"بحر بلا ساحل"

بشر الحافي المكتفي بكفاية الكافي

ولد أبو نصر المرُوزيّ – المعروف ببشر الحافي – في قرية من قرى مَرْوٍ سنة مئة وخمسين للهجرة، ثمَّ انتقل منها إلى بغداد. وكان بشر الحافي من أولاد الرؤساء والكتَّاب، ومن أصحاب الحديث أيضًا، إلا أنه لم يُنصّب نفسَه للرواية، بل كان يتجنَّـبُها إلى الحدّ الذي دفعه إلى دفن كتبِه! وكلُّ ما سُمِع منه فإنَّما كان على سبيل الـمُذاكرة؛ في ما يقول الإمام الذهبيُّ.

أمَّا في ما يخصُّ سببَ توبتِه؛ فثمَّة أكثر من رواية تنقلها لنا كتب الطبقات الصوفية؛ من بينها: أنَّه كان شاطِرًا – أي شقيًا – يجرح النَّاس بالحديد، وفي يوم من الأيام وجد قِرْطاسًا في أتون حمَّام مكتوب فيه: “بسم الله الرَّحمن الرَّحيم”، فعَظُمَ ذلك عليه، ورفع طرفه إلى السَّماء وقال: سيدي! اسمُك هنا مُلْقًى! فرفعَهُ وعَطَّره، وأدْخَلَهُ شقَّ حائطٍ، وانصرف إلى زَجَّاج كان يُجالِسه. فقال له الزجَّاج: لقد رأيتُ لك في هذه الليلة رؤيا؛ كأنَّ قائلًا يقول لي في المنام: قلْ لبشرٍ تَرْفَعُ لنا اسمًا من الأرض إجلالًا أنْ يُدَاس؛ لَنُنَوّهَنَّ باسْمِك في الدُّنيا والآخرة!

أمَّا الرواية الأخرى، فمُفادها أنَّه كان في حالٍ من اللّهو واللَّعب، فدَقَّ رجلٌ بابَهُ، فخرجتْ جاريةٌ، فسألها: صاحِبُ هذه الدَّار: حُرٌّ أم عبدٌ؟! فقالت: حُرٌّ، أما ترى من هيئة البيت أنه حرٌ؟ فقال: صدقتِ، لو كان عبدًا لاسْتعملَ أدب العبودية وترك اللَّهو! فلما رجعت سألها بشر عما جرى فأخبرته، فخرج يعدو خلفه “حافيًا”، وسأله أن يعيد ما قاله، ثم هام على وجهِه، فقيل له: لم لا تلبس نعْلًا؟ فقال: ما صالَحني مولاي إلَّا وأنا حَافٍ، فلا أزولُ عن هذه الحالة!

بلغ بشر من الزُّهد والورع مبلغًا عظيمًا فاق به أقرانه، وليس أدلَّ على ذلك من شهادة أبي عبد الله بن الجلاء التي يقول فيها: “رأيتُ ذا النون – وكانت له العبارة -، ورأيتُ سهلًا التُّسْتَريُّ – وكانت له الإشارة، ورأيت بشر بن الحارث – وكان له الورع الخالص -، فقيل له: إلى مَنْ كنتَ تميلُ؟ فقال: بشرُ بن الحارث أُستاذنا”. وكان الخليفة المأمون يقول في حقّه: “لم يبق أحدٌ يُسْتَحَى منه غيرُ هذا الشَّيخ”. أمَّا الإمام أحمد بن حنبل؛ فقد وصفه بأنَّه “رابع سبْعةٍ من الأبدال”. وقال عنه إبراهيم الحربيُّ: “رأيتُ رجالات الدُّنيا، فلم أر مثل ثلاثة: رأيتُ أحمد بن حنبل، وتعجزُ النّساءُ أن تلد مثله، ورأيتُ بشر بن الحارث، وكان من قَرْنِه إلى قدمِه مملوءًا عقلًا، ورأيتُ أبا عُبيد القاسم بن سلام، كأنه جبلٌ نُفِخ فيه علمٌ”.

ومما يدلُ على مبلغ زهدِه في الدنيا، أنه مرّ ذات يومٍ بسوق الفاكهة وتوقَّف يتطلَّع إليها، فبادره البائع بالسُّؤال: يا أبا نصر! لعلَّك تشتهي من هذا شيئًا؟! فقال: كلَّا! ولكنّي نظرتُ فيها وتدبَّرتُ في نفسي: إذا كان يُطْعِمُ هذا لـِمَنْ يَعْصِيه، فكيف بمَنْ يُطيعه؛ ماذا يُطْعِمْهُ في الـجنَّة ويَسْقيه؟!

كما كانت أخوات بشر غايةً في الزُّهد والورع. جاءت إحداهن إلى الإمام ىأحمد بن حنبل، وقالت له: يا إمام! ما تقولُ في أمْرِنا ونحنُ نَغْزِلُ في اللَّيل، وتمرُّ بنا مشاعِلُ بني طاهر (وُلَاة بغْداد)؛ فنَغْزِلُ في ضوئها؛ أفَتُحِلُّه لنا أم تُحرِّمه علينا؟! فتعجَّب كثيرًا لسؤالها، ولمَّا عرف أنها مُضْغَة بنت الـحارث؛ أخت بشر الـحافي تأوَّه قائلًا: يا آل بشر! لا عَدِمْتُكم أبدًا، لا أزالُ أسمعُ الورَع الصَّافي من قِبَلِكم! ولمَّا ماتت مُضغة، تألّم بشر كثيرًا لفراقها، فأخذ يقول: “إنَّ العبد إذا قصَّر في الطَّاعة؛ سُلِبَ من يُؤنسه!”.

وعلاوة على ذلك، كان بشر شديد الرأفة بجموع الخلق. يروي أيوب العطار: انصرفتُ مع بشر بن الحارث يوم جمعةٍ من مسجد الجامع، فمررنا في درْب أبي اللَّيث، وإذا صبيان يلعبون بالجَوْز، فلمَّا رأوا بشر اسْتلَبُوا الجَوْزَ فمرُّوا يَحْضرُون [أي: يُسارعون في السير]، فوقف بشر ثمَّ قال: أيُّ قلبٍ يَقْوى على هذا؟ إنَّ هذا الدَّرْبَ؛ لا مررْتُ فيه حتَّى ألقى الله تعالى! فقد استشعر بالأسى لأنَّ الصبيان تركوا اللَّعب هيبةً منه وتفرَّقوا؛ فعزم على عدم المرور في ذلك الدَّرب حتّى لا يزعجهم مجدَّدًا.

وفي يوم من الأيام مرَّ بقربه رجلٌ تفوحُ رائحة السُّكْر من فمِه، ثم قفز الرجل فجأة على جسد بشر وهو يصرخ بأعلى صوته: سيدي أبا نصر! وبشرُ لا يدفعه عن نفسه، بل يقرّبه إليه حاضنًا إيَّاه، والنَّاس في عجبٍ من أمره! فلما مضى السَّكران إلى سبيله، التفت الحافي إلى النَّاس قائلًا: ما لكم تعجبون؟! رجلٌ أحبَّ رجلًا على خيرٍ توهَّمَهُ فيه! ولعلَّ الـمُحِبَّ قد نجا، في ما لا يدري الـمحبوبُ ما حاله؟! أما نصائحه في شأن التعاطي مع الخلق، فتعكسها مقولته الحكيمة: “لا تكونُ كاملًا حتَّى يَأْمَنَكَ عدُوّك، وكيفَ يكونُ فيكَ خيرٌ وأنتَ لا يَأْمَنُك صديقُك؟!”.

كما أوْلَى بشر الحافي عناية كبيرة بالإخلاص – شأنه في ذلك شأن كبار الصوفية والزهَّاد في عصره – وليس أدلَّ على ذلك من قوله: “لا يجد حلاوة الآخرة رجلٌ يحبُّ أن يعرفه النَّاس”! إذ ينتبه الحافي إلى كون بعض علماء عصره يطلبون العلم من أجل الرياسة والشُّهرة، أو يقعون فيهما عن غفلة. ولذلك، لم يتخذ حلقة يجلس فيها للحديث، فقيل له: ألا تُحدّث؟ فقال: أنا أشْتهي أن أُحَدِّث، وإذا اشتهيتُ شيئًا، تركتُه. فمَنْ طلب الرياسة بالعلم تقرَّب إلى الله ببُغْضِه؛ فإنّه مَقْتٌ في السَّماء والأرض.

وقد بلغ منه الخوف من مداخلة الرّياء مبلغًا دفعه – ذات مرة – إلى القول: “حدَّثنا حمَّاد بن زيد .. ثمَّ قال: أستغفر الله؛ إنَّ لذكر الإسناد في القلب خُيَلَاء!”. وكما كان يكره الجلوس للحديث خوفًا من الريَّاء، كان يُخفي مظاهر خشوعِه وتعبُّدِه من الناس، فكان يدعو في سجوده قائلًا: “اللَّهم إنَّك تعلم فوق عرشك أنَّ الذُّلَّ أحبّ إليَّ من الشَّرف، اللَّهم إنَّك تعلم فوق عرشك أنَّ الفقر أحبّ إليَّ من الغنى، اللَّهم إنَّك تعلم فوق عرشك أنّي لا أؤثر على حبّك شيئًا”. فلمَّا سمعه أحدهم وبكى لأجله، قال: “اللَّهم إنَّك تعلم أنَّي لو أعلم أنَّ هذا هاهُنا لم أتكلَّم”!

أمَّا حملته ضدّ علماء السُّوء في عصره، فكانت شديدة الوطأة عليهم، خاصة وأنهم “يتغايرون على الدُّنيا، ويتحاسدون عليها، ويجرحون أقرانهم عند الأمراء ويغتابونهم؛ كلُّ ذلك خوفًا أن يميلوا على غيرهم بسُحْتِهم وحُطامِهم! ويْحَكُم يا علماء السُّوء، أنتم ورثة الأنبياء؟! وإنَّما ورَّثوكم العلمَ فحملتموه وزُغْتُم عن العمل به، وجعلتم علمكم حِرْفة تكسبون بها معاشكم! مَثَلُ الذي يأكل الدُّنيا بالعلم والدّين كمَثَل الذي يُطفئ النَّار بالحَلْفَاء”! ويُفسّر الشَّعرانيُّ كلامه بالقول: “وميزان أكل الدُّنيا بالدّين؛ أن تنظر في نفسك، فكلُّ صفةٍ أُكْرِمْتَ لأجلها قَدِّر نفسَك عند فَقْدها: هل كنت تُكْرَمُ أم لا؟ فإن كنت تُكْرَم مع فقدها فقد خَلصْتَ، وإلَّا فلا!”.

ختامًا: كان بشر يدعو الله عز وجل قبيل وفاته بالقول: “إلهي! رفعْتَني فوق قدري، ونوَّهْتَ باسمي وشَهَرْتَنِي بين النَّاس، فأسألك بوجهك الكريم ألَّا تفضحني غدًا يوم القيامة”. قال بعض الصالحين: ما رأيتُ أحدًا خرج من الدُّنيا كما دخل فيها إلَّا بشر بن الحارث، أتاه رجلٌ في مرضِه الذي تُوفِّي فيه، فشكا إليه الحاجةَ، فنزَع بشرُ قميصَه الذي كان عليه، فأعْطاه إيَّاه، ولم يمْلك غيرَهُ واستعارَ قميصًا مات فيه!

Edit

  1. 1- محمد حلمي عبدالوهاب، الأخلاق العملية عند صوفية القرنين الثاني والثالث الهجريين: قراءة أخلاقية، موسوعة علم مكارم الأخلاق بين النظرية والتطبيق؛ 16، الطبعة الأولى (جدة: دار المنهاج للنشر والتوزيع – دار طوق النجاة، 1441ه- 2020م)، ص 274– 299.
  2. 2- الذهبي، سير أعلام النبلاء، 10/470- 476.
  3. 3- الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 7/67- 73.
  4. 4- المُناوي، الكواكب الدرية في طبقات الصوفية، 2/92- 100.
  5. 5- الشعراني، الطبقات الكبرى، 1/166- 169.
  6. 6- ابن الملقن، طبقات الأولياء، ص 97- 103.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

د. محمد حلمي عبدالوهاب

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search