعمل الآن في شركة صيانة كهربائية في شمال إيطاليا، يصرّ “تيتا”، رغم عدم اقتناع أخيه، أن (دينو جيفيرو) عامل الكهرباء، سيظل صديقه للأبد، حتى لو كانت صداقتهما انقطعت منذ عشرين عاما.

هذه التفصيلة الجانبية، تعتبر إحدى أشكال الميلاد الفعليّ لشخصية “تيتا”، ميلاد يبدأ من القابلية للاشتباك مع الحياة، يتبع ذلك المشهد مباشرة، استجابة “تيتا” لتودد نادلة الفندق له منذ أول الفيلم، يخبرها بأن جلوسه أمامها هو أكثر خطواته خطورة على مرّ حياته.

الممثل توني سيرفيلو “تيتا دي جيرولمو” بفيلم the consequences of love

العائلة جُرحنا الضروري

تتشارك مواطن ضعف “تيتا” مع شخصيات فيلم “شباب” youth 2015، خاصة شخصية فِريد المؤلف الموسيقي العالمي.

يفتتح سورنتينو الفيلم بمشهد توسل إحدى مندوبي ملكة بريطانيا العظمى لفريد كي يدير أوركسترا في حفلة تنوي ملكة بريطانيا حضورها، يرفض فريد بإصرار واضح، يحتفظ بأسبابه لنفسه، يكتسب هيبة مسبقة، كشخصية (في أول مواقفها في الخط الدرامي للفيلم) ترفض دعوى بالاسم من ملكة بريطانيا.

فِريد، الذي ظل محتفظا بهيبته وحضوره الهادئ، المُلفت، الذي يوحي بتمكُّن من مجريات حياته، وقدرته الكاملة على تقبّل أجله القريب، باعتباره رجلت مًسنًّا.. كل ذلك يتحول إلى مجرد مراوغة من فِريد، حينما تواجهه ابنته في منتصف الفيلم بينما يحاول أن يدعمها في أزمة عاطفية تمرّ بها، مؤكدا أنه يفهم ما تمر به، إلا أنها تنكر ذلك، تذكّره بتاريخه السيئ مع زوجته، خياناته المتكررة لها، اندفاعه وراء تجاربه الخاصة بأنانية مفرطة، انشغاله الكلي بتأليف الموسيقى وتجاهل زوجته وابنته، تعيد ابنة فِريد إنتاج طبيعة شخصية أبيها بصورة صادمة، حقيقية، تعكس مدى هشاشة حاجز الإنكار الذي اختبأ وراءه منذ أول الفيلم.

سورنتينو، باعتباره قارئا نهما وسيناريست وروائيّا، ينطلق دائما من نقاط تأملية.. مساحة من الإشكاليات الممتدة بعدد التجارب الإنسانية، نستطيع أن نُحصي تجارب البشر فقط وقتما نستطيع معايشتها بالكامل، كل مسيرة إنسانية تحتفظ بفرادتها.. وحده الفن، خاصة السينما، تستطيع أن تشتبك مع المسيرات المختلفة.

هكذا يعمل سورنتينو: يضع لشخصياته بُعدا حكائيا ينتمي إليها وحدها، حتى إذا نظرنا إلى مسار تطور الشخصيات نأخذ انطباعا أوليا بأنها حكاية شخص ما نعرفه، لكن التماس الحاصل مع عموم تجارب المشاهدين، على اختلاف ظروفهم، يضع سورينتنو في مقام رجل عليم، يتناول العلاقات الإنسانية: الحب والصداقة والعائلة، كضعف ضروري لا بد أن نواجهه، نعايش أثره المرير في حياتنا، حتى نستطيع أن نخوض التجربة.

عند سورنتينو تُروِاغ آثارُ الحب البشر، توهم أبطاله بأنها تستكين في قلب الماضي، لكنها فقط مُحتجزة مؤقتا خلف بوابات الزمن، وتستطيع الخروج في الوقت المناسب، لتطيح بحاضر الشخصية.. الضعف البشري، المتمثل في القدرة على الحب، فعل ضروري عند شخصيات سورنتينو، يستمد ضروريته من كونه الوسيلة الوحيدة للعيش، كأننا لا نملك في حياتنا -مثلما تقول إحدى شخصيات فيلم youth – غير القدرة على الشعور.

تنقلب حيات تيتا في فيلم “عواقب الحب”، حينما يقع في حب نادلة مطعم الفندق الذي يقيم فيه، تصبح لحياته معنى، لكنه معنى لا يكتمل إلا بالموت، موت استثنائي يتطلّب مستوى من الشجاعة تجعل “تيتا” يتجه بإراداته نحو ذلك المصير.

يبيّن مصير “تيتا” مدى قوة العاطفة في دفع مسيرة الإنسان كي تقف على حافة الهلاك، فهي ذاتها حافة الشعور بخوض تجربة الحياة، وهي ذاتها أيضا، المرآة التي يمكن لشخصيات سورنتينو أن ترى تجربتها الحياتية بصورة شفافة، وحميمية، من خلالها، في طريقها لأن تحظى بهلاك استثنائي.. يستعيد “تيتا” علاقته بصديقه، كاعتراف أخير له من بين اعترافاته القليلة في وجه العالم.. يشبه حديثه “مانيفستو” يؤسس به سورنتينو تعريفا جديدا لمفهوم الصداقة.

فقط شيء واحد متأكد بأنني أعرفه، بين الحين والآخر، وعلى قمة البرج الكهربائي، في وسط منظر الثلوج الطبيعية وسط البرودة والرياح العاصفة.. توقف دينو جيفيرو والحزن يملؤ كيانه، وبدأ يفكر بي بأنني أنا تيتا دي جيرلمو.. مونولوج من فيلم “عواقب الحب”
فيلم one man up” “

صعود مع الحياة.. هبوط مع الذكريات

تتسم أفلام سورنتينو بغرابة الحركة بين الصعود مع الحياة حدّ الذروة، ثم عند حدثٍ مغاير، يصبح الصعود الجامح هبوطا وتداعيا إلى قلب الذكريات.. وهكذا بين الضدين تكتسب التجربة الحياتية المعنى.

يلتقط سورنتينو الخيوط الأولية لأفلامه دائما من الواقع، من واقعه الشخصي المحيط، ثم يطعّم ذلك الواقع بآخر مغاير يتبلور داخل رأسه، على نفس طريقة مخرج سورنتينو المفضّل “فيديركو فيليني”، مُحوّلا الهواجس والأحلام والكوابيس إلى واقع معيش يعبّر عن إيطاليا.

جاءت فكرة فيلم “عواقب الحب” من وحي فترة طويلة انتقل فيها سورنتينو بين الفنادق في مختلف المدن العالمية، لتسويق فيلمه الأولone man up” “.. لفت انتباهه غموض وغرابة رجال الأعمال والعواجيز المقيمين في الفنادق بصورة دائمة، بدأ سورنتينو يتساءل عن طبيعة حياتهم وماضيهم الشخصي، ثم خرج بفيلم يقدّم نموذجا بشريا ممتدا، يجمع كل حكاياته التي كوّنها من قراءته الشخصية لمن قابلهم في فنادق مختلفة، وبين ما روته هذه الأشخاص بالفعل.

أمّا فيلمyouth  فقد تكوّنت فكرته عند سورنتينو من حلقتين: الأولى حينما رفض الموسيقي الإيطالي ريكاردو مورتي دعوة ملكة بريطانيا العظمى لعزف مقطوعاته في حفلة تنوي الملكة حضورها، والثانية خلال جدال بالصدفة بين صديقين أثناء عشاء كان سورنتينو حاضرا فيه، أحد الصديقين مخرج إيطالي شهير والآخر مُسن في التسعين، كان الاثنان يتجادلان حول حبيبة مشتركة بينهما في فترة المراهقة.

القدرة الأدبية كعملية ضرورية لخلق نص سينمائي متماسك، مساحة يتقنها سورنتينو لدرجة أن يجعل المواقف والحكايات في حالة سيولة، تتداخل مع بعضها، تخلق حكاية تتكون بالتتابع مثل لوحة فنّية.

فمجرد موقفين جانبيين، لا يشير أي منهما لحكاية ملفتة، يضع سورنتينو اللبنة الأولى في شخصية فِريد، الذي يرفض دعوى ملكة بريطانيا العظمى ليقود أوركسترا تعزف موسيقاه أمام الملكة، بينما مايك، صديق فِريد المقرب، هو مخرج أفلام يكتب بالشراكة مع مجموعة من الشباب فيلمه الأخير “آخر أيام الحياة”.

يُشبّك سورنتينو أحداث فيلمه من خلال تيمة الحب، تندفع مختلف الشخصيات في الفيلم لتؤثر في مصير فِريد، الذي يحاول الهروب بالموت من حبّه المحفوف بالندم تجاه زوجته المقيمة في مستشفى لا تحرك ساكنا، ولا تستطيع الغناء الأوبرالي مع موسيقاه، لذلك يأبى فِريد أن يوافق على حفلة موسيقية ليس فيها صوت زوجته.

“تتطابق فكرتي عن الشباب مع فكرة الحرية.. حتى في سن الشيخوخة، يمكنك الحصول على حرية تتجاوز حدود الجسد.. حتى لو كان هذا وهمًا، فنحن لا نهتم به.. لا تزال هناك فكرة عن الحرية محسوسة ذاتيا وصحيحة.. بالنسبة للفيلم بأكمله تقريبًا، تؤكد شخصية مايكل على زوال كل شيء.. لا يريد أن يقود عزف مؤلفاته الموسيقية أو يكتب مذكراته. يعتقد أن كل ما حدث هو الآن في الماضي.. يتدخل القدر أحيانا.. انتحار شخصية هارفي كيتل هو نقطة التحول، حيث يدرك أنه ربما يمكنه تغيير شيء ما. لم يكن يريد أن يحضر الحفل لأنه كان لديه انطباع بأنه تكرار لشيء فعله من قبل.. عندما يدير الحفل الموسيقي بالفعل يتأثر به عاطفيا، وهو أمر لم يخطر بباله.. إنه يدرك أنه يمكن أن يكون له مستقبل ويفعل أشياء لم يفعلها من قبل”.. سورنتينو

تتباين طبيعة الشخصيات في فيلمي “عواقب الحب” و”شباب”، لكن سورنتينو يجيد تكوينها في أشكال مغايرة تتسم بالمرونة، حيث تفرض لنفسها مساحة واسعة من الارتجال، فتستطيع استقطاب زخم الأفكار الحاصل في الحياة المعاصرة.. يعطي سورنتينو لشخصياته شيئا من القرب، يتودد إليهم بالكاميرا، يبيّن أن الجمالي هو ما تبدو عليه شخصياته حينما تستطيع التماهي مع الوجود المحيط ليس أكثر، بعيدا عن مثالية هيئة الجسد وظاهريات الجمال البشري.

في youth اختار سورنتينو الممثل الإنجليزي مايكل كين ليجسّد شخصية فِريد، مؤلف الموسيقى، حتى قبل أن يحيط بفكرة الفيلم العامة أو تفاصيل الشخصية.

اختار سورنتينو مايكل كين، ثم كتب شخصية فريد، ومن خلاله بدأ كتابة بقية الفيلم، ثم أرسل السيناريو لمايكل كين، ليفاجأ الأخير باختيار سورنتينو له ويبدأ تنفيذ الفيلم.

الطريقة التي يعمل بها سورنتينو، عادة، لا تتناسب مع طبيعة السينما الإيطالية، التي ينتمي سورنتينو إليها.. صعود الواقعية الإيطالية الجديدة عقب الحرب العالمية الثانية ووضع سمات أولية للسينما في إيطاليا: تصوير خارجي، استقطاب كليّ لأزمات الشارع والطبقات المتوسطة، تبعات الحرب الكارثية، كل ذلك تحوّل بعد فترة إلى قيود تقنية تمنع إمكانية تجريب فكرة جديدة، أو محاولة تصوير فيلم خارج عن أسلوبية واقعية إيطاليا.. أول محاولات الخروج من عباءة الواقعية الجديدة كانت على يد فيلليني، أستاذ سورنتينو.

الممثل مايكل كين-فِريد- في فيلم youth

تحمل سينما سورنتينو إمكانية القدرة على تجاوز الجوانب التقليدية في واقعية إيطاليا، يجمع بين القدرة على خلق علاقة جديدة أكثر ترابطا بين السينما والأدب، ليست من خلال اقتباس السينما من الأدب، لكن عبر علاقة تضع الاثنين في حالة توازٍ، يكوّن كل منهما القصة كسردية مرئية ذات أبعاد مركبّة.

فيمكن أن نعرف الكثير عن “تيتا دي جرولمو” من اعترافاته القليلة، لأنه شخصية كُتبت بتقنية أدبية، بينما في المواقف الفاصلة من حياته، يمكننا أن نستوعب مدى تغيّر تعبيرات وجهة، شعوره بالمكان حوله وانعكاس خوفه على الشاشة دون أن ينطق كلمة، كل ذلك من خلال قدرة كاميرا سورنتينو على التتبّع، كاميرا تنتقل بين مساحة الإحاطة، كأنها تعرف الحدث القادم، تراهن مع المشاهد على توقّعه، ثم تتحول فجأة إلى عين المشاهد نفسه، تتحرك معه، تتساءل عن مصير الشخص وما ستؤول إليه الأحداث في المشهد التالي.

مارادونا في فيلم youth

“مارادونا” سورنتينو.. إله من الثمانينيات

جملة وحيدة يقولها مارادونا لطفل في فيلم “شباب”، من بين ظهوره في بضعة مشاهد جانبية، لا تتداخل على أي مستوى مع سردية الفيلم، لكن مجرد حضور مارادونا على الشاشة، ومن خلال محبة مسبقة، طويلة المدى، من سورنتينو لمارادونا، قائد فريق نابولي في منتصف الثمانينات، يجعل مارادونا مشاهده القليلة استثنائية وخاطفة.

ولد سورنتينو في مدينة نابولي سنة 1970 لعائلة متوسطة، وكان محدودو أو متوسطو الدخل (بعيدا عن عائلات تجّار السلاح والمخدرات) يشجعون فريق نابولي كفريق شعبي للمدينة، يشجّعه الجميع بالتوارث عبر الأجيال.. وقد تزامنت مراهقة سورنتينو وبداية تعلّقه الشديد بكرة القدم مع تجلّيات مارادونا الإعجازية مع نابولي في منتصف الثمانينيات.

على المستوى الشخصي فسورنتينو يدين لمارادونا بحياته: عندما كان عمري 16 عامًا، كان من المفترض أن أذهب في إجازة مع والديَّ، لكنني قررت البقاء في المنزل لأنني أردت حقا الذهاب ومشاهدة نابولي، فريقي المفضل.. تعرض والداي لحادث في نفس الإجازة وتوفيا.. لذا نعم، شغفي بكرة القدم – ومارادونا على وجه الخصوص – أنقذ حياتي”.

مارادونا في نابولي

يظهر مارادونا في الفيلم بجسدٍ سمين، قامته القصيرة توضّح سمنته المُرهقِة، لكن في مشاهده القليلة، يحتفظ له سورنتينو بحضور مغاير، غير أن الانتباه الحاصل لشخصيات الفيلم حينما يرون مارادونا في محيطهم، يعكس شعور العالم تجاه طبيعة الحب الخالص له.

بدأ مارادونا حياته كلاعب كرة قدم مهاري، وتحوّل إلى معجزة كروية، وحاز محبة أسطورية على مستوى عالمي حتى بعد اعتزاله كرة القدم، ظهرت هذه المحبّة بوضوح أثناء وفاته في نوفمبر 2020. يهتم سورنتينو بمارادونا الأيقونة، التي تعنيه بصورة شخصية، وتعني العالم على مستوى عام.

مارادونا شخصية مأساوية لكنها حقيقية، وقد سمح لي بوضع شيء نادر في الفيلم – شيء شاعري.. سورنتينو

تجلّيات الجمال العظيم

يعتبر فيلم “الجمال العظيم” The Great Beauty هو التجلّي الأكبر والأكثر تأثيرا من بين كل أفلام سورنتينو حتى الآن، ربما لأنه وضع فيه ذروة إمكاناته الإبداعية على مستوى الكتابة السينمائية وتوظيفه للصورة كمخرج، وقدرته على استنطاق الجمال كفنّان.

مُفتتح الفيلم يقوم على مشهد هادئ، غناء أوبرالي، روما تبدو هادئة، عتيقة وجميلة، مجموعة من السوّاح في زيارة لأحد معالم المدينة، زائر آسيوي  في منتصف العمر يلتقط الصور وفجأة يسقط ميّتا.

يقول سورنتينو عن ذلك المفتتح إنه دلالة بسيطة لفكرة طالما شغلته، وهي أن الجمال رغم قدرته على الإحياء ودفعنا لمواجهة الحياة، فإنه ينطوي على شيء من الخطورة والغرابة.

في المشهد التالي تظهر مدينة روما بشكل مغاير، ضد كل تفصيلات المشهد الافتتاحي: موسيقى صاخبة ومجموعات ترقص، انفصال عن العالم بالخارج.. المشهدان على اختلافهما الكامل، يجسدان مدينة روما كما يراها سورنتينو، وما تنطوي عليه من الشيء ونقيضه.

جيب في فيلم الجمال العظيم

 

يحقق فيلم “الجمال العظيم” تحديدا مقولة فيلليني بأن “الفيلم نتاج الرسم وليس الأدب”، حيث يعمل سورنتينو على تقديم سردية تقوم على التوصيف، أكثر من كونها معتمدة على التتابع السردي.

فينزل بالمدينة من موقعها المكاني المنحصر في رعاية الحدث ويجعلها ذات فاعلة، تُشارك مع الشخصيات تطوراتهم، وبتتابع مصائر شخصيات الفيلم، تتضح المدينة أكثر فأكثر، تشارك الشخصيات نفس الطبائع، وتصبح إطارا مكانيا لمجموعة مختلفة الاتجاهات السياسية والثقافية.

“جيب” شخصية الفيلم الرئيسية، صحفي قادم من نابولي، نفس محلّ ميلاد سورنتينو، كتب رواية واحدة مثلما فعل سورنتينو.. يرافق مجموعة من الأصدقاء، صحفيين وأدباء وموسيقيين وشعراء وتجّار ورجال أعمال ومديري نواد ليلية، ينطلق كأن المدينة جزء منه، ومن عالمه، وليس هو مجرد جزء منها، أو انعكاس لإحدى عوالمها الظاهرة.

يتعامل سورنتينو بصريا مع روما باعتبارها مساحة من الجمال الخالص، تتحرك الكاميرا بحرية مطلقة، تستدعي التاريخ القديم، ثم تنتقل إلى حدثٍ معاصر لمجموعة من الناس، يبين الحالة المزرية والفراغ التي أصبحت عليها المدينة، وتصبح التماثيل التي تمّ تقديمها بجمال خالص مجرد تاريخ حبيس الماضي، موجود ليس للتأمل فقط وإنما للحسرة أيضا، رسالة بأن الجمال العظيم في هذا المكان تكمن قيمته الكبرى في أنه صار مفقودا.

الجمال، كفكرة متكررة، نقطة الفن المحورية، يقدمها سورنتينو وسط عالمه المركب، امرأة تقدم عرضا فنّيا جديدا وغريبا، تقف عارية وتلف شالا شفّافا حول رأسها، ثم تجري على خط مستقيم تجاه حائط ضخم وتضرب رأسها به.. في مشهد آخر، يقدّم أحد أصدقاء حفلات “جيب” الكبرى ابنته الصغيرة باعتبارها معجزة فنّية ستلفت الانتباه.. كل ما تفعله الفتاة الصغيرة أنها ترمي بعلب الألوان على قماشة كبيرة للرسم، ثم تملؤ بياض اللوحة بألوان متداخلة.. يقف الجميع مذهولا من صنعها الفريد.

ذلك التجريب الفني يجسّده سورنتينو نفسه، والذي يعبّر بصورة ما عن اتجاهات الفن ما بعد الحداثي.. فسورنتينو يحاول وضع أشكال الفن المختلفة، المتضادة أحيانا، في حالة تواز، وفي مساحة تمنح القدرة على التأمل.

عرض المرأة التي تخبط رأسها بالجدار يتم في أحد معالم الفن الكلاسيكي في روما، بينما يتبع مشهد الفتاة الصغيرة رحلة بصرية مع تماثيل روما القديمة، تحوّل فيها صورة سورنتينو، وقدرته على توظيف الضوء هذه التماثيل والمنحوتات إلى وجود حيّ، يوازي بين تفاصيل وجهها وبين تفاصيل وجوه بشرية تنظر إليها.

يبدو أن سورنتيو يستنطق الحجر الساكن من خلال الكاميرا، أو لعله بصورة عمومية يعيد اختبار قدرة المدينة على الصمت بينما هي تتداعى مع تاريخها، وتصبح الحكايات الأكثر جدارة بالحكي فيها مجرد أشياء فارغة، يعرف أطرافها أنهم فقط يتجهون نحو الموت، ويحاول كل واحد منهم أن يلتقط طرفا للتشابك مع الحياة، مثلما يستدعي “جيب” الماضي مع حبيبته في المراهقة، هذه المشاهد بالذات، هي الوحيدة التي يشتبك فيها “جيب” مع الحياة بصورة مباشرة.

يتماس فيلم “الجمال العظيم” بصورة ما مع فيلم “الحياة حلوة” لفيلليني.. سورنتينو متأثر بفيلليني على مستويات عديدة، لكنه في “الجمال العظيم” يتجاوز أستاذه من خلال ميزة تداعي الزمن على المدينة، وتعاقب تطورات الفنّ عموما والسينما، خاصة خلال السنوات الفائتة منذ صدور فيلم فيلليني.

النص السينمائي في “الجمال العظيم”، يتشارك مع طبيعة نصوص فيليني عامة، الحكاية تلتقط تطوراتها من أطراف متعددة، أحداث الناس وتغيرات المكان، المشهد يتبع المشهد في محاولة لتقديم لوحة مركبة، لكن سورنتينو يتميز بشيء يعنيه شخصياً، حيث يستطيع أن يضع أدوات الفيلم بشكل متساو في الأهمية.

فمثلاً، الموسيقى في معظم مشاهد “الجمال العظيم”، يبدو أنها الإضافة الأهم كي تكتسب الصورة صفة جمالية، موسيقى تشتبك مع المشهد، وتدفع المكان والأشخاص المحيطين للتماهي مع الوجود بحميمية.. والبعد البصري في الفيلم يتجاوز أهمية الموسيقى إلى القدرة الفذة على استدعاء تاريخ المدينة العتيق، مع الحفاظ على حصر ذلك التاريخ وما ينطوي عليه في حيز الماضي، حيث يظهره سورنتينو فقط ليشير إلى فراغ حياة المدينة حاليا.

من بين كل هذه الأدوات تقف الشخصيات، تحاول خوض تجربة الحياة، تنطلق من تأملات سورنتينو المعتادة: مواجهة الموت، استدعاء الماضي، والضعف البشريّ في العلاقات الإنسانية، ينطلق تكوين معظم هذه الشخصيات من الاقتباس الموضوع أول الفيلم من رواية للكاتب لويس فيردينان سيلين.. استدعاء لحظي للماضي في غمضة عين مع قدرة على تجاوز حواجز الزمن، الذي بشكل ما، يعبّر ويشكل بصورة أساسية حاضر المدينة ومصير الشخصيات نفسها:

الارتحال مفيد جدا، يحرك الخيال، وما عدا ذلك مدعاة للاحباط  والتعب، رحلتنا خيالية وتلك قوتها، تمضي من الحياة إلى الموت، البشر والحيوانات والمدن والأشياء، وكله من نسج المخيلة..ثم إن في مقدور الجميع أن يأتوا بمثلها: يكفي إغماض العينين..

اقتباس من رواية للكاتب لويس فيردينان سيلين

إسلام العزازي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى