"بحر بلا ساحل"

عينُ القضاة الهمذانيّ

وُلد أبو المعالي عين القضاة في همذان، وأخذ عن “عمر الخيام” و”أحمد الغزالي”، وكان من أكابر الأئمة والأولياء ذوي الكرامات، وقد خلف أبا حامد الغزالي -رحمه الله- في المؤلفات الدينيّة والمصنفات الذي أبدع معاني في الحقيقة، وسلك فيها طريق أهل الطريقة، وملك التصرّف في كلام التصوّف، وفاح عرف عرفه في المعرفة، وتشرّبت القلوب ماء قبوله، وانتشر صيته في حزون الدهر وسهوله، واتّخذ قصده منسكًا.

كانت بداية اشتغاله بعلوم الحكمة، ثم عكف على كتب “الغزالي” خمس سنوات، ولما سافر “أحمد الغزالي” إلى همذان صحبه عين القضاة مدة إقامته بها، فعادت بركته عليه بحيث أصبح لا يرى شيئًا إلا ورأى فيه الله تعالى. تأثر بأبي حامد الغزالي، وابن سينا، وأثر في ابن العربي، وملا صدرا، ونصر الدين الطوسي، وفريد الدين العطار، والسهروردي، وجلال الدين الرومي.

حسده المتشبهون بأهل العلم، ونسبوا إلى ذكره كلمات في مصنفاته لم يتصوروها بالفهم، فالتقطوها وأفردوها من تركيباتها، وحملوها على ظواهرها في عباراتها، ولم يستفسروا منه معناها، ولم يأخذوا عنه مبناها. من كتاباته “زبدة الحقائق” و”تمهيدات” و”رسالة شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان” كتبها لَمّا كان محبوسًا في سجن بغداد، قبل صلبه، يشكو فيها محن الأيّام، ويدافع بها عن نفسه ضدّ العلماء الذين اتهموه بالزندقة والكفر. قال فيها:

أسِجنًا وقَيْدا وَاشْتِياقًا وغُرَبةً * وَنأْيَ حَبيبٍ، إِنَّ ذَا لَعَظيمُ

صلبه وزير السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي، وعمره 34 عامًا فقط. وكان هذا الوزير قتل سابقًا القاضي زين الإسلام الهروي، وأمير الموصل آق سنقر، وغيرهما. كان هو وأعوانه في أمره كاليهود في أمر عيسى حين ألحقوه لبوس موسى، غير أنّ الله عصم نبيّه من الكفّار، وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شُبّه لهم، وأبلى وليه بالفجّار، فصلبه ليلة الأربعاء السابع من جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وخمسمائة. الغريب أن جده “علي بن الحسن”، قاضي همدان، قُتل أيضًا بتهمة الزندقة وقت صلاة الصبح في مسجده في 471ه.

ولمّا قُدّم إلى الخشبة المنتصبة عانقها وقرأ: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)، فما مرّت سنة على ذلك الوزير حتّى صُلب ومُثّل بجثته. كان العزيز الأصبهاني الكاتب يعتقد فيه حتى كان لا يخالفه فيما يشير به إليه، وكان أبو القاسم الوزير الملقب بقوام الدين يباين العزيز. فلما نكب العزيز تعرض الوزير لعين القضاة فعمل عليه محضرًا أخذ فيه خطوط جماعة من العلماء بإباحة دمه بسبب ألفاظ التُقطت من تصانيفه شنيعة ينبو عنها السمع ويحتاج إلى مراجعة قائلها فيما أراد بها، فقبض عليه أبو القاسم وحمله إلى بغداد مقيدًا، ثم رد إلى همذان فصلبه. والخلاصة كما يقول السمعاني أنه إنما قُتل لغرض الوزير الذي تحامل لأجل مصادقته لعدوه، وإلا لو قُتل بسيف الشرع لنوظر واستتيب.

ومن جميل شعره في العشق الإلهي الذي يذكرنا بعذابات “الحلاج”، قوله:

تحملتُ فيك الحتفَ والنجمُ جامح * وقد طُويَتْ مني على الهم أضلعُ

فما خدع العينين بعدك منظرٌ * ولا وطئ الأجفان بعدك أدمعُ

يتحدث عن طور ما وراء العقل، وعن معية الله عز وجل “وهو معكم أينما كنتم”، فكما أن الله معنا نحن أيضًا معه؛ لكن معيتنا معه ليست لأجل ذواتنا وإنما هي لأجل معيته معنا. فطور الولاية يقع بعد طور العقل، ثم طور النبوة. فالعقل علم نظري، والتصوف علم ذوقي عرفاني يتحصل بالمجاهدة، والذوق يفيد الشوق، والشوق يكون بالمعشوق وهو الله تعالى.

ولأن صاحب العشق لا يحمل ضغينة ضد الخلق نجد “الهمذاني” يدعو لعلماء السوء الذين أباحوا دمه في رسالته “شكوى الغريب”، إذ يقول: “قد أنكر عليّ طائفة من علماء العصر –أحسن الله توفيقهم، وسهل إلى خير الدارين طريقهم، ونزع الغل من صدورهم، وهيأ لهم رشدًا في أمورهم– كلمات مبثوثة في رسالة عملتها منذ عشرين سنة.. ولم يقم بواجب حقي علماء الفرق ولا ذوو المرقعات والخرق”!!

وهذه المسائل التي أنكروها عليه لا تخرج عن ثلاث: الولاية والنبوة، والشيخ والمريد، واتحاد الخالق بالمخلوق. وكان يقول: “اطلب القبر في ذاتك؛ فإن قبر الإنسان جسمه، فالمنكر هو العمل السيئ، والنكير هو العمل الصالح (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)، ففتش عن الصراط في ذاتك. وما الميزان إلا العقل (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا). وكذلك ينبغي أن تفتش عن الجنة في داخلك، فالعشق هو الطريق ورؤية المعشوق هي الجنة، والفراق هو النار والعذاب“.

ويؤكّد “عين القضاة” على ضرورة الشيخ في التربية الصوفية، مشبهًا العلاقة بينهما تشبيهًا رائقًا بالقول: “لو أرادت النملة أن تذهب من همذان إلى الكعبة لتعذر عليها الأمر، لكنها إذا ما بذلت جهدها ووقفت على جناح حمامة أو باز فسرعان ما يوصلها الطائر إلى الكعبة. لا يترتب على النملة إلا أن تجد لنفسها محلًا على جناح الحمامة، وما تبقى فليس من عملها“.

ولا يمكن فهم ضرورة الشيخ في مذهب عين القضاة إلا في ضوء نظريته عن العشق. فعشق المريد للشيخ والتفاني في طاعته ما هو إلا خطوة نحو عشق الله والتفاني في محبته: “عشق الله رأس مال السالك، ولا شيخ أبلغ من العشق، كما أن الدليل على الله هو الله، فالشمس لا تُرى بالقنديل، بل تُعرف الشمس بالشمس. وهذا معنى قول الصديق: عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي“.

ختامًا، ناجى “الشبلي” ربه ليلة صلب الحلاج: إلهي! إلى متى تقتل محبيك؟ قال: إلى أن يدفعوا ديتي! قال: يا رب! وما ديتُك؟ قال: لقائي وجمالي دية المحبين. لقد أعطيناه مفتاح سر الأسرار فأفشى سرنا، فوضعنا في طريقه البلاء حتى يحفز سرنا الآخرون! بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء البائحين تباح!

أباحت دمي إذ باح قلبي بحبّها

 

وحلَّ لها في حكمها ما اسْتحلّتِ

وما كنت ممن يظهر السر إنّما

 

عروسُ هواها في ضميري تجلَّتِ

فإنْ كنتُ فى سُكْرى شطَحْتُ فإنَّنى

 

حكمتُ بتمزيق الفؤاد الـمُفَتَّتِ

ومن عجبٍ أنَّ الذين أحبهُّم

 

وقد أَعْلَقُوا أَيْدِي الهوى بِأعِنَّةِ

سقوني وقالوا: لا تُغَنِّ ولو سَقَوا

 

جبال حُنين ٍما سقوني لَغَنَّتِ

تَمَنَّت سُلَيْمَى أنْ نموتَ صبابةً

 

 وأهونُ شيءٍ عندنا ما تَمَنَّتِ

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

د. محمد حلمي عبدالوهاب

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search