بدون ذكر أسماء

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

لم أشاهد مسلسل “بدون ذكر أسماء” في عرضه الأول (2013)، وأتصور أنه رغم القيمة الفنية لم يحظَ بشهرة تتناسب معها وتنبه الغافلين من أمثالي للعمل الدرامي المهم.

رشحه لي مؤخرًا أحد الأصدقاء، ولدى مشاهدتي أدركت سر عدم الحفاوة وعرضه مرة ثانية وثالثة كما يحدث مع أعمال أقل منه بكثير، فقد انسلّ المسلسل من فجوة فتحتها 25 يناير في سقف الرقابة الواطئ، قبل سدها سريعًا، لتعود “ريمة” إلى عادتها القديمة.

العمل الدرامي لمن لم يشاهده بطولة: أحمد الفيشاوي، وروبي، ومحمد فراج، وعبدالعزيز مخيون، وشيرين رضا، وعدد كبير من النجوم، ومن إخراج المُجيد تامر محسن، أما القصة والسيناريو والحوار فللأستاذ وحيد حامد.

 منذ اللحظات الأولى يأسرك المسلسل بأجواء الثمانينيات المطبوعة بالحنين، تبدأ بعدها في التعرف على الأبطال واحدًا بعد الآخر، الأب “عبدالعزيز مخيون” أو عم “ربيع”، بائع البسبوسة، لا يخطئ أحد في تمييز أصالة تلك الشخصية، المحمّلة بحكمة الأجداد في كيفية النجاة ببيئة قاسية طالما تحالف فيها الاستبداد والفساد على هدف وحيد هو استغلال المصري وقمعه بلا هوادة.

وكما برع “مخيون” في دوره، أجاد “أحمد الفيشاوي” في أداء شخصية الابن الذي يحرضه عنفوان الشباب والطموح على التمرد، معلنًا عصيانه على معادلة الأب في السلامة، لينطلق متحررًا من كل قيد تلبية لنداء رغبته في الترقي.

هناك أيضًا الثنائي محمد فراج “الموهوب” وروبي “المجتهدة”، لمع الأول في أدائه ببساطة وسلاسة تميز ذوي المنح، أما “روبي” فبين أدوارها الأولى ودورها بالعمل وما تلاه مسافة تشهد بجهد يحرك في نفس المشاهد كل تقدير، ويفصح أننا أمام ممثلة مرشحة لكي تَسْطَعَ كواحدة من نجمات الأزمنة الذهبية.

الوقوف على أدق التفاصيل، تعبيرات الوجه، حركة اليدين، دس الشين بين الكلمات، السذاجة البالغة البادية على وجهها عند الابتسام أو لدى إلقاء نكتة، سذاجة لا ترتسم إلا على وجه ابنة الشارع خالية الوفاض من أي خبرات شعورية تتسم بالعمق، لكن رغم الأداء المميز لكامل فريق العمل فالبطل الأول كان النص والسيناريو والحوار.

اعتمد فيه الأسطى “وحيد حامد” على ميكانيزم الفضيحة، ففضح اهتراء منطق المحايلة المتوارث الذي اعتنقه الأب، بائع البسبوسة، لتسيير شئون حياته محاذرًا أن يمسها شيء من حرام، فيضطر نهايةً إلى بيع ابنته الصغرى لثري خليجي.

فضح “حامد” كذلك ما وصل إليه النظام المباركي من حال، فلا أحد آمنٌ بين رجاله، حتى أعلاهم منزلة وأرفعهم منصبًا، الكل في حالة تربص بالكل، والاستهداف لا يستثني أحدًا.

يقول اللواء سلام للمهندس سعيد في لحظة كشف: الصح ممكن يكون غلط في لحظة.. لازم البني آدم يكون مرصود ومتراقب حتى لو كان هو الطريق المستقيم ذات نفسه، وساعة اللزوم الملف بتاع الشخص يتفتح، سواء للخير أو للشر.

