رياضة

بدر بانون.. مطرود من “المغرب” يبشر بالمجد في الأهلي

تبدأ القصة بشكل كلاسيكي للغاية: طفل مغربي يدعى بدر بانون يلعب كرة القدم في شوارع “الحي الحسني”. يبدو عليه التميّز وسط أقرانه حتى أن البعض بدأ يحاول إقناع والده بضرورة إلحاقه بأحد الأندية حتى لا تضيع موهبته هباءً.

هكذا أصبح بدر بانون لاعباً في صفوف ناشئي نادي الرجاء المغربي. بدأ بدر اللعب كجناح أيمن ثم لاعب خط وسط، وفي الأخير لعب كمدافع ذو طابع مختلف.

شقَّ بدر بانون طريقه في الرجاء حتى أصبح واحداً من أفضل المدافعين في إفريقيا، ثم أتم انتقاله للنادي الأهلي المصري. وخلال عدد قليل للغاية من المباريات آمنت جماهير الأهلي أن بانون هو الرجل المنتظر الذي طالما بحث عنه الأهلي دون جدوى.

يبدو أن القصة انتهت سريعاً من شدة بساطتها، لكن تلك القصة البسيطة حفلت بالكثير والكثير من التفاصيل الإشكالية. كيف أن بداية بانون مثلت عائق له فيما بعد؟ وكيف آمنت به جماهير الأهلي لنفس السبب؟ وهل يكتفي بانون بالبقاء مع المصريين أم يبحث عن حلمه في بلد آخر؟

تكمن القصة بأكملها في التفاصيل، وما سبق لم يكن إلا إطار الصورة التي يقف بداخلها بانون منتصراً وخلفه جماهير الأهلي الغفيرة، كيف آمنت به تلك الجماهير فليكن هذا أول ما نجيب عنه:

أسطورة الصخرة التي تحطمت

كوميك يسخر من هدوء بدر بانون
كوميك يسخر من هدوء بدر بانون

في نفس العام الذي التحق به بدر بانون بصفوف مدرسة الرجاء الرياضي، كان النادي الأهلي على موعد مع التاريخ حيث استطاع الفوز على فريق ريال مدريد الإسباني بهدف دون رد.

شهدت تلك المباراة مولد مدافع هام في تاريخ النادي الأهلي ومصر وهو وائل جمعة. كانت تلك هي أول مباراة يخوضها جمعة رفقة الأهلي، والبقية تاريخ كما يقولون.

استطاع جمعة رفقة جيل أهلي جوزيه ومنتخب حسن شحاتة أن يدشن نفسه كـ”أسطورة دفاعية” عنوانها الرجولة. لُقّب وائل بالصخرة، وهو ما يصف طريقته الدفاعية بوضوح، يعتمد الرجل على القوة والحماس والاندفاع، والخشونة إذا لزم الأمر.

تقدم وائل جمعة في السن، وأصبحت مسألة البحث عن بديل أو وريث للرجل أمراً حتمياً. ما حدث أن الجميع أراد استنساخ وائل جمعة وتكراره، أصبح المعيار الأول لاختيار المدافعين والتنبؤ بمستقبل جيد لهم هو الرجولة.

ظهر في الأهلي سعد سمير ورامي ربيعة ومحمد نجيب وياسر إبراهيم، وأملت الجماهير أن يكونوا كل هؤلاء صخرة جديدة في دفاع الأهلي، بينما بقي نموذج عماد النحاس نموذج خاص بفكرة الليبرو فقط.

لهذا تحديداً أدركت جماهير الأهلي منذ مباراة بانون الأولي أن إجابة السؤال تختلف عما بحثوا عنه لسنوات. من قال إن الصراخ والاندفاع والقوة هم النموذج الوحيد الذي يجب أن يظهر عليه مدافع الفرق الكبرى.

ظهر بانون، الذي بدأ كجناح ثم لاعب وسط، كمدافع قوي لكنه ذكي في نفس الوقت، يتحين الوقت المثالي للانقضاض على الخصم فتؤول حيازة الكرة له في الحال، دون خشونة أو عروق نافرة أو صراخ بلا داعٍ.

الأهلي كفريق كبير يحتاج لبناء الهجمة من الخلف، كما يحتاج لحلول عديدة لتجاوز التكتل الدفاعي. هذا الأمر أعطى للظهير الأيسر أيمن أشرف أفضلية على مدافعي الفريق لشغل مركز المدافع، فما بالك بمدافع يجيد المهام الدفاعية، ويصنع الفرص أيضاً.

أن تكون هادئاً وفعّالاً لا ينتقص ذلك من رجولتك شيئًا، بل على العكس ذلك أفضل جدًا. لهذا آمنت جماهير الأهلي ببدر بانون ووجدت فيه ضالتها، وشعر بدر بالثقة في المقابل، ولهذا اتسم الرجل بمستوى شبه ثابت، تلك الثقة يحتاجها بدر الآن خصوصاً أن الأمر في المغرب مغاير بعض الشيء.

شوارع الحي الحسني لا تكفي

بدر بانون
بدر بانون

بينما كانت شوارع الحي الحسني هي السر في صنع مدافع على شاكلة بدر بانون قادر على الدفاع وصناعة الأهداف في آن واحد، كان تلك الشوارع هي السر في إقصاء بدر المتواصل عن تمثيل المنتخب المغربي.

تمتلك المغرب طبيعة خاصة فيما يتعلق بفكرة المنتخب الوطني. يبقى السبب الرئيسي في تلك الطبيعة هو وجود مهاجرين مغاربة في أوروبا على نطاق واسع.

تحول المنتخب مع الوقت إلى فريق يبحث عن اللاعبين وليس اللاعبين يبذلون أقصى ما يستطيعون من أجل تمثيل منتخب بلادهم. تلك هي فلسفة المسئولين عن كرة القدم في المغرب وليس مدرب بذاته أو رئيس اتحاد كرة قدم بشخصه.

يمكنك تفسير الأمر كالتالي، إذا احتاج المنتخب المغربي إلى لاعب وسط على سبيل المثال فعلى الفور يتم إرسال عدد من المستكشفين إلى أوروبا للبحث عن لاعب وسط من أصول مغربية حتى وإن كان يلعب في صفوف فرق الدرجات الأدنى.

يبقى هنا السؤال المنطقي، أيهما أفضل لاعب تربى في شوارع الدار البيضاء أم لاعب لا يتحدث العربية ولم يرَ المغرب في حياته أبداً. وإذا كان الفيصل هو إمكانات اللاعب فكيف نرى بانون خارج المنتخب؟

خرج مدرب المنتخب المغربي وحيد خليلهودزيتش ليوضح أمر استبعاد بانون قائلاً إن المنافسة كانت في صالح المدافع سفيان شاكله لأنه يلعب رفقة خيتافي في الدوري الإسباني. يمكن للمتابع البسيط أن يدرك ألا مقارنة بين شاكله في طريقة اللعب وبانون لكن هكذا تحدث خليلهودزيتش.

بعد شهرين من هذا التصريح وخلال التجمع الأخير للمنتخب المغربي ورغم استدعاء بن شرقي الذي يلعب في الدوري المصري رفقة الزمالك وكذلك انتداب بعض اللاعبين المحليين إلا أن بانون كان خارج القائمة أيضاً.

هنا خرج خليلهودزيتش قائلاً: “إن كرة القدم في أفريقيا تحتاج قوة في التدخلات وهو ما يفتقده بدر بانون في المقابل”. يبدو أن المنتخب المغربي يبحث عن الصخرة هو الآخر.

يعتقد بعض المغاربة أن المنتخب المغربي أصبح مع الوقت “منتخب مهاجرين”، وأن ضم لاعب محلي تربى داخل المغرب إليه أمر صعب للغاية بل إن وجوده ربما يسبب بعض المشاكل مثلما حدث مع المهاجم الفذ عبد الرزاق حمد الله الذي لم يستطع التأقلم مع باقي عناصر المنتخب واضطر لمغادرة المنتخب دون مشاركة حقيقية.

انتقل بدر بانون إلى الأهلي وأعتقد الكثيرون أن فكرة انتدابه للمنتخب أصبحت أقرب، الأهلي نجاحاته أكبر ومشاركاته مؤخراً أقيَم من الرجاء. لكن بقي الوضع على ما هو عليه في النهاية.

خطوة أخيرة نحو الحلم

بدر بانون
بدر بانون

يبقى حلم بدر بانون الذي عبر عنه في السابق هو الفوز بدوري أبطال أفريقيا. بانون شهد تألق الرجاء الإفريقي في التسعينات وأوائل الالفينات طفلاً. الرجاء الذي يلقب نفسه بـ نادي القرن في المغرب وتلقبه جماهيره بالعالمي يبقى بعيداً منذ زمن عن تحقيق تلك البطولة.

لعب بانون رفقة جيل في الرجاء أضعف من أن يحققوا البطولة، لذا رحل نحو الأهلي الذي يعتبر تلك البطولة بطولته المفضلة.

خطوة أخيرة تفصل بانون عن تحقيق حلمة وهي المباراة النهائية التي سيخوضها الأهلي ضد كايزر تشيفز الجنوب إفريقي. ليس هذا وحسب ولكن سيقام النهائي في المغرب حيث سيحقق بانون حلمه وسط جماهيره الخضراء التي لم تتخلَ عنه أبداً رغم الرحيل.

لكن مع تحقيق بانون لأحلامه ربما سيبقى له حلم أخير لن يتخلي عنه أبداً، وهو تمثيل المنتخب المغربي. لا يزال بانون في السابعة والعشرين ويمتلك إمكانيات واضحة للجميع فهل يبحث الرجل عن عرض أوروبي يذهب به للمنتخب المغربي طالما أن الأهلي لم يكن كافياً للمسئولين في المغرب.

تحب جماهير الأهلي بدر بانون وتقدره جيداً لكن هكذا كان الحال رفقة الرجاء قبل الانتقال للأهلي نفسه. فهل تملك جماهير الأهلي وإدارته سحراً خاصاً ومقابلاً مادياً مناسباً أم أن السيد خليلهودزيتش سيدفع بانون للرحيل.

هذا لم يحن وقته بعد، أما الأهم هي تلك الخطوة الأخيرة التي ينتظرها بانون وتنتظرها جماهير الأهلي بشغف كبير. ربما نجد الأهلي متوجاً بلقبه الإفريقي العاشر وسط جماهير الرجاء المغربية، إن حدث ذلك فاعلم أن السر هو بدر بانون.

محمود عصام

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى