"بحر بلا ساحل"

إمام التّابعين الحسن البصري

شيخ البصرة وإمام التابعين، أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصريُّ. كان أبوه مولًى (عبدًا) لرجلٍ من الأنصار، وكانت أمُّه مولاةً لأمّ سلَمَة؛ زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فرُبّي في حِجْرها، ودَرَّ عليه ثديُها، فعادتْ عليه بركةُ النبوة، وتكلَّم بالحكمة، وارتقى في الصَّلاح والمعرفة إلى أفضل رتبة، وكان -رضي الله عنه- علَم المتقين، وسراجَ الأولياء المقربين. سمعته السيدة “عائشة” رضي الله عنها يتكلم، فقالت: من هذا الذي يتكلم بكلام الصدّيقين؟!

وُلد الحسن البصريُّ بالمدينة المنورة سنة إحدى وعشرين للهجرة، فحفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ الرابعة عشرة من عمره، ولما شبَّ عن الطوق عاصر الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة الثالث “عثمان بن عفان”؛ حبل الله الذي انقطع، كما قال الصحابي الجليل “حذيفة بن اليمان”. فانتقل إلى البَصْرة بعد معركة صِفِّين، وأخذ يتردّد على حلقات العلم فيها، فاستمع إلى تفسير “ابن عباس” للقرآن الكريم، كما تأثَّر كثيرًا بتعاليم شيخه “عامر بن عبدالقيس”، الذي كان يمثل لونًا جديدًا من الزهد، حيث امتنع عن الزواج، وعن أكل اللّحم والسَّمن، وعن الدخول على الأمراء.

وكان “عامر” هذا شديد المحاسبة لنفسه، فبعد أن قطع شوطًا طويلًا في الظهور على مسرح الحياة الاجتماعية بالبصرة؛ عاد لينقطع عن مجلسه، وينزوي في المسجد الجامع، فيذهب إليه “الحسن البصري” في جماعةٍ من المعجبين به ويقولون له: يا أبا عبدالله، تركتَ أصحابك وجلست هاهنا وحدك! فيقول لهم: “لقيت أناسًا من أصحاب محمّد، فأخبروني أنَّ أخلص النَّاس إيمانًا يوم القيامة أشدُّهم محاسبةً لنفسه، وأنَّ أشدَّ الناس فرحًا يوم القيامة أشدُّهم حزنًا في الدُّنيا، وأنَّ أكثر النَّاس ضحكًا يوم القيامة أكثرهم بكاءً في الدُّنيا”. ولذلك كان تلميذه “الحسن البصري” يقول: “ليس العجب لِمَن هلَك كيف هلَك! وإنما العجب لمن نجا كيف نجا!”.

مذهبه في الخوف والرجاء

كان للحسن مذهبٌ خاصٌّ في وعظ الناس يقوم على المراوحة ما بين الترغيب والترهيب. فكان يُذكِّر مستمعيه دائمًا بالموت والنار، والقيامة والحساب. يقول “الحسن” معبرًا عن سبب اهتمامه بالخوف والرجاء: “الرجاء والخوف مطيّتا المؤمن”؛ أي وسيلة سفره وانتقاله إلى الآخرة. وقد صبغ مذهبه في الزهد -بل وحياته كلها- بالخوف والحزن حتَّى صارا شيئًا واحدًا! لو رأيتَه، لقلتَ: “صُبَّ عليه حزنُ الخلائق كلّها؛ من طول تلك الدَّمعة، وكثرة ذلك النشيج”. فكان إذا خرج إلى الناس، كأنه جاء من الآخرة يحدّثهم عن أهوالها! وكثيرًا ما كان يدعو: “إلهي! علمُكَ فيَّ سابقٌ، وقضاؤكَ بي محيطٌ، وأمرُكَ فيَّ نافذٌ، أطعتُكَ بإذنِكَ ومعونتِكَ، والمنَّةُ لك، وعصيتُك بعلمِكَ، والحُجَّةُ لك، فَبِوجُوبِ حُجَّتِكَ، وانقطاعِ حُجَّتي، ثَبِّتْ خَوْفَكَ في قلبي حتى لا أرجُوَ سواكَ، ولا أخاف غيرَك”.

ولأن الحزن كان طابعًا يغلب على أقواله وأحواله، ويكاد يشمل تفاصيل سلوكه اليومي؛ فقد صارت مفردة “الحزن” مركزية في جميع عظاته، فكان لا يميل إلى إظهار السرور، وبقي من دون ضحك ثلاثين عامًا! يقول “الحسن” في إحدى عظاته: “أيها النَّاس إنَّ أمّتكم آخر الأمم، وأنتم آخر أمّتكم، وقد أُسْرِع بخِيَارِكم فماذا تنتظرون! هيهات هيهات! ذهبت الدُّنيا بحالَيْها، وبقيت الأعمال قلائدَ في أعناق بني آدم. أيها الناس! إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترْك ما تشتهون، ولا تُدركوا ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون”. ولمَّا جاءه رجلٌ يشكو إليه سوء الحال ويبكي، أجابه الحسن: “يا هذا! أَكُلُّ هذا اهتمامًا بأمر الدُّنيا؟ والله لو كانت الدُّنيا كلها لعبد فسُلبها ما رأيتُها أهلًا لأنْ يبكي عليها”.

أما الإحسان فيرتبط عنده بأخلاق المروءة، والصدق في القول والعمل، واحتمال الأذى، وبذل المعروف. يقول “الحسن”: “ابن آدمَ! إنَّك لن تجمع إيمانًا وخيانةً؛ كيف تكونُ مؤمنًا ولا يأمَنُكَ جارُك؟! أو تكونُ مسلمًا ولا يَسْلَم النَّاس منك؟! ابن آدمَ! إنك لا تستحق حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيبٍ هو فيك. تعيب الناس بالذنوب، وتنساها من نفسك، وتُبصر القذَى في عين أخيك، وتعْمى عن الجِذْعِ معترضًا في عينيك! ما أقلَّ إنصافَكَ وأكثرَ حيْفَك”.

وكذلك الإخلاص الذي يُعدُّ تجسيدًا لقيم الإسلام كلها في رأي “البصري”، إذ يقتضي المطابقة بين العلم والعمل من جهة، ومراعاة جانب الحق من جهة ثانية. يقول “الحسن” في بيان ذلك: “يا ابن آدم! لا يَغُرنَّكَ أن تقول: “الـمرءُ مع من أحبَّ”، فإنَّك لن تلحق الأبرارَ إلَّا بأعمالهم”. ولذلك كان رضي الله عنه “إذا أمر بشيءٍ أعْمَلَ الناس به، وإذا نهى عن شيءٍ أَتْرَكَ الناس له”. كما “كانت سريرتُه أشْبَه بعلانيتِه”. وكان حريصًا على العمل بما يعلم؛ إذا رأى رجلًا غير مشتغلٍ بأمر دينه، أنشدَه ناصحًا:

يَسُرُّكَ أن تكون رفيقَ قومٍ

 

لهمْ زادٌ وأنتَ بغير زادِ؟!

أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فيمثل جوهر مذهبه الصوفي. قال جوابًا عن رسالة الخليفة “عبدالملك بن مروان”، التي حاول فيها فرض عقيدة الجبر: “ليس الجورُ والظُّلم من قضاء الله، ولكنَّ قضاءَ الله: أمرُه بالمعروف والعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، والنَّهي عن الفحشاء والمنكر والبغي”. وكان يعيب على المشتغلين بالتجارة احتكارهم الأقوات والسلع. يقول رضي الله عنه: “من حبس الطعام أربعين يومًا يطلُبُ إغْلَاءَهُ، لم يَنْجُ من إثْمِه، ولا يسْلَم من ذنْبِه!”.

وفي سياق مقارنته بين ما كان عليه جمهور الصحابة وأوائل التابعين وما آلت إليه أحوال النَّاس في عصره، يتنزَّل قول “الحسن”: “والله لقد أدركت سبعين بدريًّا أكثر لباسهم الصُّوف، لو رأيتموهم لقلتم: مجانين! ولو رأوا خِياركم، لقالوا: ما لهؤلاء من خلَاق! ولو رأوا شراركم، لقالوا: ما يؤمِن هؤلاء بيوم الحساب! ولقد رأيت أقوامًا كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه! ولقد رأيت أقوامًا يمسي أحدهم وما يجد عنده إلا قوتًا، فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله، فيتصدّق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن يُتصدق به عليه!”. وقد بلغ من شدَّة زهده وورعه، أنه رفض خطيبًا لابنته بسبب وفرة ماله، قائلًا: ما جُمِع خمسون ألف درهم من حلال! وإنْ كان جمعها من حلالٍ فقد ضنَّ بها عن حقٍ (إيتاء الزكاة ومساعدة المحتاجين)!

وكان إذا ذُكر الملوك، يقول لأصحابه: “لا تنظروا إلى شرَف عَيْشِهم، ولين رِيَاشِهم، ولكن انظروا إلى سرعة ظَعْنِهم، وسوء مُنْقَلَبِهِم”. ولما بنى “الحجَّاج بن يوسف الثقفي” دارًا بواسِطٍ، وأحضر “الحسن” ليراها ضمن لفيف من القراء والفقهاء، قال “الحسن”: “سبحان الله! إنَّ الملوك لَيَرَوْنَ لأنفسِهم عِزًّا، وإنَّا لنرى فيهم كلَّ يوم عِبَرًا. يَعْمِدُ أحدُهُم إلى قصْرٍ فيُشَيِّدهُ، ثمَّ تَحُفّ به ذئابُ طمَعٍ، وفَرَاشُ نارٍ، وأصحابُ سُوءٍ. فيقولُ: انظروا ما صنعتُ؟ فقد رأينا أيُّها المغرورُ! فكان ماذا يا أفْسَقَ الفاسقين؟ أمَّا أهلُ السماوات، فقد مَقَتُوكَ، وأمَّا أهلُ الأرض، فقد لعنُوكَ، بنيتَ دارَ الفناءِ، وخرَّبتَ دارَ البقاء، ثم خرج وهو يقول: إنَّ الله سبحانه أخذ عهدهُ على العلماء لَيُبَيِّنُنَّهُ للنَّاس ولا يكتمُونه”.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حقوق أهل الملة التي قال فيها “الحسن”: “يجب على المسلم لأهل ملّته أربعة أشياء: معونةُ مُحْسِنِهم، وإجابةُ داعيهم، والاستغفارُ لمُذنِبِهم، والدعوةُ إلى الحقّ لِمُدَبِّرِهِم”؛ أي سائسهم. ولأنه يقوم بحق الدعوة دون خوف أو وجل؛ كان “الحجاج” يقول في حقه: “غلبني عِلْجٌ [فلاح من السكان الأصليين] تُواريه أخْصاص البصرة”.

وعندما جاءه رجلٌ شرطة يقول له: أصلحك الله أبا سعيد! لقد عزمتُ على ترْك النَّبيذ، فقال له الحسن: هلَّا بدأتَ بترْكِ ما هو أولى بك؟ (يقصد ظلم الناس) أخِّر التَّوبةَ من النَّبيذ حتَّى يكونَ هو شَرَّ عَمَلِكَ، وحينئذٍ فتُبْ منهُ!. وعندما كتب له “عمر بن عبدالعزيز” لما تولى الخلافة: إني قد ابتُليت بهذا الأمر فانظر لي أعوانًا، يعينوني عليه. أجابه الحسن: أما أبناء الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرة فلا يردونك، فاستعن بالله.

ختامًا، سأل وكيع بن أبي سُود التميميُّ، والي خراسان، الحسنَ البصريَّ: يا أبا سعيد! ما تقول في دم البراغيث يُصيب الثوب؛ أيُصلَّى فيه؟! فقال الحسن: يا عجبًا ممَّن يَلَغُ في دماءِ المسلمين كأنَّه كلبٌ ثمَّ يسألُ عن دم البراغيث، هل يصلّى فيه؟!

اطلُب بعلمِك أو بزُهْدِك واجِدًا

 

مُلكًا كبيرًا فوق كلّ كبيرِ

وصُنِ الديانةَ لا تُدَنِّس ثوبَها

 

سَفَهًا بحظٍّ منك جِدّ حقيرِ

فمن القبائح عالمٌ أو زاهدٌ

 

يُغْشَى فيُوجد في انبساط أميرِ! 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

د. محمد حلمي عبدالوهاب

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram