"بحر بلا ساحل"

شيخ الشيوخ "أبو مدين الغوث"

وُلد الشيخ الفقيه المحقق، الواصل، القطب، شيخ مشايخ الإسلام في عصره، إمام العبّاد والزهاد أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري، الأندلسي التلمساني، بالقرب من إشبيلية في الأندلس. ونُسب إلى ابنه “مدين” دفين مصر بجامع الشيخ “عبدالقادر الدشطوطي” بشارع بورسعيد في باب الشعرية.

لما توفي والده، كلَّفه إخوته -وكان أصغرهم سنًّا- برعي مواشيهم التي ورثوها عن والدهم، فكان -أثناء ذلك- إذا رأى مصليًا أو قارئًـا دنـا منه، كان يجد في نفسه غمًّا عظيمًا لكونه لا يفعل مثله، فيحدث إخوتـه بمـا يجد، فينهونه ويأمرونه بالسهر على رعاية مواشيهم. فلما قويت عزيمته على طلب العلم، تـرك الماشية، وفرّ طالبًا ما تاقت إليه نفسه، فأدركه أحد إخوتـه ورده ثـم هـدده بالحربة، لكنه ما لبث أن فر بالليل، فأدركه بعض إخوته وسـل عليـه سـيفه وضربه به، فتلقى الفتى الضربة بعصاه فانكسر السيف وبكى الأخ الأكبر وقال له: سر حيث شئتَ، فسار حتى وصل البحـر، فأشار عليه أحد الشيوخ: أن انصرف إلى الحاضِرة حتى تتعلم العلم، فإنَّ االله تعالى لا يُعبد إلَّا بالعلم.

رحل “أبو مدين” إلى طنجة، ومنها سار إلى سـبتة، حيـث اشتغل مع الصيادين طلبًا للعيش، ولكن نفسه حدثته: أن ليس ذلك هـو القصـد الذي سافر من أجله، فانصرف إلى مراكش، وقصد بها جماعة الأندلس، فكتبوا اسمه في زمام الأجناد، فقال لبعضهم: إنما جئـت للقـراءة، فقيـل لـه: عليك بفاس، فسار إليها، وأقام بها، ولازم جامعها، حيث تعلم فـرائض الوضوء والصلاة.

وكان يتردد بفاس على مجالس العلماء، لكنه لم يكن يفهم عنهم شيئًا، إلـى أن جلس مجلسًا كلما تكلم صاحبه بكلام ثبت في قلبه وحفظـه، فسـأل عـن الشيخ، فقيل له: إنه “أبو الحسن بن حِرْزِهِم”، فلما فرغ الشيخ من درسه، دنـا منه “أبو مدين”، وقال له: حضرت مجالس كثيرة، فلم أثبت على مـا يقـال، وأنت كلما سمعت منك حفظته، فقال له: هم يتكلمون بأطراف ألسنتهم، فلا يجاوز كلامهم الآذان، وأنا قصدت الله بكلامي فيخرج من القلب.

قرأ على ابن حرزهم “الرعاية لحقوق االله” للحارث المحاسبي، و”إحياء علـوم الـدين” للإمام الغزالي، ثم تردَّد على مجلس فقيه فاس وعالمها أبي الحسن بن غالـب القرشي وأخذ عنه: “كتاب السنن في الحـديث” للإمـام الترمذي.

أخذ “أبو مدين” التّصوف، بوصفه علمًا نظريًّا، عن الشيخ “أبي عبداالله الدقاق”. أما الّتصوف بوصفه سلوكًا عمليًا، فقد مارسه “أبو مدين” على يد الشيخ “أبي يعزى”، صاحب الكرامات، والذي قال فيه “أبـو مدين”: طالعتُ أخبار الصالحين منذ أُوَيس القَرْني حنى زماننا فما رأيت أعجب من أخبار أبي يعزى، وطالعت في كتب التصوف فما رأيت كالإحياء للغزالي.

يقول عن لقائه الأول بشيخه “أبي يعزى”: دخلنا على أبي يعزى، فأقبل على القوم دوني، فلما أُحضر الطّعام منعني من الأكل، فقعدت في ركن الدار، فكلما أحضر الطعـام وقمـت إليـه تنتهرني فأقمت على تلك الحال ثلاثة أيام وقد أجهدني الجوع، ونالني الـذّل، فلما انقضت ثلاثة أيام، قام أبو يعزى من مكانه، فأتيت إلـى ذلـك المكـان، ومرغت وجهي فيه، فلما رفعت رأسي نظرت فلم أر شيئًا، وصـرت أعمـى، فبقيت أبكي طول ليلتي. فلما أصبحت استدعاني وقال لي: قـرب يا أندلسي! فدنوت منه، فمسح بيده على عيني فأبصرت، ثم مسح بيـده علـى صدري، وقال للحاضرين: هذا يكون لـه شأن عظيم، فأذن لي في الانصراف.

وقد كان، فقد خرّج “أبو مدين” ألف تلميذ ظهرت على يد كل واحدٍ منهم كرامة. وجمع الله له علم الشريعة والحقيقة، وصار ركن الوجود هاديًا وداعيًا للحق، فقُصد بالزيارة من جميع الأقطار، واشتُهر بشيخ المشايخ. وكان من أعلام العلماء، وحفاظ الحديث، خصوصًا جامع الترمذي، وكانت ترد عليه الفتاوى في مذهب مالك فيجيب عنها في الوقت. فهو يجمع بين الشريعة والحقيقة، وهو دأب كثير من المتحققين، لما فرغ من الاشتغال بالعلم الظاهر تشوف إلى ما وراء ذلك من تصفية الباطن.

ولما رحل “أبومدين” إلى المشرق بغرض أداء فريضـة الحـج، تعرف بالشيخ “عبدالقادر الجيلاني الحسني” شيخ الطريقة القادرية، الذي ألبسه خرقة الصوفية. ولما عاد استقر به المقام في بجاية، وهي المدينة التي كان يفضلها علـى كثيـر مـن المدن، والتي كان يقول عنها: إنها مُعينة على طلب الحلال. ولما استقر بها جاءه الفقهاء والمحدثون والقراء للتعلم على يديه، إلا أبا محمد عبدالحق الإشبيلي، صاحب الأحكام الكبرى والصغرى في الحديث، وقال: إن كانت العلوم فهي معنا، وإن كان العمل فنحن فيه على الجِدّ! فرأى النبي في المنام وهو يقول له: سِرْ إلى أبي مدين واقرأ عليه القرآن، فلما استيقظ قال: سبحان الله أنا أقرأ القرآن بالسبع، وأحفظ التفاسير والحديث، وما هذا؟ (وكان أبو مدين لم يتجاوز سورة تبارك)، فتكرر المنام ثلاثًا، فذهب عنده وسأله: بلغنا عنك أنك لما تجاوز سورة تبارك، فقال: هي سورتي، لو تعديتها لاحترقت. وقد قيل لي: بي قُلْ، وعليَّ دُلْ، وأنا الكل!، ثم كاشفه وقال له: أمرَكَ النبي أن تقرأ عليّ القرآن، فسمى وقرأ الفاتحة إلى قوله تعالى: “إياك نعبد وإياك نستعين”، فقال له أبو مدين: لو كنتَ تستعين بالله لَمَا استعنتَ بالسلطان والوزير، فاشتغل بما يعنيك والزم بيتك، فإن الله يكفيكَ وعن سائر الخلق يُغنيك”!

ومن كراماته: أنه كان إذا تنفّس في مجلسه بالمسجد انطفأت قناديل المسجد، وكانت تنيف على ثلاثين قنديلًا!. وقد أسلم على يديه رهبان متخفون في زي المسلمين!

وكان “أبو مدين” متحفظًا أثناء تدريسه “للمقصد الأسنى” إذ كـان يـأمر طلابه أن لا يقيدوا عنه شيئًا مما يقوله في هذا الكتاب، لأن عيون الدولـة الموحدية كانـت تراقبـه وتتوجس منه خيفة من شهرته وكثرة طلابه.

ضريح أبو مدين

وبالفعل لما اشتهر أمره ببجاية وشى به بعض علماء الظـاهر عنـد “يعقـوب المنصور”، وقال: إنه يخاف منه على دولتكم، فإن لـه شبهًا بالإمام المهدي، وأتباعه كثيرون في كل بلد، فوقع في قلبه، وأهمه شأنه، فبعث إليه فـي القـدوم عليه ليختبره. فأخذ الشيخ “أبو مدين” في السفر، وشق ذلك على كثير من أصحابه، وعز عليهم فراقه، فقال لهم: لا عليكم شعيب شيخ كبير ضعيف لا قدرة له على المشي، ومنيته قدرت بغير هذا المكان، ولا بد من الوصول إلى موضع المنية فقيض الله لي من يحملني إلى مكان الدفن برفق، والقوم لا أراهم ولا يروني. فلما وصل إلى تلمسان، نزل بها بالموضع الذي يُقال له العباد، وقال لرفقائه: لا بأس بالنوم في هذا المكان، ووافته المنية بهذا المكان في عام (594هـ)، وقبره مشهور وحوضه مورود، والدعاء عنده مستجاب. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

د. محمد حلمي عبدالوهاب

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search