ممكن جدًّا الفاسد هو اللي يفوز عشان فاسد، والمحترم اللي انت بتقول عليه هو اللي يغور في ستين داهية، الحكاية ملهاش قواعد، الاختيار أساسه النظام عاوز إيه؟ الفاسد ولا المحترم. احنا في زمن يا سعيد ممكن يكون الفساد ميزة كبيرة لصاحبه، وأحيانًا الاحترام بيكون بلوة كبيرة على صاحبه، عشان كده بحاول بكل جهدي اني أخلي الملف بتاعي فاضي، لا فيه خير ولا شر.

في الوقت ذاته يطلب النظام لنفسه السلامة، فيخبرنا “وحيد حامد” على لسان أبطال مسلسله، عن سلع غذائية معيبة لا يُستورد غيرها، مثل اللحوم التي تأتي بأسعار مخفضة، لأن الحكومة “عايزة الناس تبقى مبسوطة وراضية”، ولهذا السبب لا تمانع الدولة “إن الناس تعمل أي حاجة عشان تلاقي أكل عيشها: يسرقوا، ينهبوا، ينصبوا، يقفوا قدام المدارس يبيعوا مخدرات.. المهم يبعدوا عنها..”.

 

فضح “وحيد” أيضًا نفاق ودناءة طبع تفشت بين عموم أبناء الريف، وكانت في عهود سابقة مكبوحة بلجام الواجب والأصول والعيب، معرجًا على المد الوهابي المتصاعد في تلك الفترة، وما اتصل بهذه الظاهرة من تكلف وادعاء وثقل أرهق كاهل المجتمع المكدود أصلًا.

فضح الحقيقة طالما كان ميكانيزمًا فنيًّا رئيسيًّا من ميكانيزمات الدراما التلفزيونية وكذلك الأعمال السينمائية، لكن الضغوط المتراكمة صرفت أصحاب الصناعة عنه، لتسقط أغلب منتجات هذا القطاع اليوم من سلة الفن على أرض التخييل أو التقليد الصرف.

محاصرة الأعمال الدرامية خاصةً في نصوص اكتفت بمحاكاة الواقع، نزع عنها صفة الفن بما هو فضحٌ أو كشفٌ للحقيقة لا مجرد تمثيل للحياة المعيشة أو تقليد لها.

ويستدعي التوقف عتبة التقليد بالتبعية تراجع القيمة الملطفة للفن، في حين تزداد مساحتها لدى اشتراك الفكر مع الحواس في إدراك العمل الفني، فتتعاظم بذلك قدرته على التخفيف من بؤس الحياة، حتى وإن استغرق -مثل مسلسلنا- في استعراض بؤسها، بل على العكس كثيرًا ما كان ابتعاد الفن عن تصوير أحوال الناس ومشكلاتهم الحياتية سببًا في ضعف جاذبية العمل الفني ليمسي أقل تلطيفًا.

ومن شاهد مسلسل “بدون ذكر أسماء” لدى عرضه يمكن أن يستعيد بسهولة ذلك الإحساس باللطافة عوضًا عمن شاهده مؤخرًا مثلي، إحساس نابع من إجادة لا يُستثنى منها أحد ضمن طاقم العمل، إلى جانب الحوار الكاشف والحبكة المحكمة، رغم أنها لم تتجاوز الرصد لفترة زمنية ضمت النصف الثاني من الثمانينيات حتى أوائل التسعينيات، أي لم تتجاوز السطح.

لكن السطح -كما علمنا نيتشه- مقدر، وتقديره إدراك لقيمة “الخفة الوازنة” التي يدور الفن بدائرتها ولم يخرج مسلسلنا عنها، كذلك فاحترام السطح “تثمين للظاهر كونه مجالًا للحقيقة” التي جاء عنوان “وحيد حامد” تدليلًا على التزامه بفضحها وإن “بدون ذكر أسماء”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

القصص المتعلقة

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram