“كورونا”.. زلزال الاقتصاد العالمي

زلزال كورونا وإشعاراته تكتسي باللون الأحمر لتفيد أن جميع الأسواق العالمية هبطت كما لم تهبط منذ عقود وكأننا أمام نهاية العالم!. البيانات متدفقة، وأسعار الطاقة تقول إن جميع منصات النفط تهبط للأسوأ منذ حرب تحرير الكويت 1991.

باختصار وبدون تهويل، إن كورونا جعلنا أمام كارثة تحيط بالاقتصاد العالمي، وربما تجاوزت عام 2007/2008.

 

أولًا- ماذا نعرف حتى الآن عن الفيروس؟

بحسب منظمة الصحة العالمية، ما نعرفه هو أن كورونا “فيروس حيواني المصدر، ينتقل للإنسان عند المخالطة اللصيقة لحيوانات المزرعة أو الحيوانات البرية المصابة بالفيروس”.

وتُشير المعلومات الحالية إلى أن الفيروس قد يُسبب أعراضًا خفيفة تشبه الأنفلونزا. وبينما يظهر بمثابة مرض خفيف في البداية، فقد يتطور إلى مرض أكثر وَخَامة. ويبدو أن الأشخاص الذين يعانون من حالات مرضية مزمنة هم الأكثر عُرضة للإصابة بكورونا. كما يبدو أن المسنين أكثر استعدادًا للإصابة به.

 

ثانيًا- كيف كان الاقتصاد الصيني والعالمي قبل أزمة “كورونا”؟

الاقتصاد الصيني كان يشهد عدة أزمات قبل أن تضربه صدمة “كورونا”، وما يفتأ يخرج من إحداها حتى يسقط في أخرى.

 

فبرغم التوصل في ديسمبر/يناير 2019/2020 إلى اتفاق “المرحلة 1” مع الولايات المتحدة بخصوص تخفيض حدة الحرب التجارية بين البلدين، والبدء في صياغة اتفاق شامل، وتجميد كافة أنواع التصعيد الاقتصادي التجاري بين واشنطن وبكين؛ إلا أن الاقتصاد الصيني تلقى صدمةً جديدةً بظهور كورونا، تضاف إلى مخزون الأزمات لدى الحزب الشيوعي الصيني الذي يُعاني كثيرًا بسبب مخاطر وتهديدات عدة تواجه الاقتصاد الصيني

الأزمات التي صدمت الاقتصاد الصيني قبل “كورونا”:

1- التباطؤ الاقتصادي:

لو عدنا للوراء قليلًا لاكتشفت أن النمو الصيني كان يعادل ضعف النمو حاليًّا، وهي أزمة تعني تراجع كفاءة محركات النمو الصيني.

وبالتالي كانت القيادة الصينية الجديدة التي تولت المسئولية في 2013 تبحث عن محفزات جديدة لدفع النمو للأمام واستعادة كامل قوته.

ما هي محركات النمو؟

إنفاق الأفراد

إنفاق الحكومة

الاستثمار

التصدير

 

2- الديون:

وصلت نسبة ديون القطاع الخاص الصيني للناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى يُنذر بخطر شديد هو 155% رغم الانخفاض الطفيف في العام الأخير، غير أنها لا تزال تستقر عند مستوى يهدد أمن النظام الاقتصادي الصيني واستدامة نموه.

 

ثالثًا- ماذا عن التأثير المبدئي لأزمة “كورونا” داخل الصين:

1 – ماذا نعرف عن مدينة بؤرة الفيروس؟

بؤرة الاكتشاف والتفشي في الصين بمدينة “ووهان” بمقاطعة “هوباي”. لكن ماذا نعرف عن هذه المقاطعة؟ وما هو تأثيرها على الاقتصاد المحلي؟

 

ووهان” هي قلعة صناعية ضخمة تقع بداخل مقاطعة “هوباي” جنوب بكين في وسط-شرق الخريطة الصينية.

هوباي على الخريطة

 

2 – كيف كان التأثير على الاقتصاد الصيني حتى الآن؟

وفقًا للبيانات المتاحة –وهي كثيرة للغاية وشديدة التعقيد– نستطيع أن نقول إن الاقتصاد الصيني في حالة شلل شبه كامل.

سنستعين في قراءتنا بأربعة مؤشرات فقط، هي مؤشرات رئيسية لا تخلو منها أي دراسة اقتصادية:

  • المؤشر الأول: أداء الشركات الصناعية (المصانع).

 

المؤشر الثاني: أداء الشركات غير الصناعية

(مثل: العقارات، والبنوك، والزراعة، والسياحة.. إلخ).

 

المؤشر الثالث: مبيعات تذاكر السينما

هبوط المبيعات يعني تدهورًا كبيرًا في صناعة الترفيه الصينية، التي تُمثل وزنًا ثقيلًا في محركات النمو الصينية. ويدلل انخفاض عدد التذاكر المباعة على انعدام حركة التنقل بين المدن وداخل المدينة الواحدة بسبب الهلع والخوف أو الحجر الصحي والعزل الإجباري.

 

المؤشر الرابع: أداء الشركات الصغيرة والمتوسطة:

أعلن اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة الصيني أنه بناء على تجميع بيانات تخص عينة من 6422 شركة، فإنه وُجد أن نحو 80٪ من الشركات الصغيرة والمتوسطة الصينية ستنفد منها كل السيولة والاحتياطي، ولن تستطيع الاستمرار في التشغيل خلال شهر إلى 3 شهور في حال فشلت الدولة في احتواء الفيروس.

جدير بالذكر أن الشركات الصغيرة والمتوسطة لها تأثير بالغ الأهمية على الاقتصاد الصيني:

توفر 80٪ من فرص العمل.

تمثل 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

رابعًا- ماذا عن التأثير في الأسواق العالمية وأداء السلع الأساسية والمواد الخام والأسهم؟

قبل أن نتحدث عن التأثير على الأسواق والأسعار، عليك أن تعرف الوزن النسبي للصين في الاستهلاك العالمي. فحين ينخفض شراء واستهلاك الصين من السلع والمواد الخام (الطلب) مع ثبات الكمية المنتجة (العرض)، فمن الطبيعي أن تنخفض الأسعار، لأن بكين تشتري ملايين الأطنان من هذه السلع والمواد.

ما هو الوزن النسبي للصين في سوق السلع والمواد الخام؟

كم خسرت أسعار الطاقة؟

 

كم خسرت أسواق الأسهم العالمية؟

 

خامسًا- كيف نعرف أكثر الدول تأثرًا بما حدث في الصين؟

لكي تتعرف على أكثر المتضررين من كارثة شلل الاقتصاد الصيني، ما عليك سوى النظر إلى أكبر الشركاء الاقتصاديين للصين، وخاصة الشركات في قطاع السياحة، أو قطاع النفط، أو قطاع التجارة.

والمقصود هنا الدول التي تستقبل سياحًا صينيين بأعداد ضخمة، وكذلك الدول التي تمارس تجارة ضخمة مع الصين.

 

سادسًا- ما العلاقة بين كارثة النفط وكورونا؟ وماذا تريد كلٌّ من روسيا والسعودية؟

لكي تفهم العلاقة بين “كورونا” و”النفط” عليك أن تعرف عدة مصطلحات أساسية:

  • الإنتاج العالمي من النفط: 100 مليون برميل/يوميًّا.
  • أوبك: هي منظمة الدول المصدرة للنفط، وهي بالأساس دول الخليج العربي تقودها السعودية. وتُنتج هذه الدول يوميًّا نحو 24 مليون برميل (وهو ما يمثل 24% من الإنتاج العالمي من النفط).
  • أوبك بلس (+): هي دول أوبك + روسيا وعدة دول أخرى من خارج أوبك تنتج معًا نحو 41 مليون برميل (وهو ما يمثل 41% من الإنتاج العالمي من النفط).

تذكر القواعد الأساسية:

  • انخفاض الطلب + ارتفاع العرض = هبوط مرعب للأسعار.
  • انخفاض الطلب + ارتفاع العرض = ارتفاع أو استقرار للأسعار.

حين يتسارع نمو الاقتصاد الصيني يزداد احتياج مصانع الصين للنفط، أي إنها تستورد نفطًا أكثر (يرتفع الطلب)، ومع ثبات الكمية المنتجة ترتفع أسعار النفط. لكن حين يتباطأ نمو الاقتصاد الصيني يقل استهلاك مصانع الصين من النفط. وسنفترض افتراضًا منطقيًّا هو أن منتجي النفط “أوبك بلس” سيقومون –كعادتهم في آخر 3 سنوات- بخفض إنتاجهم (خفض العرض) لكي يتوازن السوق ويمنعوا هبوط الأسعار.

لكن ما حدث يومي السبت والأحد هو عكس ذلك. بالترتيب الزمني حدث ما يلي:

  • كورونا يتسبب في تعطيل المصانع وشلل الاقتصاد الصيني.
  • الصين تحتاج كمية نفط أقل من المعتاد.
  • استهلاك/استيراد/احتياج الصين من النفط ينخفض.
  • أي إن الطلب على النفط ينخفض.
  • دول “أوبك بلس” تجتمع في فيينا لتتفق فيما بينها على خفض الإنتاج.

أي إن الاجتماع يستهدف التعاون بين منتجي النفط الرئيسيين لخفض العرض من النفط.

– الهدف النهائي من خفض العرض هو موازنة السوق، ودعم السعر الحالي الذي يبلغ $50 للبرميل، ومحاولة رفعه إن أمكن.

– الاجتماع يفشل وروسيا ترفض خفض إنتاجها.

– السعودية تعلن فشل المفاوضات.

– السعودية تعلن رفع إنتاجها والتمسك بحصتها السوقية.

– أي إننا أمام الحالة: انخفاض الطلب + ارتفاع العرض = هبوط مرعب للأسعار.

– أسعار النفط تهبط من مستويات $50 إلى $41 ثم 32$ للبرميل.

– بهذا المستوى (32$) أسعار النفط تسجل أسوأ أداء يومي في 29 عامًا منذ حرب تحرير الكويت.

 

ثامنًا- التأثير المحتمل على الاقتصاد المصري:

هنا نطرح ثلاثة أسئلة مُلحة:

1– ما هي القطاعات المرتبطة بالعالم الخارجي التي من المحتمل أن تتأثر سلبًا؟

2– ما هي قدرة الاقتصاد المصري على تحمل الصدمات وكيف نقيسها؟

3 – إلى أي مدى يرتبط الاقتصاد المصري بنظيره الصيني؟

إجابة السؤال الأول:

القطاعات الخارجية المصرية التي تتعامل مع العالم الخارجي هي كالآتي:

 

– متحصلات الصادرات:

الصادرات النفطية في بيانات أحدث ربع سنوي مثلت نحو 33% من إجمالي الصادرات المصرية.

بناءً عليه فإن انهيار السعر العالمي لبرميل البترول من 65 دولارًا بداية العام إلى 35 دولارًا حاليًّا، يعني أن مبيعات صادرات النفط المصري سوف تتأثر سلبًا في الربع الجاري وحتى انتهاء أزمة كورونا.

لكن من ناحية أخرى فإن الوفورات التي سوف تتحقق من انخفاض تكلفة الاستيراد نتيجة انخفاض سعر البرميل، ستكون كبيرة أيضًا، وقد تكون معادلة للتكاليف التي سوف تنجم عن انخفاض قيمة الصادرات النفطية.

 

– تحويلات المصريين بالخارج:

لو استمر هبوط أسعار النفط فمن المتوقع حدوث ركود كبير في اقتصادات الخليج في الربعين الثاني والثالث من العام الجاري 2020، وبناء عليه قد تتجه الشركات الخليجية إلى خفض العمالة لديها، وهو ما سوف ينعكس سلبًا على تحويلات المصريين العاملين هناك.

– إيرادات السياحة:

الأسواق الرئيسية للسياحة المصرية، هي: ألمانيا، شرق أوروبا، روسيا، الخليج العربي.

بناء عليه فإن قرارات حظر وتعليق السفر بين مصر وهذه البلدان سوف تؤثر سلبًا على الأداء السياحي المصري.

إلا أن ما يُقلل الأثر السلبي لذلك هو انتهاء موسم الشتاء الذي يُعد أهم المواسم للوجهات السياحية المصرية.

– متحصلات الاستثمار الأجنبي المباشر.

ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر في أحدث ربع بمقدار 71% في قفزة كبيرة تستدعي النظر بإيجابية للإجراءات الحكومية الهائلة لتحفيز رجال الأعمال الدوليين وصناديق الاستثمار والشركات متعددة الجنسيات للتوسع في السوق المصرية، والدخول للسوق الإفريقية عبر القاهرة.

لكن رغم ذلك، ألقت أزمة كورونا بظلالها على المستثمرين في كل أنحاء العالم، حيث من المتعارف عليه أنه في حالات الهلع والارتباك يتجه المستثمرون نحو الملاذات الآمنة -كسندات الخزانة، والذهب، والين، والفرنك- ويبتعدون عن الاستثمارات المباشرة أو التي تحمل مخاطر عالية.

– إيرادات قناة السويس.

يمر بقناة السويس نحو 267 مليون طن بضائع قادمة من منطقة جنوب شرق آسيا (غالبيتها العظمى من الصين) إلى الجزء الشمالي من العالم، وذلك من إجمالي 1030 مليون طن بضائع مرت في القناة بنهاية 2019. لذا قد نرصد تراجعًا في إيرادات القناة بالربع الأول من 2020 إلى أن تنتهي الأزمة.

مؤشر القدرة على تحمل الصدمات:

نقيس المؤشر عبر عدة معايير:

– الاحتياطي النقدي الذي استطاعت السلطات النقدية المصرية مراكمته في الأعوام الثلاثة الماضية ووصل إلى ٤٥ مليار دولار، والذي يكفي لتلبية احتياجات الدولة لثمانية أشهر، وهو معدل قياسي ومُطَمْئِن ويكفي لمواجهة أي طارئ.

– الاحتياطي من السلع الاستراتيجية

يتراوح بين 3 أشهر و5 أشهر وهو معدل مُطَمْئِن.

– الاكتفاء الذاتي من الخضروات والفاكهة

يتراوح بين 70% و150% وهو معدل مُطَمْئِن.

– التحول نحو الاكتفاء الذاتي من الغاز

يطمئننا على أوضاع الطاقة، خاصة توليد الكهرباء التي تعتمد في محطاتها الحديثة على الغاز.

– ارتفاع نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاجنا الكهربائي بدلًا من المصادر التقليدية المعتمدة على السولار يمنحنا مزيدًا من الطمأنينة حيال توفير وتوزيع الكهرباء على المصانع والمستشفيات والمنازل.

– تحقيق فائض أولي بالموازنة العامة (2%)

يمنح مساحة كافية للحركة والتعامل مع أي أزمة مصاريف عاجلة قد تطرأ بسبب “كورونا”.

– تُجري الحكومة والبنك المركزي هذه الأيام العديد من الدراسات والخطط لتحفيز ودعم القطاعات التي من المحتمل أن تتضرر، وعلى رأسها شركات السياحة والفنادق والسفر والطيران، وهو ما سوف يقلل من الصدمة المحتملة.

أسوأ الاحتمالات / السيناريو التشاؤمي:

– ارتفاع قيمة الدولار أمام كل عملات الأسواق الناشئة بما فيها الجنيه المصري بنسب تتراوح بين 5% و10%.

– احتمالات ارتفاع بعض أسعار المواد الأساسية ليدفع التضخم العام والأساسي للتحرك من مستوى 5.3% المتحقق في فبراير الماضي إلى مستويات 8% و12% في الأشهر الثلاثة التالية (أبريل، ومايو، ويونيو).

إجابة السؤال الثالث: 

يرتبط الاقتصاد المصري بنظيره الصيني عبر القطاعات التالية:

 

بناءً على الأرقام المذكورة أعلاه، نجد أن الصين لا تستحوذ على نسبة هائلة من التجارة المصرية مع العالم كما يتصور البعض، وإنما يتوقف وزنها النسبي عند 15%، وهو ما يقلل من القلق المتزايد في هذا الخصوص.

لكن تظل السلع الصينية هامة للاقتصاد وأنشطة الأعمال المحلية، خاصة السلع الوسيطة والرأسمالية ومدخلات الإنتاج.

لذا لو طالت الأزمة أكثر من 3 أشهر فقد نرى ارتفاعًا في أسعار بعض السلع النهائية والأجهزة المعمرة المصنوعة محليًّا، وهو ما يغذي معدلات التضخم.

 

ختامًا: ما هي أفضل القرارات أمام الأفراد والحكومة؟

– السخرية ونشر النكات لا يُفيد، بل يعقد الأمور ويضخم الأزمة ويعرقل جهود الحكومة في احتوائها، ويهدر كثيرًا من الموارد في مواجهة آلة الكذب بدلًا من توجيهها ناحية القضاء على الأزمة.

– البيانات الرسمية الحكومية بالشراكة مع بيانات منظمة الصحة العالمية هي البيانات الوحيدة ذات المصداقية.

– المصداقية والشفافية الحكومية في إعلان خطواتها وإجراءاتها هو أفضل خيار لتقليل الخوف بين الناس وطمأنتهم.

– إعلان الخطة الاقتصادية وكيفية إدارة الأزمة لطمأنة مجتمع الأعمال أمر حيوي وجوهري في التوقيت الحالي.

– قد تفكر الحكومة والسلطات النقدية في ثلاثة خيارات لمساعدة الأفراد ولتحفيز الأسواق ودعم الشركات التي يُحتمل تضررها، وهي:

1- تخفيض ضرائب الدخل مؤقتًا على الأفراد لخفض الأعباء.

2- تخفيض سعر الفائدة لخفض تكلفة الاقتراض على الشركات.

3- تصميم حزم إنقاذ لصالح بعض القطاعات المحتمل تضررها (كالسياحة والفنادق).

بمشاركة

غُلاف

أحمد بيكا

فيديوجرافيك

طه حسين

فيديوجرافيك

محمود أسامة

قصــة

محمد نجم

مُحلل اقتصادي مصري

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram