زوايامختارات

بايدن وترامب لم يتحدثا عن الحرب: كفى موتًا “من أجل ربطة عُنُق”!

 

الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، يوم تُتاح فيه الفرصة للناخبين الأمريكيين للتصويت وتأكيد رؤيتهم للمستقبل. بعد مضي 8 أيام (عند حلول يوم المحاربين القدامى) سيقف الكثيرون لتكريم أولئك الذين أدوا خدماتهم في القوات المسلحة الأمريكية. وهي فرصة لإعادة النظر في بعض عواقب تلك الانتخابات على إستراتيجيات الأمن القومي والمهام العسكرية.

من المؤسف أنه لم تتح لنا الفرصة للتفكير في مثل هذا الأمر خلال فترة الحملات الانتخابية. في عام 2020، أعرب مرشحو الرئاسة عن وجهات نظرهم بشأن جائحة “كوفيد-19″، والانتعاش الاقتصادي، وكيفية مواجهة حالة العنصرية العرقية المزمنة، وقضية تغير المناخ. ونادرًا ما قدمت الحملات الانتخابية إجابات واضحة، ولكننا نمتلك، في الحد الأدنى، بعض المؤشرات على ما يمكن توقعه من هؤلاء المرشحين بشأن هذه القضايا الحاسمة. لكننا في الوقت ذاته نفتقر إلى أي تفاصيل عن آراء المرشحين في الدور الأمريكي حول العالم واستخدام القوة العسكرية الأمريكية.

فقد تكون هذه الانتخابات محورية في ما يتعلق بالدور العالمي الأمريكي. ويمكننا فقط أن نستنتج من قراءة تاريخهما ما قد يفعله دونالد ترامب وجو بايدن خلال السنوات الأربع المقبلة. فقد تضمنت المناظرة الثانية بينهما قسمًا لمناقشة “الأمن القومي” ولكن سرعان ما انزلق النقاش إلى  مزاعم متبادلة عن الحسابات المصرفية وشركة بوريسما. وكانت النتيجة، أننا لم نعلم شيئًا تقريبًا عن وجهات نظر أي من المرشحَين.

المناظرة بين ترامب وبايدن

ترامب “مدفوع بالأنا”.. وبادين “تقليدي”

على مدى السنوات الأربع الماضية، أثبت الرئيس دونالد ترامب أنه مدفوع بالغرائز التنافسية والأنا النرجسية. فهو لا يعبأ كثيرا بمسائل الإستراتيجية أو الاهتمام بالتاريخ. إنه يفضل ترتيب المعاملات الثنائية أو الأحادية على العمل مع الحلفاء التقليديين والشركاء الدوليين. وقد تراوحت هذه التعاملات بين الإعلان المفاجئ عن سحب القوات الأمريكية والتهديد بالحرب على إيران وكوريا الشمالية.

ويعتبر تاريخ بايدن كعضو في مجلس الشيوخ الأمريكي ونائب رئيس في إدارة أوباما أكثر تقليدية. إنه يدعم حلف الناتو والاتفاقيات متعددة الأطراف والالتزام بالمعاهدات ويقرّ بالالتزامات والمسؤوليات الأمريكية العالمية. لكن موقفه لم يكن متسقًا بشأن خططه المحددة في ما يتعلق بمشاركة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان.

دعم كلا المرشحين حرب العراق، وتحدث جو بايدن عن الحفاظ على بعض الوجود الأمريكي في أفغانستان. في المقابل، وعد الرئيس ترامب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول بإعادة القوات من أفغانستان “إلى أرض الوطن بحلول عيد الميلاد”. وجرى الاحتراز لاحقًا من قراره في هذه التغريدة بواسطة مسؤولي إدارة ترامب الآخرين.

ونحن إذ ننظر إلى آراء المرشحيْن وتاريخهما، يوفر لنا يوم المحاربين القدامى أيضًا فرصة للنظر إلى تاريخنا الخاص كونه غير منبت الصلة. أقل من 3%  من قدامى المحاربين الأحياء الذين سنكرّمهم هذا العام خدموا في الحرب العالمية الثانية. لقد كانت حربهم ذات مهمة عسكرية واضحة –وهي الاستسلام غير المشروط للأعداء- وكان تحقيق هذه المهمة بمثابة نهاية واضحة للحرب.

ترامب مع عناصر من الجيش الأمريكي

مآلات حروبنا

وعمومًا، افتقرت حروبنا اللاحقة في كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان إلى مهام عسكرية واضحة ومتسقة. مع وجود استثناء وحيد -عملية عاصفة الصحراء عام 1991- تحولت تلك المهام إلى عمليات عسكرية تكتيكية متكررة تفتقر إلى أي إستراتيجية وطنية واضحة أو هدف محدد. ويوفر لنا شهر نوفمبر/ تشرين الثاني فرصة جيدة للتفكير في هذا التاريخ.

قبل 70 عامًا، وعد الجنرال دوجلاس ماكارثر القوات الأمريكية المشاركة في كوريا “بتناول عشاء عيد الميلاد في المنزل”. وعلى نحو مأساوي، من وصل من هذه القوات إلى الوطن في عيد الميلاد عام 1950 جاء محمولاً على متن سفن المستشفيات أو داخل توابيت في حمولات الشحن. وبحلول شهر أكتوبر/ تشرين الأول، طوّرت الولايات المتحدة هدفها العسكري، من حالة الدفاع عن كوريا الجنوبية ضد جيش كوريا الشمالية الغازي إلى السعي لهزيمة كوريا الشمالية.

في ذلك الشهر تحديدًا، دفع ماكارثر القوات الأمريكية إلى التحرك نحو نهر يالو، الذي يفصل شبه الجزيرة الكورية عن الصين. ورفض تحذيرات بكين بأنها ستتدخل في الحرب إذا اقتربنا من هذه الحدود. وحتى عندما كان الجنرال ماكارثر يعلن عن العودة إلى الوطن بحلول عيد الميلاد، كان الجيش الأمريكي الثامن يعاني من خسائر فادحة في معركة في شمال غرب كوريا، وانخرطت الفرقة الأولى من قوات المشاة البحرية في معركة كبرى بالقرب من صهريج تشوسين، ثم قاتلوا وهم في طريق عودتهم إلى الميناء في هونجنام.

وعندما أتت عطلة عيد الميلاد، كانت القوات الأمريكية مطاردة من الشمال ومشتبكة في حرب مع القوات الصينية ستستمر قرابة 3 أعوام أخرى. وخاضت 5 معارك أخرى للسيطرة على مدينة سول فقط. واليوم، لا تزال القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، في حين تخفق أعلام كوريا الشمالية فوق صهريج تشوسين.

وقبل 55 عامًا، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1965، خاضت فرقة من سلاح الفرسان الأمريكي أول معركة كبيرة في حرب فيتنام، معركة لادرانج. كان الرئيس جونسون قد أرسل قوات برية أمريكية إلى فيتنام في الربيع الماضي “لتعزيز النظام العالمي” ولـ”حماية شعب” جنوب فيتنام.

ادعى كل طرف النصر في معركة لادرانج، ولكن لم يكن على الأرض تغيير في حالة السيطرة الميدانية، وهي الحالة التي ستستمر لمدة 7 سنوات، حتى يتم التفاوض على هدنة لسحب جميع القوات الأمريكية. وخلال تلك المفاوضات المطولة التي انعقدت في باريس، قال وزير الخارجية هنري كيسنجر القوات الأمريكية الموجودة في فيتنام: “نحن نلعب اللعبة الأكثر تعقيدًا مع السوفييت والتي تشمل أمورًا ممتدة إلى ما هو أبعد من المعركة في فيتنام، على الرغم من أهميتها”. بعد عامين من توقيع الهدنة، احتل الفيتناميون الشماليون مدينة سايجون، واليوم لادرانج وغيرها من ساحات القتال الأخرى جزء من جمهورية فيتنام الاشتراكية.

جنود أمريكان في أثناء حرب فيتنام

بدأت العملية العسكرية الأمريكية في أفغانستان قبل 19 عامًا، ردًّا على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول. سعت الولايات المتحدة وحلفاء الناتو لمعاقبة أسامة بن لادن ومقاتليه في تنظيم القاعدة وإسقاط حكومة طالبان التي دعمتهم. بدأ غزوهم في أكتوبر/ تشرين الاول 2001 ، وبعد مرور شهر استولى هذا التحالف والتحالف الشمالي الأفغاني على مزار شريف ثم كابول وقندوز. وتراجعت قوات طالبان المتبقية عائدة إلى ديارها أو انسحبت إلى باكستان.

ثم توسع الهدف الأمريكي من الحرب ليشمل المزيد من الأهداف السياسية لضمان وجود حكومة مستقرة و”ديمقراطية” في أفغانستان ولشن “حرب على الإرهاب”. ونظّم الجيش خطط عمل مدنية وبرامج تنمية اقتصادية. واستمر القتال. واليوم، أعادت حركة طالبان تنظيم نفسها وتسيطر بنحو أساسي على المنطقة المحيطة بمزار شريف، وتتفاوض على قدم المساواة مع الأمريكيين والحكومة الأفغانية.

خسائرنا في العراق

قبل 16 عامًا، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2004، قاد مشاة البحرية الأمريكية معركة في الفلوجة بالعراق لهزيمة قوات المقاومة العراقية التي كانت تسيطر على تلك المدينة. وبعد ما يقرب من أسبوع من القتال المفتوح وتكبُّد خسائر جسيمة، سيطر مشاة البحرية إلى حد كبير على المدينة. وجاءت هذه المعركة في أعقاب القرار الذي صدر في ربيع العام 2003 بالإطاحة بحكومة صدام حسين والتخلص من أسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها. وكما هي الحال في أفغانستان، توسعت أهداف الحرب بعد ذلك، مضيفة بعض الأهداف المدنية والاقتصادية نفسها، التي يشرف عليها الجيش مرة أخرى. وفي عام 2014، سيطرت قوات تنظيم الدولة الإسلامية على الفلوجة. وبعد ذلك بعامين، استعاد الجيش العراقي المدينة.

ويمكن للمرء أن يستخلص بعض الدروس من كل هذه الحروب والمعارك المذكورة. أولاً، قاتلت القوات العسكرية الأمريكية جيدًا بشجاعة. ولكن هذه الحروب لم تكن تتعلق في النهاية بكسب المعارك كخطوة نحو النصر أو حتى نحو الحل المرضي. لقد كانوا يفتقرون إلى هدف عسكري واضح ومتسق وإستراتيجية شاملة لتحقيقه. وكما كتب سون تزو قبل نحو 2500 عام، فإن التكتيكات من دون إستراتيجية هي طريق للهزيمة.

الجيش الأمريكي في العراق

لقد كانت هذه الحروب الأربع مكلفة للأرواح والأموال الأمريكية: فقد مات فيها أكثر من 101000 مجند ومجندة وجُرِح نحو 310000 شخص. وكانت أكثر كلفة بالنسبة إلى السكان المدنيين المحليين.

سيتذكر الكثيرون ويسخرون من صورة الرئيس جورج بوش على حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن في مايو/أيار 2003 مع وجود لافتة ضخمة خلفه مكتوب عليها “المهمة أنجزت”. من الصعب الجمع بين هذا الشعور بالنصر وحقيقة أن الأمريكيين ما زالوا عالقين في العراق بعد مرور 17 عامًا. ولكن المفارقة هي أن الجيش قد أنجز مهمته في ذلك الوقت -كما فعل من قبل في كوريا في أوائل خريف عام 1950 وفي أفغانستان في عام 2001- ليخسر مكاسب سابقة. وأثبتت مهمة فيتنام أنها المهمة الأكثر مراوغة والأكثر تكلفة من بين كل هذه الحروب.

الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن

وكما يحدث في الحياة والحرب، تطورت الأهداف وتغلبت المفاوضات السياسية على الاشتباكات العسكرية. يجب أن يكون الاشتباك العسكري والخسائر الحتمية اللاحقة عليه أكثر من مجرد ورقة للمساومة السياسية. في صيف العام 1953، تكبد الأمريكيون وحلفاؤهم في حلف الناتو خسائر فادحة في معركة بورك شوب هيل في كوريا عندما كان المفاوضون يكملون توقيع الهدنة النهائية. تحدّث الجنود الأمريكيون في كوريا عن “الموت من أجل ربطة عنق”. نحتاج إلى أن نعرف في يوم المحاربين القدامى، كما ينبغي علينا في كل يوم، من يحمل ورقة المساومة ومن يدفع الثمن.

إنه من المهم في يوم الانتخابات أن نتعرف على عواقب الخيارات الانتخابية. ومن المؤسف أننا أنفقنا القليل من الوقت في الحملات الانتخابية في التفكير والمناقشة حول ما يمكن أن يعنيه ذلك لسياسة الأمن القومي لدينا. وبينما نعلن عن النهاية المنشودة على نطاق واسع، انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، دعونا نقول أيضًا إن تلك الأمور التي أوصلتهم إلى هناك كثيرًا ما كانت لمجرد اعتبارات تكتيكية وليست لأهداف إستراتيجية. لذلك قد يكون من الجيد أن نفكر الآن على نحو إستراتيجي في الانسحاب. وفي هذا الوقت، من الضروري التفكير على نحو إستراتيجي في التعامل مع إيران بدلاً من خوض المعارك هناك. فقد رأينا هذا السيناريو من قبل.

الكاتب: JAMES E. WRIGHT

 

المصدر
Defense One

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى