وجهات نظر

بدل الحزن.. هل يمكن أن “تُصلّح ساعات”؟

بعد النزول مباشرة من مراسم دفن أبٍ أو أمٍّ أو أخٍ أو صديق، اخترع بَشَر السوشيال ميديا آخر تفصيلة لتلتحق -بل وتتصدّر- مراسم الوداع الفقير لموتاهم.. فينشرون حكايات/بوستات تحمل كواليس الساعات الأخيرة للمُتوفَّى، كل بحسب شهرته طبعا، فيروي الباقون على ظهر الحياة كيف تألم الراحل قبل أن يتركنا في اتجاه عالمه الآخر، ثم ينهون رواياتهم بأخذ صورة طازجة لقبره أو لتجمع أهله على مسكنه الأبدي المزيّن بالصبار وهو بداخل القبر الآن يُسأل..

لعلها صورة أخيرة لا يهم فيها حزن أو فقد، صورة للدعاية، لإعلان الحزن بطريقة عصرية، تعيد إلينا “الإفيه” الشهير للجواهرجي الذي سُرقت مجوهراته في أحد أفلام إسماعيل يس وهو يصف مسروقاته في محضر الشرطة بطريقة دعائية، لا بلهفة المسروق، كما تُذكّرنا بتلك النكتة للبخيل الذي “ينعى ولده” لكنه في تفاصيل النعي أراد أن يتربّح بإضافة جملة عن مهنته والخدمات التي يقدمها: “ويصلّح ساعات”.

لو تأملنا صور ما بعد الدفن، التي تتضمنها بوستات الفيسبوك عقب رحيل أهل وأصدقاء لن نرى فيها إلا حفنة من دعاية تتستر برداء الحزن الإلكتروني.. لم نر الميت داخل مقبرته في تلك الصورة.. لم نعرف مآثره لنترحم عليه.. لقد رأينا الزائر لا المَزور..

هذا الزائر الذي لم يوقفه أي جلال للموت من أن يستهدف مزيدا من الإعجابات والتعليقات، التي سرعان ما ستتبخر مع مرور 24 ساعة فيسبوك..

يقود هؤلاء عقل باطني مطعّم بشعارات:

فلأظهر أنا قليلا ولو على حساب جثمان أمي أو أبي..

لأظهر أنا قليلا ولو على حساب مشاعري الأصلية كإنسان يحزن..

عليَّ استعارة وجه آخر، والاستفادة من جِلْد الآخرين لترقيع جسدي الجائع لأي جديد/دعاية تعيد إليه نضارة المتابعة..

هذه الشعارات تبقى سرية في داخله، ربما لا يطلع عليها حتى وعيه، لكنه يمارسها باختيار المجبر وبإجبار من يختار.

الإدمان الوجهي

تتحدث الأوساط العلمية دائما عن نوعي إدمان، كيميائي يتمثل في إدمان المخدرات والكحول، وإدمان سلوكي كلعب القمار أو ألعاب الكمبيوتر، لكن كثيرا من العلماء بدؤوا يتحدثون عن وجود نوع ثالث من الإدمان يُدعى “الإدمان الوجهي”، وهو إدمان الكيفية التي نرى بها أنفسنا، فإدماننا لأنفسنا يصبح مرهقًا بعد فترة معينة من الزمن ويجعلنا نتجاوز الحقيقة والواقع.

هذا النوع من اختزال الذات في الإلكترونيات الحديثة من الممكن أن يسبب انجذاب الناس إلى ذواتهم، فتُبنى طبقة أخرى من الذات تتغذّى على المعجبين والمشاركين والمتابعين لوجود هذه الذات، ولكن هذا لا يعكس صورة دقيقة للطبيعة الحقيقية للفرد، فإذا تفاعلنا مع وسائل التواصل الاجتماعى والتكنولوجيا بلا داع، فإننا نميل إلى ما يبعدنا عن اللحظة الحالية. إلى ما يقربنا إلى صورة مشوهة للحياة.

صرنا جميعا مهووسين بنشر قصصنا على مواقع التواصل الاجتماعي، مدمنين لتوثيق خطوات وتفاصيل حياتنا، أدق تفاصيلنا خصوصية، وأقدس مشاعرنا سرية، كالحزن مثلا.

فهذا الذي فقد صديقه الأقرب ركن حزنه على جنب، وبدأ يفتح “لايف” ليسجل لنا وقائع دفن صديقه وهو يدخل في نفقه المجهول..

ماذا يريد المصورون لهذه البروتوكولات الوداعية أن يقولوا من وراء سلوكهم هذا؟

هذه اللوحة الدعائية التي نتجرعها يوميا على مواقع التواصل المختلفة، كأنها صورة حداثية لامرأة الصعيد والريف، التي أطعمتها التقاليد فكرة أن تلبس الأسود سنة كاملة على زوجها الراحل، كأن جلبابها القاتم ذاك “إعلان حُزن” فئة عام 1950.

لا زلنا نتوارث العادات، لكن التكنولوجيا تبدو أكثر جفافًا وخشونة وغلظة من جلباب القطيفة الأسود لأولئك المترمّلات.. كانوا يكتفون بالصمت والدموع المكتومة، بعكس صخب مواقعنا الاجتماعية، التي تسوقنا إلى هوة الأمراض النفسية بإرادتنا المسلوبة، فقد كشفت دراسة أن الإفراط في نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها مثل “فيسبوك” و”إنستجرام” و”تويتر” و”سناب شات”، قد ينبئ بالإصابة بأعراض النرجسية المرضية.

وبحسب موقع ميديكال نيوز توداي الطبي، أظهرت نتائج دراسة أن المشاركين الذين نشروا أعدادا كبيرة من الصور الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي تطورت لديهم السمات النرجسية بمعدل 25%.

حياة في اتجاه الخيال

يبدأ الناس، سرا أو علانية، في جذب انتباه الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عندئذ يشرع الفرد بتحويل حياته الشخصية من حقيقية إلى خيال، لحصد مزيد من المتابعة، فمنذ ابتكار هذه التكنولوجيا الاجتماعية، المصممة في شكل شبكات/شَرَك يتوق المسخدمون لمزيد من التعليق والمتابعة، فيتحول الإنسان إلى أرقام شير وتعليقات ولايكات..

لقد أصبح شخصية رقمية محبوبة جدا..!

في الحياة الواقعية، يتحدث الناس عن أنفسهم من ٣٠٪ إلى ٤٠٪ من الوقت.. أما في فخ وسائل التواصل الاجتماعي فإن الحياة منصبة لإظهار الجانب الشخصي لكل فرد، لذلك يتحدث الناس عن أنفسهم بنسبة هائلة هنا تصل إلى ٨٠٪ من أعمارهم على الفضاء الأزرق، بحسب إحصاءات نشرها موقع ميدياكيكس.. إنها شهية “الأنا”، التي تسمح لها شبكات التواصل بالتمدد، عكس واقعها المُحاصَر بالفقر والزحام وانعدام التواصل، فتبلغ حد أكْلنا نحن أصحابها، أكلنا بمشاعرنا الأساسية المغروسة في وجود الإنسان الأول، شهية لا تترك فينا مساحة لتأمل الفقْد.. كل فقْد لدينا يتحول إلى مادة دعاية كلما أمكن، الدعاية هنا غاية ووسيلة معا.

ماذا إذن تفعل بنا التقنيات الحديثة؟

شبكات التواصل الاجتماعي باتت أداة فاعلة في علم النفس، يمكن بها تحديد السلوكيات الإنسانية والتنبؤ بالعمر والجنس والمهنة ومستوى التعليم، وحتى الصفات الشخصيّة، استنادًا إلى بيانات رقمية متصلة بالسلوك البشري، كما يمكنها توقع أهواء الفرد استنادًا إلى محتويات حساباته على الإنترنت، وعدد الأصدقاء، وكثافة شبكات الصداقة، وخيارات اللغة…

وبين إشاعة أجواء اليأس والإحباط والكآبة بين المستخدمين والبهجة المفرطة يبدو التناقض الصارخ لإنسان السوشيال ميديا، فحياته الإلكترونية لا تتشابه أبدا مع حياته الواقعية، وهذا يشعره بنقص في رأسماله الاجتماعي، ما يعزز لديه استثمار كل شيء من أجل أن يكون أغنى وأبعد عن شبح الوحدة.

هذه السعادة المستعارة من كل شيء حولنا تصير مع الوقت “سُلطة” تحكمنا، فنعيش ظاهرها، ونرفض باطننا، نتاجر بفرش متاعها، ونطرد الشعور بفقد الأحبة، السكان الأصليين لقلوبنا، كأنهم هنود حُمر طردهم الوافدون الجدد من الفضاء المخيف..

لعلها حالة إجبارية، بحسب غسان مراد، الأكاديمي والباحث في اللسانيات الحاسوبية، تفرضها الشبكات الاجتماعية لصنع سمعة الإنسان الذي تريده، فمسألة “أن يراك الآخرون وتكون مرئيًّا من جانب الجموع هو أمر أساسي للسُّمعة”، ولكي يكون الفرد موجودًا اجتماعيًا، عليه أن يصرّح بتفاصيل حياته الخاصة كأنه إنسان مَشاع.. كأنه إنسان مستعار وُجد من أجل الدعاية لا من أجل أن يعيش.

مصطفى علي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى