"بحر بلا ساحل"

تاج العارفين الجُنيد البغداديّ

“أبو القاسم الجنيد البغدادي”، تاج العارفين وسيد الطائفة. كان أباه قواريريًّا، يمتهن بيع الزجاج، لكنه توفي و”الجنيد” لا يزال صغيرًا، فتولى الاهتمام به خاله، المربي الصوفي الشهير “السري السقطي” (ت 251هـ-865م).

تفقّه “الجنيد” على “أبي ثور الكلبي”، أحد الأئمة الـمجتهدين، وصاحب الإمام “الشافعي” وراوي مذهبه القديم، وكان يفتي بحلقته وله من العمر عشرون سنة! ولم يكد يبلغ “الـجنيد” الثلاثين عامًا، حتى نصحه خاله “سري السقطي” بالجلوس للتدريس بالـمسجد الجامع، فكان أول صوفي جلس للتدريس في حلقةٍ عامةٍ في مسجد يعدّ من أهم مساجد بغداد، وهو جامع الـمنصور.

يقول “الجنيد”: قال لي خالي، سري السقطي: تكلَّم على الناس. وكان في قلبي حشمةٌ من ذلك؛ فإني كنت أتهم نفسي في استحقاقي ذلك. فرأيت ليلةً في المنام رسول الله، وكان ليلة جمعة، فقال لي: تكلم على الناس. فانتبهت، وأتيت باب السري قبل أن أصبح، فدققت الباب، فقال: لم تُصدّقنا حتى قيل لك! فقعدت في غد للناس، بالجامع. وفي رواية أخرى، أنه لم يسارع لتلبية رغبة السقطي، حتى أشار إليه، وعليه، ثلاثون من البدلاء، وأجمعوا أنه يَصلح لأن يدعو إلى الله تعالى.

ولما جلس للتدريس كان محط إجماع من مختلف الطوائف، فكان الكَتَبَة يحضرونه لألفاظه، والفلاسفة لدقّة معانيه، والـمتكلمون لعلمه، كيف لا وهو القائل في حقّ نفسه: ما أخرج الله إلى الأرض علمًا، وجعل للخلق إليه سبيلًا، إلا وقد جعل لي فيه حظًّا ونصيبًا! وقال أبو الحسن المحلي: قلت للجنيد: ممن استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي الله تعالى ثلاثين سنةً تحت تلك الدرجة، وأومأ إلى درجةٍ في داره. وعلى الرغم من ذلك، اعترضه الحلاج ذات مرة وهو فوق المنبر قائلًا: يا أبا القاسم! إن الله لا يرضى عن العالِم بالعلم حتى يجده في العلم، فإن كنتَ في العلم فالزَم مكانك، وإلا فانزِل! فنزل أبو القاسم عن المنبر، وبقي لا يحدث الناس شهرًا كاملًا. 

أصل التصوف

كان “الـجنيد” حريصًا على ربط التصوف في مظاهره كافة بأصلين ثابتين لا يحيد عنهما أبدًا؛ ألا وهما: كتاب الله، وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم. يقول في تأكيد ذلك المعنى: الطريق إلى الله تعالى مسدودٌ على خَلْقِه، إلا على الـمُقْتَفِين آثارَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب : 21].

كما أن التصوف عنده مبنيٌّ على أخلاقِ ثمانيةٍ من الأنبياء عليهم السلام: السخاء، وهو لإبراهيم. والرضا، وهو لإسحق. والصبر، وهو لأيوب. والإشارة، وهي لزكريا. والغربة، وهي ليحيى. ولبس الصوف، وهو لموسى. والسياحة، وهي لعيسى. والفقر، وهو لمحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين. وفي الإطار نفسه يفرّق “الـجنيد” أيضًا بين كلام الأنبياء وغيرهم، فيقول: “كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن حضُورٍ، وكلام الصديقين إشارات عن مُشاهداتٍ”.

ورُوي أنه لما حضرته الوفاة أوْصَى أن يُدفن معه جميعُ ما هو منسوب إليه في علمِه، فقيل له: ولم ذلك؟ فقال: أحببت أن لا يراني الله تعالى وقد تركتُ شيئًا منسوبًا إليَّ وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الناس!

كراماته

كان “الـجنيد” ثاقب الفراسة، يشعر بما يعتمل في نفوس أصحابه، وبما يقع من سوء لتلامذته، ومن قبيل ذلك ما رواه “عمرو بن علوان”، قال: خرجت يومًا إلى سوق الرحْبَة في حاجةٍ، فوقعت عيني على امرأة مُسْفِرة، من غير تعمُّد، فألححتُ بالنظر، فاسترجعتُ واستغفرتُ الله، فخطر في قلبي: أن زُرْ شيخَك الـجنيد، فانحدرتُ إلى بغداد، فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب، فقال لي: ادخل يا أبا عمرو، تُذنب في الرحبة، ونستغفر لك ببغداد!

وقال “محمد بن علي الحلواني”: حدثني خير النسَّاج، قال: كنت جالسًا يومًا في بيتي، فخطر لي خاطرٌ؛ أن أبا القاسم الـجنيد بالباب، اخرُجْ إليه. فنفيتُ ذلك عن قلبي، وقلت: وسوسةٌ. فوقع لي خاطرٌ ثانٍ، فنفيتُه، فوقع خاطرٌ ثالث، فعلمتُ أنه حقٌ، وليس بوسوسة، ففتحتُ الباب، فإذا أنا بالـجنيد قائم، فسلّم علي، وقال: يا خير! ألَا خرجتَ مع الخاطر الأول!

المجاهدة والمداومة عليها

لم يرث “الـجنيد” عن أبيه مهنته في بيع الزجاج، كما لم يكن معتزلًا الحياة متفرغًا للعبادة أو حتى ممتهنًا التدريس في جامع الـمنصور ببغداد. بل على العكس من ذلك كله، كان “الـجنيد” متزوجًا، وكان صاحب دكان يذهب إليه كل يوم للتجارة، حيث كان خزَّازًا يبيع الأقمشة الحريرية للناس. وفي غياب الزبائن يسدل عليه سترًا ويصلي حوالي ثلاثمائة ركعة أثناء النهار!. ويؤكد “الـجنيد” أن التزامه في كل أمر إنما يتأتى من متابعته لأمر الله سبحانه في الكتاب والسنة. يقول في ذلك: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة؛ من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه؛ لا يُقتدى به في هذا الأمر.

أما مجاهداته، فمنها أنه مكث عشرين سنة لا يأكل إلا من الأسبوع إلى الأسبوع، ويصلي كل ليلة أربعمائة ركعة! وهو يؤكد عامل الإخلاص في العبادة، فيقول: لو أقبل صادقٌ على الله ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر ممَّا ناله! أي يكون حاله مثل حال الغواص إذا غاص في البحر مُنقبًا على نفيس الجواهر إلى أن قارب قرارَه، وكاد يحْظى بمراده، أعْرَضَ وترك، فكان ما فاته أكثر مما ناله!

الفقر الحقيقي

جاءه رجل مرةً بخمسمائة دينار فوضعها بين يديه، وقال: فرّقها على جماعتك. فقال له الـجنيد: ألك مال غير هذا؟! قال: نعم. فقال: أتطلب زيادة على ما عندك؟ قال: نعم. فقال له الـجنيد: خذها فإنك إليها أحوج منا، ولم يقبلها. 

محبّة العوام ومحبة الخواص

قال “الجنيد”: الناس في محبة الله: عام وخاص. فالعوام أحبوه لكثرة نعمه، ودوام إحسانه؛ إلا أن محبتهم تقل وتكثر. وأما الخواص فأحبوه لِمَا عرفوا من صفاته، وأسمائه الحسنى، واستحق الـمحبة عندهم لأنه أهل لها ولو أزال عنهم جميع النعم. فمحبة العوام متعلقة بغرض الإنعام، أما الخواص فلا غرض للمحبة عندهم إلا المحبة ذاتها. يقول “الـجنيد” في تعريف المحبة: “الـمحبة ميل القلوب. وكل محبة كانت لغرضٍ، إذا زال الغرض زالت تلك الـمحبة”. فالمحبة: “إفراطُ الـميل بلا نَيْلٍ، ودخولُ صفات الـمحبوب على البَدَل من صفات الـمُحِب”. 

محنة غلام الخليل

كان “أحمد الباهلي” المعروف بغلام الخليل يحمل على كل من يقول بالعشق، أو المحبة الإلهية من المتصوفة. وكان ينكر على قمر الصوفية “أبي الحسين النوري” بصفةٍ خاصةٍ قولَه بالعشق الإلهي. ونتيجة لذلك؛ رفع غلام الخليل إلى الخليفة العباسي الموفّق بالله “أن ببغداد رجلًا من الزنادقة دمُه حلال، فإنْ قتلَه أميرُ المؤمنين، فدَمُه في عُنُقي! فبعث الخليفة في طلبه، فحُمل إليه، فشهد عليه غلامُ الخليل: أنا سمعته يقول: أنا أعشق الله وهو يعشقني، فقال النُوري، رحمه الله: إن الله تعالى يقول: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾[المائدة: 54] وليس العشق بأكثر من المحبة؛ غير أن العاشق ممنوع، والمحب يتمتع بحبه، فبكى الموفق من رقة كلامه! 

ضريح الجنيد البغدادي

وبموازاة ذلك، كان “سمنون المحب” موصوفًا بحُسن الوجه وعذوبة المنطق، إذ مالت إليه امرأة وهويته، فطردها من مجلسه، فجاءت هذه المرأة إلى الجنيد، فقالت: يا أبا القاسم! ما تقولُ في رجلٍ كان طريقيَ إلى الله، فذهب اللهُ وبَقِي الرجل؟ فعلم الجنيد مرادها فلم يُجِبْها، وقال: حسبُنا الله ونعم الوكيل! وعلمت المرأة أن غلام الخليل ينكر على القوم أمرهم، فذهبت إليه وقالت: إنهم يجتمعون معي كل ليلة على الحرام! فرفع الأمر إلى السلطان الذي أباح دماءَهم، وحين استعد السياف لإعدامهم، تقدّم النُوري ليكون «أول الشهداء»؛ إيثارًا منه لأصحابه بلُحَيْظَاتٍ يذكرون فيها الله فيما بقي من العمر! وكان هذا التصرف من النوري سببًا في تنبُه السياف من غفلته، وتوقفه عن تنفيذ الحكم.

ثم دخل القاضي على الخليفة، فقال: إن كان هؤلاء القوم زنادقة، فليس في الأرض موحّد! فأمر بتخليتهم، وكانوا سبعين صوفيًّا في مقدمهم: الجنيد، والنوري، وسمنون، وغيرهم. لكن “الجنيد” أدرك -بعد هذه المحنة- الخطر الذي يمثله الخطاب الصوفي إزاء السلطة، فبقي مسالمًا حتى الموت، ومع ذلك “كم من مرةٍ قد طُلِب وأُخِذَ وشُهِد عليه بالزندقة”! ويبدو أن الخليفة ظل مُرْتابًا في طريقتهم، فأرسل للجنيد جارية بقصد الغواية، وما إن أبصرها حتى وقعتْ ميتة أمام عتبة داره! لذلك حين سأل “الحلاج” شيخه الجنيد: ما الذي بايَنَ الخليقةَ عن رسُوم الطبيعة؟ أجابه “الجنيد” مُنْتَهِرًا: أرى في كلامك فضولًا، أيّ خشبةٍ تُفْسِدُها؟ فصُدِم “الحلاج” لجوابه، ومضى ليقضي الليل بين الأموات عند قبر “أحمد بن حنبل”، وهو يقول: منزلةُ الرجال تُعْطَى ولا تُتَعَاطَى، وليس له إلا الشيخوخة!

ختامًا، دخل “أبو العباس بن عطاء الآدمي” على “الـجنيد” وهو في النَّزع الأخير، فسلَّم فلم يردّ عليه، ثم ردّ عليه بعد ساعةٍ، وقال: اعذُرْنِي؛ فإني كنتُ في وِرْدِي. ثم حوّل وجهه إلى القبلة، وكبّر ومات.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

د. محمد حلمي عبدالوهاب

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search