بحثًا عن ملابس آمنة لأطفالك:

لا يزال القطن صديقًا

لجأت “ماهيتاب”، أم تبلُغ من العمر 26 عامًا، لملابس القطن العضوي من أجل طفلتها الرضيعة التي أصيبت بحساسية الجلد، بعد أن وُلدت ببشرة حساسة جعلتها تتوخى الحذر في انتقاء كل ما يُلامس جسد صغيرتها، ملابس أو لُعب، ولكن مرحلة البحث عن هذا النوع من الملابس استغرقت وقتًا طويلاً بسبب قلة توافرها في الأسواق المصرية.

تُعرف منظمة “جرين إستراتيجي” السويدية الملابس الصديقة للبيئة أو الموضة الأكثر استدامة بأنها الملابس والأحذية والأكسسوارات التي تُصنع وتُسوّق وتُستخدم بأكثر الطرائق استدامة للمحافظة على البيئة، ومراعاة الجوانب والاجتماعية والاقتصادية في الممارسة العملية، وهذا يعني العمل المستمر لتحسين جميع مراحل دورة حياة المنتج.

ملابس الأطفال - تعبيرية
مخاطر الملابس التقليدية وبحث الأمهات عن بديل آمن

في بحث أجرته مجلة باريبكس العلمية الهندية بعنوان “دراسة عن مشكلات ملابس الأطفال بين الأمهات” في عام 2019، تبين أن الأمهات يبحثن عن ملابس لأطفالهن توفر لهم الراحة ولا تحمل كائنات دقيقة تنقل الأمراض، وأيضًا لا تسبب لهم حساسية، كما أن الأمهات يفضلن عمومًا الأقمشة القطنية الناعمة فهو يعطي شعورًا دافئًا لأطفالهم.

وتُشير المجلة إلى أن تفضيلات المستهلك تتغير كل يوم، وازداد الطلب على الملابس الصديقة للبيئة، فمعيار النظافة والصحة هي المتطلبات الأساسية لكي يعيش الطفل مرتاحًا مع ظهور تقنيات جديدة.

وأظهر بحث ميداني أُجري في مدينة أودايبور بالهند أن 74% من الأمهات أصيب أطفالهن بحساسية الجلد نتيجة لاستخدام ملابس غير ملائمة، و68% من الأمهات يفضلن الملابس القطنية، و88% فضلن الملابس الصديقة للبيئة، و98% قلقات بشأن السموم في ملابس أطفالهن، و93% يردن الملابس المضادة للميكروبات لأطفالهن.

وأشار بحث نُشر بمجلة “سفير” العلمية عام 2019 بعنوان “مخاطر على صحة الإنسان بسبب التعرض للمواد الكيميائية غير العضوية والعضوية في المنسوجات”، إلى ظهور تأثيرات كيميائية لا يستهان بها في بعض المنسوجات والملابس التي تحوي مواد كيميائية تصنف بالسامة، وأن تعرض جلد الإنسان لهذه المواد قد يؤدي إلى مخاطر صحية محتملة، منها حساسية الجلد، خصوصًا لدى الأطفال والرُضّع.

ملابس أطفال

وواحد من أخطر هذه المركبات هي مادة الفثالات، وهي مركب كيميائي يُستخدم في الملابس ولعب الأطفال البلاستيكية، ويجب أن يؤخذ في الاعتبار أن المستهلكين النهائيين للمنسوجات المُستخدم فيها هذه المادة هم الأطفال، وهم الفئة الأكثر عرضة لهذه المركبات المسببة لاضطرابات الغدد الصماء.

ويشير تقرير على موقع مستشفى سرطان الأطفال عن هذه المادة، إلى أن التأثير على صحة الإنسان من التعرض لكمية قليلة من هذه المواد غير معروف حتى الآن، ولكن تشير جهات مثل الاتحاد الأوروبي و”الإف دي إيه” إلى أن مادة الفثالات لها تأثير في النمو والصحة الإنجابية، لذلك ينصحون بأنها لا تزيد على نسبة ضئيلة في منتجات الملابس.

وتوضح منظمة “أمريكا الخضراء” بواشنطن في تقرير لها عن ملابس الأطفال الصديقة للبيئة، عدة مشكلات في ملابس الأطفال التقليدية، كالمصنوعة من القطن غير العضوي، مثل رشه بمواد كيميائية مثل الألديكارب شديد السمية  للإنسان، ومع ذلك ما زال يُستخدم في بلدان عديدة وفقًا لجمعية التجارة العضوية (أو إيه تي)، ويُستخدم أكثر من 10% من المبيدات الحشرية في العالم، و25% من المبيدات في إنتاج القطن.

أما ملابس البوليستر والنايلون، المصنوعة من البتروكيماويات التي لها تأثيرات بيئية خطيرة، فوجب أن نعرف أن تصنيع النايلون ينتج عنه أكسيد النيتروز، وهو أحد الغازات الدفيئة، كذلك من الألياف الاصطناعية الأخرى التي تثير القلق هي الرايون نظرًا إلى أنه مصنوع من لب الخشب، وغالبًا ما تُنظف الغابات القديمة لإفساح المجال لمزارع لب الخشب أيضًا، ولتحويل اللب إلى رايون يُعالج بمواد كيميائية سامة مثل حامض الكبريتيك، الذي يعتبر مادة سامة محتملة للجلد والأعضاء والعضلات والهيكل العظمي لدى المعاهد الوطنية للصحة.

لذلك تنصح منظمة أمريكا الخضراء بأنواع من القماش لتصنيع ملابس أطفال صديقة للبيئة ولبشرتهم.

أنواع ملابس الأطفال الصديقة للبيئة

(1) القطن العضوي :
يزرع دون استخدام المبيدات الكيماوية والأسمدة.

(2) القنب الصناعي :
ينتج بسرعة أكبر بثلاث مرات من الأقمشة لكل فدان من القطن، ولا يتطلب سوى القليل من المبيدات الحشرية أو مبيدات الأعشاب.

(3) بوليستر معاد تدويره :
مصنوع من زجاجات الصودا المعاد تدويرها، والأقمشة المصبوبة، والملابس البالية.

(4) الصوف :
قابل لإعادة التدوير، ولا يحتاج إلى مواد كيميائية لينمو، ومقاوم للحريق بنحو طبيعي.

(5) الصويا :
يتكون من ألياف بروتين الصويا المتبقية بعد معالجة فول الصويا إلى التوفو والزيت والحليب.

(6) الخيزران :
نبات قوي ينمو بسرعة وسهولة، يمكن استخدامه بطريقة صديقة للبيئة.

مبادرات مصرية لزراعة القطن العضوي

من أكثر أنواع الأقمشة انتشارًا في ملابس الأطفال الصديقة للبيئة، تلك المصنوعة من القطن العضوى، وهو نوع من الأقطان یُزرع وینمو بدون استخدام أيّ مواد كیميائیة، سواء أكانت تلك المواد مبیدات حشریة أم مخصبات زراعیة.

وتعد إحدى أشهر الشركات التي تعمل في هذا المجال شركة “سيكم”، التي أسسها الدكتور إبراهيم أبو العيش، عالم الكيمياء التطبيقية، وهي أحد أقدم الشركات في مصر، والتي مُنحت شهادة “جوتس” الدولية للمنسوجات والملابس العضوية، كما أنها مهتمة بالزراعة الحيوية ومن ضمنها زراعة القطن العضوي، وإنتاج ملابس صديقة للأطفال للسوق المحلية أو تصديره للخارج، والتي تمر بمراحل عديدة حتى يخرج منتج ملائم للأطفال.

يقول إبراهيم سعد، مسؤول التخطيط الزراعي بالشركة، إن الفرق بين زراعة القطن العضوي وغير العضوي هو عدم إضافة أي سماد أو مبيدات كميائية ضارة بالبيئة من أول بذرة القطن حتى نهاية جمع المحصول، فيجب أن تكون بذرة القطن غير معدلة وراثيًّا، وجاءت من مصدر عضوي بالتعاون مع وزارة الزراعة، ويُسمّد القطن بالكومبوست، وهو سماد عضوي مكون من مُخلفات نباتية وحيوانية فقط، بالإضافة إلى المستحضرات الحيوية، وبعد يومين من الزراعة يُضاف سماد القرون لمساعدة النبات على زيادة المجموع الجذري، فضلاً عن سماد الكوارتز لمساعدة زهرة القطن على الازدهار.

قطن عضوي
اختبار دودة القطن

وبديلاً عن المبيدات الكميائية، يضع المهندسون والعمال الزراعيون بعد شهر من الزراعة “المصيدة المائية” مع هرمون “الفرمون” لجذب الفراشات من أجل اختبار ما إذا كان القطن معرضًا للإصابة بدود القطن أم لا، وبعد نحو شهرين يضعون كروت الترايكوجراما، التي تعمل على استبعاد الإصابة بديدان اللوز.

ويؤكد إبراهيم الديب، مسؤول تشغيل الغزل والأقطان بالشركة، أنهم عند جمع القطن يأخذون من كل مزرعة عينات لتحليلها في معمل حكومي لضمان سلامة القطن، والتأكد من وجود نِسب محددة من المواد الكيميائية المسوح بها من منظمة الجوتس، وما لا يطابق المواصفات لا يقبلونه.

ويوضح سعيد أحمد، مشرف تصنيع الملابس بالشركة، أنهم يسحبون عينة من الملابس لضمان مطابقتها المواصفات قبل البدء في تفصيلها، وكذلك الأمر قبل التغليف لضمان الجودة قبل التصدير.

ياسمين أيمن، مسؤولة التعامل مع العملاء بشركة سيكم، تقول إنهم يحرصون على أن تكون عملية الزراعة والدباغة والصناعة كاملة بطريقة صديقة للبيئة، وأن ملابس الأطفال واللعب من قماش وحشو من القطن عضوي 100%، وتشير إلى أن عدد العملاء لملابس الأطفال في مصر 6 فقط، لأن مفاهيم الزراعة العضوية والملابس الصديقة للبيئة حديثة العهد بالمجتمع المصري، لكن الوعي بها زاد آخر 5 سنوات، ولعملاء ألمانيا وأمريكا النصيب الأكبر من منتاجتهم.

وأضافت أن الأمهات يسألن على صفحات الشركة بمواقع التواصل الاجتماعي عن نوع القماش المصنوع منه الملابس وما الفرق بينه وبين القطن غير العضوي وما يناسب أطفالهن، لأنهن يبحثن عن ملابس آمنة على أطفالهن بسبب انتشار حساسية الأطفال.

ملابس أطفال
الأمومة دافع "شهيرة" لبدء مبادرة لملابس أطفال طبية

ولادة ابنها الأول كان إشارة البدء لـ”شهيرة عادل” للتفكير في مبادرة مصرية لإنتاج ملابس صديقة للبيئة للأطفال، ففي أواخر شهور الحمل واجهت “شهيرة” في أثناء تجهيز منتجات للعناية ببشرة طفلها وملابس قطنية مشكلة في عدم توافر ملابس صديقة للبيئة وللطفل بكثرة، كما أن بعضها به مواد كميائية ضارة قد تسبب لطفلها الأول مخاطر صحية، فاستعانت بمبادرة والدتها الدكتورة منى العريان (نفرتاري) التي تصنع منتجات طبيعية للعناية بالبشرة لتصنيع منتجات خاصة بطفلها.

شهيرة عادل ووالدتها

بعدها قررَت بدء مبادرة جديدة تحت باسم “نفرتاري بيبي” عام 2019 لإنتاج منتجات طبيعية من القطن العضوي مرخص من منظمة “الجوتس”، وخلال 6 أشهر بدأت مبادرتها بتوفير فوط الأطفال لتغيير الملابس مع محلول طبيعي من زيت جوز الهند العضوي ليحمي الطفل من التهاب الحفاظات، ثم ملابس مصنوعة من القطن العضوي، غير مصبوغة بألوان تحوي مواد كيميائية، ولعب أطفال آمنة على البشرة من القطن والأخشاب بديلاً للألعاب البلاستيكية التي يمكن أن تكون بها مواد ضارة بالطفل.

تقول “شهيرة” إن ما يميز الملابس المصنوعة من قطن عضوي أن به كودا تستطيع الأم من خلاله معرفة أصل القطن، وأين زُرع، والمسار الذي سار به ملبس الطفل حتى وصوله للمستهلك من على موقع منظمة “الجوتس”، وذلك يوفر الأطمئنان للأمهات الباحثات عن شيء آمن لأطفالهن.

وأضافت أن مبادرتها استطاعت أن تضيف جزءًا من الوعي للأمهات عن أهمية الملابس الصديقة للبيئة، وبمضي الوقت يزداد معدل الطلب على هذا النوع من الملابس خصوصًا للأطفال حديثي الولادة.

نفرتاري بيبي
مبادرة أمريكية بقطن عضوي مصري

ورغم أن المبادرات المصرية لتصنيع ملابس صديقة للبيئة للأطفال من القطن العضوي قليلة، فإن العديد من المبادرات في الخارج تعتمد على القطن العضوي المصري بالأساس في تصنيع ملابسها، منها مبادرة “تكيتنو” لزوجين مصري وإسبانية، و”تحت نهر النيل” لتصنيع ملابس الأطفال لزوجين مصري وأمريكية.

أثناء زيارة جانيس مسعود، مصممة الأزياء الأمريكية إلى مصر هي وزوجها المصري لمدة 30 يومًا، قررت أن تبحث عن مزارع ومصانع تنتج القطن المصري العضوي، فهي تستخدم الملابس المصنوعة من القطن المصري لأطفالها لجودته العالية، بحسب وصفها، الأمر الذي جعلها تبحث عن وكيل مصري لتُؤسس مبادراتها الأولى لتصنيع ملابس أطفال صديقة للبيئة “تحت نهر النيل”.

تقول جانيس لـ”ذات مصر” عبر تطبيق “زووم” إن بحثها الدائم عن ملابس آمنة لأطفالها بجانب شغفها بالأزياء كان دافعها لبداية تصميم ملابس وألعاب أطفال وتصنيعها من خلال مزارع القطن المصري العضوي، وبيعها في أمريكا وكندا فضلاً عن بعض المحلات بدبي والسعودية.

ورغم تثبيط أصدقائها لها، بأنها لن تجد قطن عضوي في مصر إلا إنها لم تيأس، فأثناء تجولها في آخر يوم لها في زيارتها لمصر بمدينة هليوبوليس، وجدت محلًا صغيرًا يبيع ملابس للأطفال مصنوعة من القطن العضوي المصري، قررت التواصل مع الشركة المُصنعة وزيارة مزرعتها لتبدأ رحلتها في صناعة هذا النوع من الملابس.

القطن المصري

وتكمل “جانيس” أنها في بداية مشروعها لم تكن تسوّق له كملابس عضوية أو صديقة للبيئة لأن المفهوم لم يكن منتشرًا بين الناس في البداية، لكن مع بدء تحدث بعض مشاهير هوليوود عن هذا النوع من الملابس بدأ الانتشار ومن ثم زيادة الطلب عليه، كما أنها في بداية قامت بتصنيع الملابس الداخلية من “فانلات وسالوبيت” لأنها تلامس جلد الطفل مباشرة والتي من المهم أن تكون خالية من أي مواد ضارة بصحة الأطفال.

ورغم أن مصر معروفة بالذهب الأبيض-القطن- فإن النصيب الأكبر لزراعة القطن العضوي للهند بنسبة 51% والصين 17%، في حين تنتج مصر 0.12% من الإنتاج العالمي، و19 دولة فقط زرعت القطن العضوي في 2018/2019، وفقًا لتقرير منظمة تبادل المنسوجات الدولية عن تجارة القطن العضوي في العالم عام 2019. 

وبالبحث في قواعد بيانات منظمة معايير المنسوجات العضوية العالمية عن المبادرات والشركات الممنوحة شهادة “جوتس” الدولية للمنسوجات والملابس العضوية، وجدنا 27 شركة مصرية فقط، في حين أن للهند مثلاً 1759 شهادة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

منة عبد الرازق

صحفية مصرية

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram