بايدن والإسلامويون.. بين الرهان والمواجهة

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مع اقتراب الإعلان عن وصول المرشح الديمقراطي جون بايدن إلى سدة السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية الأخيرة مطلع هذا الشهر على منافسه، الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، تتعاظم التكهنات بشأن ما يمكن أن يقدمه الرئيس الأمريكي الجديد من رؤى سياسية وآلياتية تجاه خريطة الفواعل المتنوعة والمتباينة في الشرق الأوسط والخليج، سواء أكان ذلك ممثلاً في النظم السياسية الحاكمة أم خريطة الأحزاب السياسية والجماعاتية الأخرى.

ومن بين أكثر الموضوعات التي تشغل حيزًا من النقاش في مصر والخليج العربي، منذ أن نجح بايدن في إبعاد ترامب عن ولاية رئاسية ثانية، كيفية إدارته لأكثر الملفات تعقيدًا في اللحظة الراهنة، وتحديدًا الموقف من جماعة الإخوان المسلمين، في ظل فضاء إقليمي بات يلفظها ويصنفها كجماعة إرهابية، توازيًا مع الإستراتيجية المتوقعة في مواجهة القوى الجهادية الصاعدة وتحديدًا تنظيم داعش، الأمر الذي نتج عنه سيل من التحليلات السياسية، عززه اتجاه بايدن لعدم الكشف عن رؤى واضحة تجاه الحركات الإسلامية خلال جولاته الانتخابية التي ركزت في غالبيتها على الوضع الداخلي الأمريكي بقدر كبير.

الإرث الثقيل

ورث جو بايدن إرثًا ثقيلاً عن سلفه دونالد ترامب على المستويين الداخلي والخارجي، ما سينعكس بقدر كبير على مجريات الأمور في السنة الأولى من حكمه، الممتلئة بالكثير من الألغام السياسية والمجتمعية، على رأسها ظاهرة الانقسام السياسي والمجتمعي الداخلي الآخذة في الاتساع يومًا بعد، ويزيد من رقعته التعنت الذي أبداه ترامب عقب النتيجة، وحتى اللحظة أمام الاعتراف بهزيمته، وإصراره وأنصاره على وجود تزوير لحق بالانتخابات الرئاسية الأهم في العالم، بالإضافة إلى التداعيات الأخرى لما أحدثه فيروس “كوفيد-19” من آثار سلبية في الاقتصاد الأمريكي، ما دفع بايدن، في أول خطوة عقب فوزه، للإعلان عن فاعلية لقاح ضد الفيروس، رغبة منه في إظهار التمايز بينه وسلفه.

من الأرجح أن تؤخر ملفات المشهد الداخلي السلطة الجديدة في أمريكا، بقيادة بايدن، من اتخاذ خطوات سريعة أو حاسمة في ملفات عالقة تتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، التي يراهن البعض بأن تكون مستنسخة، مع بعض التعديلات، لرؤية الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي عمل بايدن نائبًا له لفترة زمنية ناهزت 8 سنوات، ولا شك فإن مراقبين كثيرين يربطون بين الرؤية الإستراتيجية المستقبلية وتأثيرات فترة أوباما.

دونالد ترامب والإسلاميون

شهدت فترة الرئيس دونالد ترامب آليتين في التعامل مع القوى الإسلامية، بشقيها السياسي الحركي والجهادي، وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط، أولاهما تأييده ومباركته لوقف تمدد أيديولوجية الإسلام السياسي والتضييق على التنظيمات والتيارات التابعة لها، مخالفًا بذلك سلفه أوباما، وقد عزز من هذا التوجه حجم الارتباك الذي لحق بأدائهم في السلطة عقب ثورات الربيع العربي، إلى أن صنفت كجماعة إرهابية في الكثير من الدول، وما اتخذه ترامب داخل الولايات المتحدة الأمريكية من إجراءات وتشريعات وآليات، يفسر إلى حد كبير اصطفاف تلك التيارات وراء بايدن في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. أما الآلية الثانية فتمثلت في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في العراق والغياب الملحوظ في سوريا وإعطاء ظهره إلى ليبيا، وأسهم ذلك في ضعف التأثير الملحوظ مقارنة بفترات سابقة من قيادة الإدارات الامريكية المتعاقبة في المنطقة، الأمر الذي انعكس على توظيف الجماعات الجهادية هذا السياق لخدمتها، بهدف التمدد والانتشار والانطلاق منه نحو خلق جغرافيا مغايرة في اللحظة الراهنة في دول الساحل الإفريقي، فضلاً عن شرقي وغربي إفريقيا.

الأمل الأخير للإخوان المسلمين

تتكئ رؤية جماعة الإخوان المسلمين المصرية تجاه الرئيس الأمريكي الجديد، اعتمادًا على الخلفية والمرجعية الحزبية التي جاء منها، والمتمثلة في الحزب الديمقراطي Democratic Party، أملاَ أن يحذو بايدن حذو سلفه أوباما، وهو ما جعلها تبادر فور غلق صناديق الاقتراع بإصدار بيان بإمضاء إبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، المصنفة إرهابية وفق أحكام القضاء المصري، تبارك الاستحقاق وترفقه بمجموعة من المطالب، وأثار جدلاً كبيرًا.

ثمّنت جماعة الإخوان العملية الانتخابية الأمريكية، واعتبرت فوز بايدن برهنة على أن الشعب الأمريكي ما زال قادرًا على فرض إرادته، كأنها كانت ترقب بشغف وقلق يساورها من فوز ترامب بولاية ثانية. وفي مغازلة منها، ذكرت الجماعة في بيانها تمنيها “للسيد بايدن والشعب الأمريكي دوام العيش الكريم في ظل مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان”، أعقبته بتوضيح الغرض من البيان والذي تمثل في “أملها أن تتوجه الإدارة الامريكية الجديدة في مراجعة سياساتها إزاء ما أسمته بـ(الديكتاتوريات)، وما ترتكبه الأنظمة المستبدة حول العالم من جرائم وانتهاكات في حق الشعوب…”

على الضفة الأخرى وفي خطوة مسرعة وعلى خطى التنافسية بادرت هيئة كبار العلماء بالسعودية إلى إصدار بيانها المضاد أكدت فيه على أن “جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام”، وهو ما أيده مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية، معتبرًا أن هذا البيان هو “الفصل الأخير من تاريخ الجماعة المحظورة التي تشرف على نهايتها”.

لقد أرادت المؤسستان الدينيتان في كل من المملكة العربية السعودية ومصر بعث رسالة مباشرة إلى الإدارة الأمريكية الجديدة، التي في طريقها نحو التشكل، مفادها أن ملف الإخوان المسلمين في الخليج عامة والمملكة خاصة ومصر، أُغلِق ولا مجال لفتحه مرة أخرى. وحسب بعض التحليلات، فقد قطع فوز بايدن مساعي إدراج تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية كجماعة إرهابية، وهو ما كانت ستبادر به إدارة ترامب حال بقائه لولاية ثانية

داعش والقاعدة ومستقبل المواجهة

في أثناء المنافسة الانتخابية بين كل من المرشح الديمقراطي، جو بايدن، والمرشح الجمهوري، دونالد ترامب، ذكر الأخير أنه حين اقتحم الجنود الأمريكيون المنزل الذي كان يختبئ فيه “بن لادن” عثروا على وثائق تحمل إمضاء زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، تكشف عن نيته اغتيال الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وهو ما سيتيح الفرصة لتولي نائبه آنذاك -جو بايدن– وهو غير مؤهل لهذا المنصب، وسيقود الولايات المتحدة إلى أزمة.

ساق ترامب هذه القصة ليدلل على رؤية تنظيم القاعدة آنذاك لبايدن، ليؤكد أنها لا تعير له اهتمامًا أو تخشاه لضعفه، وأنها ترى في وجوده أملاً كبيرًا لتحقيق ما ترنو إليه.

بيد أن “القاعدة” في الوقت الراهن في أضعف حلقاتها بعد انشطارها وانقساماتها في أكثر من جغرافية مقارنة بالماضي القريب منذ أن قادها أيمن الظواهري خلفا لـ”بن لادن” بعد مقتله، في حين تدور التكهنات بوفاته ولا يُعرف شيء عما إذا كان على القيد الحياة أم لا؟ ما يجعل مستقبل “القاعدة” على المحك، إلا أن ذلك لا ينفي خطورتها وإن كانت محدودة التأثير في الظرفية القائمة.

بموازاة ذلك، يبقى تنظيم داعش الخطر الأكبر والمتمثل الجهادي الأبرز الذي يقف على رأس المهام في أجندة بايدن العسكرية المستقبلية، خاصة أنه حتى اللحظة ما زالت تلحق به وصمة بروز التنظيم وصعوده على ما أضحى عليه في الرقة والموصل عام 2014، حين ترك العراق ممزقًا في أثناء شغله لمنصب نائب الرئيس أوباما، وحينها كان مسؤولاً عن الملف العراقي.

تسببت علاقة بايدن القوية والحميمة مع رئيس الوزراء العراقي -آنذاك– نوري المالكي، في غض طرف الإدارة الأمريكية عن ممارساته الطائفية –سواء أكان ذلك عن عمد أم بنحو عفوي- وإفساح المجال لإيران وتمثلاتها الميليشياوية والتنظيمية التابعة لها في التجذر سياسيًّا ومجتمعيًّا في الداخل العراقي، الأمر الذي أسهم في سخط المجتمع العراقي كله، ما شكل حاضنة -وقتية- لتنظيم أكثر تطرفًا من أسلافه ممثلاً في تنظيم “داعش”، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أسهم تقليل الوجود العسكري الأمريكي في العراق فترة تولي ترامب السلطة في استفادة تنظيم داعش من الفراغ الأمني الذي نجم عنه، لإعادة تمركزها مجددًا بعد خسارتها في الرقة والموصل، إلا أن ذلك لا ينفي نجاح إدارة ترامب في القضاء على أمير التنظيم أبو بكر البغدادي، وهذا يجعل من مهمة بايدن تجاه التنظيم ملحة وضرورية، خاصة بعد فتحه جبهات جديدة في دول الساحل وشرق وغرب إفريقيا.

وفي العدد الأخير لصحيفة النبأ الأسبوعية، التي يصدرها تنظيم داعش، بدا عبر المقالة الافتتاحية لها كأن التنظيم يتأهب لمعرفة الخطوات العسكرية التي ستتبعها الولايات المتحدة الأمريكية تجاهه في المرحلة المقبلة، رغم تأكيد نظرته أن ترامب وبايدن وجهان لعملة واحدة.

إن ما تمكن الإشارة إليه في النهاية هو أن الرئيس الأمريكي الجديد قد يحتاج إلى وقت أطول للتعاطي مع مثل هذه القضايا والإشكالات، خاصة أنها تتعلق في مجملها بالشأن الخارجي، نظرًا إلى حجم المهام الأكثر وعورة التي تنتظره بالداخل كما أسلفنا سابقًا. ويمكن القول إن بايدن وإدارته الجديدة سيسعيان في التعامل مع القوى الإسلامية السياسية ومواجهة التنظيمات الجهادية لوضع إستراتيجية سياسية وعسكرية لا تكون بالضرورة مستنسخة من أسلافه الديمقراطيين، ولا تسير على نهج ترامب، ما يجعلنا نتكهن بأنه سيعمل على إتاحة الفرصة لجماعة الإخوان لاستمرار الوجود بنحو أشبه بتجميدها وتحييدها، دون أن تكون فاعلة على المستويين السياسي والمجتمعي، هذا من جهة، ومواجهة فاعلة للتنظيمات الجهادية بشكل إعلان الحرب عليها ومحاولة تقويضها وتحجيم تمددها من جهة أخرى، مثل ما فعله الرئيس السابق أوباما في حربه على داعش.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram